«نريد تسليم السلطة اليوم قبل الغد، لا طموحات سياسية لي، ولن نستنسخ التجربة المصرية».

تصريحات مقتضبة جرى أولها على لسان نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الفريق ركن محمد حمدان، بعد اتهامات نجدها مفهومة من المتظاهرين للجيش بعرقلة أي تفاهمات تستهدف المضي قدمًا في اتخاذ تدابير حقيقية ملموسة لأولى خطوات تسليم السلطة، وخرجت الثانية المقتضبة بدورها من فم الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الجزائري، والذي يبدو أنه يسير على درب وطريق المشير طنطاوي في إدارة المرحلة الانتقالية بذات الإخلاص والنزاهة التي يشهد بها عشرات الآلاف من الهاربين والضحايا وسجناء الرأي الذين تعج بهم الزنازين المصرية المخيفة.

تسليم السلطة، ذلك المطلب غير الموضوعي والحالم الذي كثيرًا ما نادى به الجمهور في بداية حراك الشعوب العربية، قبل ما يقارب العقد ليقابل باستجابة وهمية سريعة كما نشهد الآن، تتبعها وعود كاذبة بالتنفيذ تقطر أريحية وشفافية لا تملك معهما إلا أن تتأثر فتلمع عيناك بالدموع، وتغمضهما لوهلة يسرقونك فيها، ويجرونك جرًّا من قفاك إلى ذات الدائرة السابقة التي جاهدت للخروج منها، لكن مع ديكتاتور جديد بنظام معدل ذهب سريعًا إلى التوكيل لعمل بعض الصيانة وضبط الزوايا، وعاد أقوى وأكثر فتكًا وقابلية للاستمرار.

يبدو لنا في مصر ودول عربية أخرى طالها الربيع العربي قبل سنوات، أن كل ما يحدث في الجزائر والسودان ليس إلا حالة شوهد من قبل «ديجافو» تثير الشجن والأسى وقليلًا من الغيظ أحيانًا، نتابع جيدًا مع ابتسامة ما يحدث في بلد المليون شهيد، ونحن نعلم أن الحراك الشعبي الجزائري سيسحق وسيركب ديكتاتور جديد طال الأمد أو قصر، نراقب ما يتم بعناية في عمق مصر الاستراتيجي الأهم، ونحن نعي أن اعتصام الزول السوداني أمام مقر المجلس العسكري لن يحول بينه وبين المقدور، وسيجلس على الكرسي الملعون زول سوداني آخر بصدر متخم بالنياشين، وهو الذي لم يحارب ولو لمرة لكن يقبع على كتفيه نسور ونجوم وسيوف ورماح وقلاع وحاملات طائرات إن أمكن.

«قديمة» أو «العبوا غيرها»، ذلك لسان حالنا أثناء الاستماع لتلك الوعود المبكرة والمتوالية بتسليم السلطة، ونحن ما زلنا وسط الموجة الأولى من انتصار متظاهري الجزائر والسودان؛ إذ يحني النظام رأسه مؤقتًا أمام الطوفان والزخم الشعبي الجارف، ويتجه إلى تفريغ غضب الجمهور بمحاكمة كبار رجاله السابقين عن طريق كبار رجاله الحاليين، وكأنهم لم يكونوا «واكلين شاربين قاتلين مع بعض»، ولم يصونوا زمالة السوء واللقمة المغموسة في الدماء.

ما نزال نتذكر حلقات مسلسل تسليم السلطة على الطريقة المصرية، بعد مرحلة انتقالية نرى الآن شبيهًا لها في الجزائر والسودان، بعد مرحلة كانت شؤمًا على الثورة، جرى تسليم السلطة لرئيس جديد يمثل نظامًا جديدًا، أو كما ظننا جميعًا وقتها أن ذلك ما يحدث، دخل رجل آخر إلى القصر ورأينا برلمان آخر ووجوه أخرى وكلام آخر، وكدنا رغم قصر عمر التجربه بما لا يصلح للحكم عليها بموضوعية أن نرى طريقة إدارة أخرى.

