سواء كنت متدينًا أم لا، فهناك تلك اللحظة التي تقف فيها حائرًا متسائلًا لماذا يا ربي؟!

لماذا يفتننا الله وقد تكون فتنة شديدة مؤلمة تجعلنا أسوأ مما كنا عليه، ونفقد بسببها كثيرًا من الخصال الطيبة التي كانت فينا، وعلى الرغم من أن الله يعلم مسبقًا هذا فإنه يفتننا!

ولعل أقصر وأيسر إجابة هي قوله سبحانه وتعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3].

إذًا فجوهر الفتنة هو إظهار الصدق وليس إظهار الحق كما يروج البعض،

فالحق الله وحده هو من يتكفل بإظهاره {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18].

فالهدف إظهار الذين صدقوا، وأهم صدق هو الصدق مع النفس أولًا والذي سيتبعه لا محالة صدق مع الله.

فالإنسان خلق ضعيفًا ولابد له من أن يخطئ لكي يتعلم وينمو، فليس مطلوبًا منه أن يكون على الحق إنما أن يكون صادقًا في طلب الحق وهناك فرق بينهما.

وإن كان ذلك هو الهدف والغاية من الفتنة، فكيف تحولت الفتنة إذًا من أداة لتقويم السلوك الإنساني وتطهير النفس البشرية إلى أداة لترسيخ التخلف والفساد والانحراف؟!

كيف لمن يُفتنون أن تزداد أخلاقهم سوءًا حتى يمتلئ قلبهم بالحقد والتشفي وعدم الرحمة؟!

إن الانسان أمام الواقع المضطرب يصبح قلِقًا حزينًا متشائمًا، مما يؤدي للإحساس بالكآبة والإحباط ويحاول الهروب من هذا الواقع، ذلك الهروب قد يتخذ أشكالًا عدة تبدأ بالانحراف الأخلاقي وتنتهي بالإلحاد ولو بشكل غير معلن، أو تبدأ بالتصوف وتنتهي بالرومانسية، ويهمنا مناقشة الجانب الثاني هنا.

والرومانسية هي فلسفة مثالية ترفض الواقع بشكل طفولي وترغب في العودة به إلى مرحلة البراءة الأولى، عندما كان كل شيء مفهومًا وبسيطًا وجميلًا!

فهي محاولة للتبسيط المخل، يتصور الإنسان من خلالها أنه قادر على التصرف بشكل صحيح وأن يُرغم من حوله على أن يتصرفوا بشكل صحيح أيضًا، مما يجعل الواقع في النهاية جنة أرضية لا صراعات فيه ولا مشكلات!

وقد تأثرت كثير من التنظيمات والفلسفات والأديان بتلك الرؤية بما فيها الرؤية الإسلامية، التي تعرض أتباعها لمحن شديدة دفعتهم لتبني مثل هذه الفلسفة وأسلمتها!

ونظرًا لأن الفلسفة الرومانسية مغرقة في الذاتية ولا تتقيد بقواعد العقل والمنطق، فإنها تقدم تفسيرًا هلاميًا للواقع حسب الأهواء الفردية، فيتم توظيفها لترسيخ الرؤية الذاتية للعالم، فتحولت الفتنة هنا من أداة للتغيير إلى أداة للتخدير.

فلا يهم أي تفسير موضوعي فما يصيب الإنسان وجماعته من قبيل المحبة الإلهية، ولكن ما يصيب الآخرين فهو من قبيل العقاب الإلهي! هكذا ببساطة وبيقين لا يتخلله شك.

إذًا هي حالة من التخدير يعمد الإنسان أو الجماعة أو المجتمع إلى استخدامها هربًا من محاسبة النفس ومراجعتها.

مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حاسب نفسه رغم كونه نبيًّا  في الحديث المعروف «إلى من تكلني… إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي».

وفي غزوة أحد عندما حانت نفس اللحظة التي يتعجب فيها الإنسان ويتساءل لماذا يا ربي فقال الصحابة: «أنَّى هذا».

وجاء الرد سريعًا: «قل هو من عند أنفسكم».

وهم الصحابة الأخيار الأبرار ولكن القرآن يتعامل مع الطبيعة والفطرة الإنسانية ولا يقدس أحدًا.

فالمصيبة سواء كانت فردية أو على مستوى المجتمع تعني أن هناك خللًا ما ينبغي إصلاحه. فالاحتجاج بعدم تمكن المؤمنين من أدوات القوة والسلطة هو احتجاج فارغ أيضًا من قبيل التخدير والإرجاء.

تلك الحقائق الواضحة تدفعنا لضرورة البحث عن مكمن الخلل سواء في حياتنا الشخصية أو حياتنا العامة كمجتمعات مسلمة.

الفتنة بين لماذا وكيف؟

بداية هناك قدر مكتوب وهو خير مطلق لأنه من عند الله سبحانه وتعالى والله منزه عن الظلم وعن الشر في ذاته.

ولكن هذا القدر هو غيب مطلق كذلك فهو مجهول بالنسبة لنا. والله إن أراد شيئًا هيأ له أسبابه وهو ما يعرف بقضاء الله تعالى.

وهنا على الإنسان أن يأخذ بالأسباب دون أن يدري أهذا هو قدر الله المكتوب أم لا، فيتيح للإنسان حرية الاختيار، والأخذ بالأسباب يكون بالتوكل وهو درجة وسط بين التواكل والاتكال حيث لا ينسى العبد مسبب الأسباب رغم اتخاذه للأسباب.

وهنا تأتي أهمية الدعاء الذي يوفر عليك الأخذ بأسباب لم تكن مُقدرة لك منذ البداية، فيصرفها الله عنك قبل أن تُنفق فيها وقتًا ومالًا ومجهودًا، وقد يُستجاب دعاؤك أو لا يُستجاب وتلك قضية أخرى.

والأخذ بالأسباب يأخذ شكلين حسب التنازع والصراع الداخلي بين المبادئ والمصالح، أو بين النزعة الربانية والنزعة الشيطانية، أو بين التقوى والفجور، وذلك هو ما سنحاسب عليه، فهل أخْذُنا بالأسباب كان بالحلال أم بالحرام، وفي كلتا الحالتين لن نأخذ إلا ما كان مُقدرًا لنا منذ البداية.

هنا يأتي دور الفتنة، والتي تكون إما بالخير أو الشر {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].

وفي كلتا الحالتين قد تكون تلك الفتنة إما رحمة من الله فذلك هو الابتلاء، أو عدلًا من الله فذلك هو البلاء.

وفي الابتلاء يحمد المؤمن الله على السراء ويصبر على الضراء ولا يكون ذلك إلا للمؤمن كما في الحديث الشريف.

أما في البلاء فإن العبد ينسى الله في السراء وينقلب على رأسه في الضراء.

ولا يمكن معرفة الفارق بين الابتلاء بوصفه رحمة إلهية والبلاء بوصفه عدلًا إلهيًّا، ولكن يمكن فقط الاستدلال عليه وترجيحه، وذلك من خلال تعامل العبد مع الفتنة.

فالعبد المؤمن حقًا يحذر من النعمة ولا يعتبرها إلا رحمة من الله تعالى، وليست حقًا طبيعيًا مكتسبًا له كمكافأة على حُسن إيمانه ودماثة أخلاقه، ويراجع نفسه في النقمة فيعتبر أن ما يحدث هو نذير لفساد في الطوية وانحراف في السلوك وبُعد عن الصدق في الإيمان، وليس اختبارًا لثباته وقوة إيمانه وعزيمته ولأن الله راض عنه ويرفعه درجات!

ولا أفهم هؤلاء الذين هم على يقين جازم بأن ما يحدث لهم هو من قبيل المحبة الإلهية والابتلاء ليرفعهم الله درجات وليختبر صبرهم وقوة إيمانهم، في حين أن ما يقع للآخرين هو من قبيل العقاب الإلهي.

ذلك اليقين الذي يجعل من التدافع بين الحق والباطل مباراة كروية فريق الحق في مواجهة فريق الباطل وكل حزب بما لديهم فرحون!

فبدلًا من ذلك السجال والتنابز فلنستغفر ونراجع أنفسنا ونصلح ما أفسدنا وندعُ الله لأنفسنا جميعًا بالهداية حتى لا يعمنا هذا البلاء.

{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].

ما يحدث إذًا من فتن يحدث لأسباب مادية مباشرة خاضعة لقوانين موضوعية علينا أن نعيها ونتعلم منها حتى لا نكرر نفس الأخطاء مرة أخرى.

وهناك عبرة معنوية يتعظ من خلالها الإنسان والعبرة ذاتية بطبيعتها تختلف من شخص لآخر.

وأخيرًا هناك الحكمة الإلهية والتي نجتهد في معرفتها دون أن نجزم بها بشكل يقيني.

وإن من أسباب التخلف الحضاري والانتكاس الفردي الذي نعانيه، يعود لخطأ تاريخي في المعالجة قام به الفقه الإسلامي متأثرًا بالفلسفة اليونانية، حيث تعامل مع العقيدة والتي تقوم على الإيمان والذي محله القلب، تعاملًا عقليًا محاولًا البرهنة عليها بالأدلة العقلية.

في الوقت نفسه الذي تعامل مع الشريعة والتي تقوم على المعاملات الدنيوية وتخاطب العقل، تعاملًا إيمانيًا لا يقبل معه الاجتهاد ومقيدًا إياه بشتى الطرق والوسائل!

وتفرع عن هذا الخطأ خلل في تعاملنا مع الفتن والنوازل، أهمها أننا نواجه الفتن بسؤال خاطئ وهو لماذا؟! وليس السؤال الأهم وهو كيف؟!

فيصبح التركيز منصبًّا على تبرير واقع الفتنة بدلًا من تغيره، وندور في جدل عقيم حول ما إذا كانت تلك الفتنة ابتلاء ليقوي الله إيماننا أم بلاء يعاقبنا الله به.

وكما أشرنا فإننا نحتكم في هذا الجدل العقيم إلى تصورات ذاتية غير موضوعية، عوضًا عن السؤال الأهم كيف نتعامل مع تلك الفتنة.

فتحولت الفتنة بذلك من أداة للتغيير إلى أداة للتخدير.

وعليه فإن أولى خطوات الإصلاح تبدأ من معرفة أنه ليس من واجب الإنسان أن يعلم «لماذا» خلق الله الفتنة كالظلم مثلًا، وإنما واجبه أن يعلم «كيف» فيعمل على رفع هذا الظلم والقضاء عليه ومقاومته، وهكذا في شتى الفتن والمشكلات التي تواجه الفرد والمجتمع.

فالله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد