نقول نحن المصريون في أمثالنا الشعبية «عض قلبي ولا تعض رغيفي»، فيما معناه أن أكثر وسائل العقاب إيلامًا تكمن في الحرمان من المال، والمُلاحظ أن هذا موجود في العالم كله، وبخاصة بعد سيطرة قيم الاقتصاد الحر على غالبية الدول ومن ضمنها مصر، فأصبح كل رجل أعمال يبحث عن الربح دون النظر لأخلاقية وسيلة الحصول عليه، ومثال ذلك من يفتحون قنوات للعُري والرقص ما دامت تجني المال، أو من ينفق على برامج هدفها الأساس مهاجمة الدين والسخرية منه لأن هذا سوف يحقق المشاهدات، ومن ثم يجلب الإعلانات، وهكذا.

قبل أيام، استهدف جمع من الإرهابيين عدة كنائس، مما أسفر عن عشرات الضحايا، وهذه جريمة بشعة لا يمكن تبريرها أو التسامح معها تحت أي ظرف، لكن ليس مقبولاً أيضًا أن تُتَخذ ذريعة للهجوم على الإسلام والانتقاص منه والتسفيه من نصوصه، فرأينا من يطالب بحذف كُتب بأكملها من الأزهر، ومن يُنكر آيات واضحة من القرآن أو يلوي عنقها ليًا لإثبات وجهة نظر معينة تتنافى مع العقيدة الإسلامية، والبعض طالب قبل ذلك بحذف النصوص التي تُكفر أصحاب الديانات الأخرى من القرآن.

وعلى الرغم من كون هذه الحملة ليست بجديدة، إلا أنها أتت هذه المرة أكثر قوة، وساهم فيها الإعلام بشكل ممنهج، والجديد أن الهجوم أصبح يطال الأزهر ومناهجه بشكل واضح، فإذا تفهمنا الهجوم على الإخوان والسلفيين والجهاديين في ظل الصراع السياسي الدائر، فلماذا الهجوم على الأزهر الذي يعتبر أكبر مرجعية سنية في العالم؟ كما أنه مؤسسة حكومية أنشئت بنصوص دستورية، إلا لو كانت المشكلة مع الدين نفسه؟

مفهوم جدًا أن يهاجم الإعلاميون، هؤلاء الإرهابيين الذين يقرون قتل المسيحيين في كنائسهم لأن هذا عمل شائن ولا علاقة له بالدين، لكن ما علاقة هذا بإجبار المسلمين على تغيير جزء أساسي من عقيدتهم؟ فيقول أحدهم: «من يُكفر المسيحيين إرهابي»، مع أن الله هو القائل «ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه»، ولم يقًل بها بن تيمية أو حتى شيخ الأزهر، وليس مفهومًا لماذا تُفتعل تلك القضية التافهة في كل مناسبة؟ على الرغم من اعتراف الأنباء مُرقس – أسقف شبرا الخيمة – في لقاء شهير بأن الداعية «الحبيب الجفري» كافر، وكل مسلم كافر بالنسبة للمسيحيين، وكذا عظة صوتية منسوبة للبابا شنودة يؤكد فيها أنه لا يجوز الترحم على مسيحي «ارتد» وترك المسيحية، ولا يجوز عزاء زوجته بالزعم بأن زوجها سيدخل في أحضان إبراهيم وإسحق ويعقوب».

أين المشكلة؟ المسيحي يرى المسلم كافرًا بالمسيح، والمسلم يرى المسيحي كافرًا بالإسلام، وهذا لا يمنع التعايش والاحترام بين الطرفين، أما مسألة الآخرة فمن حق كل شخص أن يعتقد فيها ما يشاء، ولو كان السادة الإعلاميون جادين في محاربة التكفير لسلطوا الضوء على تلك القضية لدى كافة الأديان وليس الإسلام فقط، أما ممارسة الدجل وإلباس قبعة داعش للأزهر، أمر يستلزم مقاطعة المنتجات التي تعلن عبر تلك القنوات.

قبل سنوات، تهكم رجل أعمال قبطي على شعيرة إسلامية معينة، فما كان من نشطاء التواصل الاجتماعي سوى أن نظموا حملة لمقاطعة شركة الاتصالات التي يملكها، وفي النهاية اعتذر وأعلن أنه كان يمزح، وذلك بعد أن تكبدت شركته خسائر بعشرات الملايين، ولم تستطع استعادة توازنها في السوق إلا بعد سنوات وسنوات، وكذا قاطع الناس منتجات شركة لحوم مصنعة كانت ترعى برنامجًا لشخص يهاجم الإسلام ويسب أئمته ليل نهار عبر برنامجه، فاعتذرت الشركة وأعلنت تراجعها عن رعاية هذا البرنامج، وبعدها حوكم في قضية ازدراء أديان واختفى ثم عاد ليطل برأسه من جديد.

وقبل أيام، نجحت حملة قادها نشطاء سعوديون في إيقاف مذيعة تدعى «رنا هويدي» من العمل في قناة «MBC» السعودية، بعد نشرها تغريدات تصف فيها مواطني المملكة بألفاظ نابية، وبعدها أغلقت المذيعة صفحتها، زاعمة أن الصفحة كانت مُخترقة، لا شيء يوجع كالمال، والمواقف التي يزعم أصحابها ثباتهم عليها تتراجع أمام المال، كلهم شجعان في المجانية، جبناء في المال.

والمطلوب الآن تبني عدد من مشاهير التواصل الاجتماعي لحملة تدعو لمقاطعة كافة المنتجات التي ترعى أي برنامج لا يتعامل مع الدين الإسلامي باحترام، كما تشمل المقاطعة، حذف تلك القنوات من الريسيفر، ومقاطعة الصفحات الخاصة بها عبر «فيس بوك» و «تويتر» و «يوتيوب».

قطاع من الناس قد يرى هذه الفكرة غير مُجدية، باعتبار أن بعض هذه الأصوات الإعلامية تعبر عن جهات في الدولة، والواقع أن هناك شواهد كثيرة قد لا تدعم هذه الأطروحة، أبرزها أن عددًا من القنوات الإعلامية المصرية تتبنى خط الدفاع عن الإسلام والأزهر، مثل قناة «العاصمة» المملوكة لعضو مجلس النواب سعيد حساسين، فضلًا عن قناة «LTC»، كما أن قناة «دريم» التزمت تغطية بها بصيص من الحيادية، فضلًا ظهور الشيخ خالد الجندي عبر قناة «DMC» ليصف كل من يهاجموا شيخ الأزهر بأنهم «يسيئون الأدب»، وهذا الأمر لا يخلو من دلالة مهمة.

إن الأمر لا يعود لتوجيهات تأتي للإعلام دائمًا، ومن يقول هذا يغفل أن بعض هؤلاء الإعلاميين لديهم مشكلة مع الإسلام كدين وكأيديولوجية، وبخاصة أن بعضهم تربى منذ نعومة أظافره في مؤسسات إعلامية تُعرف بمناهضتها للفكر الإسلامي، فضلاً عن نشأة بعضهم في أجواء لا تدعم هذا الفكر، يكفي أن أحد أبرز قادة هذه الحملة، كان والده أحد أهم صٌناع فيلم «الحب الحرام» الذي يُصنف كفيلم «للكبار فقط»، كما كانت بداياته وبدايات غيره في الحوارات الفنية التي يكون زادها الأساسي هو استضافة المطربات والراقصات، وفي وسط أجواء مثل هذه، لا تنتظر أن تؤخذ القيم الإسلامية على محمل الجدية، وبالتالي فإن من ينتقد الفكر الإسلامي «الذي يصفوه هم بالمتشدد أو التفكيري» يُنظر له بعين الرعاية من بعض هؤلاء، ويكون ضيف داخل أستديوهاتهم الفخمة.

كان هذا عرضًا للمشكلة، وردًّا على اهتراء الحجج التي يستخدمها الإعلام لمهاجمة نصوص الدين، والآن مطلوب خطوة جادة نحو المقاطعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الأنبا مرقس لـ"الجفري": لو مقولتش إنك كافر مبقاش مسيحي:
البابا شنودة يؤكد عدم جواز الترحم على غير المسيحي:
الإبراشي: الحملة على الأزهر محاولة لإخفاء فشل جهات أخرى:
عرض التعليقات
تحميل المزيد