نعي الآن بعد فوات الأوان أن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شيء، وتسليم السلطة فعليًّا هو شيء آخر، إن كان ذلك من الأصل أمرًا ممكن الحدوث طواعية في بلاد العرب.

يفور التنور فيطير الزعيم ويظل رجاله في مواقعهم، وتظل السلطة في اليد، يضطر النظام آسفًا إلى التخلص من أشخاص بعينهم أصبحوا بمثابة الكروت المحروقة التي لفظها الشعب، ليصعد بعدها آخرون ولكن تظل السلطة في اليد، يتم إجراء انتخابات، ويدخل «رجل طيب» إلى القصر في موكب كرنفالي احتفالي، ولكن تظل السلطة في اليد، ينتخب برلمان جديد به كل وجوه المعارضة ورؤوس الثورة ليتبادلوا الصراخ والسباب طيلة الوقت، ولكن تظل السلطة في اليد.

سيناريو مقارب لهذا ينتظر المتظاهرين في السودان والجزائر، تسليم سلطة مزيف مائع لا تتبين منه رأس من ذيل، يعطي سلطة محدودة هامشية لا تغير من واقع الأمر شيئًا.

من أرشيف التجربة المصرية المرة مع الثورة ثبت قطعًا أن تسليم السلطة لا يقاس مدى نجاعته بانتخاب برلمان، أو رئيس جديد، أو حتى بخروج أشخاص من المشهد بقدر قياس مدى النجاح الذي يتم تحقيقه في السيطرة على مؤسسات بعينها، مؤسسات كوزارة الدفاع، الحرس الجمهورى، وزارة الداخلية، المخابرات العامة، المخابرات الحربية، جهاز أمن الدولة، الأجهزة السيادية الغامضة، نتكلم هنا عن سيطرة حقيقية ليس فقط حق اختيار وتعيين من يجلس على رأسها من ضمن اختيارات هم بالأصل من يعطونها لك.

ستظل السيطرة الفعلية على تلك المؤسسات هي الدلالة الكبرى على من هو صاحب الأمر الحقيقي، فيخضع وينصاع بعدها الجميع في الداخل والخارج، ودائمًا كان هذا هو الحال في بلدان العرب منذ أحال جمال عبد الناصر مئات اللواءات والعمداء والعقداء من الجيش المصري إلى الاستيداع، وقام بترقية رفيق دربه عبد الحكيم عامر ست ترقيات من رائد إلى مشير؛ ليضعه على رأس الجيش مع توزيع باقي مجلس قيادة الثورة على رأس كل الوزارات والمصالح الحكومية، غير مستثنٍ حتى مصلحة المجاري، توطئة ليتولى هو بنفسه وزارة الداخلية جنبًا إلى جنب مع رئاسة الوزراء في أول خطوة من عبد الناصر لصناعة نظام عبد الناصر.

أما والربيع العربي لسوء حظ الحالمين يطل دائمًا في صورة هبة شعبية غاضبة، لا راعي لها، بعيدة عن مراكز التأثير، ستظل وعود تسليم السلطة هراء في هراء، ويعطونا حصة خائبة لا تسمن ولا تغني من جوع عند مطالبتنا بالخلاص، ويسمحون لنا بمجرد كماليات وشكليات لزوم المنظر العام، والشكل الخارجي، لا تؤدي لضرر فعلي عليهم، أو تغيير جاد حقيقي، وسيفرح كثير من السذج بانتصارات وهمية، ويرحبون بهواء لا طائل من ورائه، وهم مبتسمون فاغرو الأفواه كالبلهاء، بينما النظام ما زال قابضًا على الزمام، وإن دخل القصر رئيس جديد بمجلس وزراء أجدد ببرلمان صارخ طيلة الوقت.

لقد كان في قصصنا عبرة لأولي الألباب؛ فلا تجعلهم يخدعونك، فشعب يقوم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيديه.

لا تحاربوا النظام بالسلاح؛ فهو يملك منه الكثير، حاربوه بالأفكار فهو لا يملك منها إلا مكررًا قليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد