يمكن القول إن ظاهرة الاحتجاجات هي ظاهرة عابرة لمختلف النظم السياسية، فهي تعتبر موجودة، سواء كان النظام السياسي ديمقراطيًا أم غير ديمقراطي، ولكن عادة ما تؤدي الاحتجاجات في النظم الديمقراطية إلى تطور النظام ولفت انتباهه إلى الثغرات والمطالب الاجتماعية أو التهميش السياسي، وبدوره يقوم النظام بتحسين أدائه، وأحيانًا يقوم بتجديد نخبته، إما في النظم غير الديمقراطية فهي تكرس وربما تعمق أزماته لأنه عادة ما يعجز عن الاستجابة لمطالب المحتجين بشكل سياسي بالاستجابة ولو لجانب من مطالبهم الاجتماعية عن طريق تغييرات في بنية العلاقة بين النظام والمحتجين، ويعمل على التحايل عليها فيستجيب لجانب ويرفض جوانب في صورة تجعله في كل الأحوال غير قادر على الاستفادة منها من أجل إرساء دعائم الديمقراطية والإصلاح السياسي.

الحراك سمة ملازمة للمجتمعات البشرية المختلفة، حيث لا يخلو مجتمع ما من تحرك الأفراد والجماعات من مركز اجتماعي إلى مركز اجتماعي آخر، عدا تلك المجتمعات المغلقة التي يقل فيها الحراك الاجتماعي إلى أدنى مستوياته ويرى العلماء أن الكائنات البشرية المنضوية تحت النظام الاجتماعي ليست كائنات جامدة الحركة أو أن حركتها تقوم على آلية محددة، بل إنها كائنات تتميز بالعقل، لذلك فإنها تؤثر سلبًا وايجابيًا في النظام الاجتماعي، حيث إنها قد تلائمه أو أنها تحدث تغييرًا فيه ليكون متلائمًا معها.

لذلك تسعى السلطة السياسية تقييد النظام الاجتماعي بتوجهاتها السياسية كما تسعى إلى تقييد حركة مكوناتها البشرية أي تثبيط الحراك الاجتماعي وتوجيهه وفقًا لأجندتها الخاصة، وبما أنه حراك ديناميكي غير محدد الفعل والتوجه، فليس من السهولة تقييده، ولكن قد تشله قيود ومحددات السلطة، غير أن هذه الآلية القسرية لشل الحراك في النظام الاجتماعي لا تدوم طويلًا، لأن لعناصر ومكونات النظام طاقة تحتاج إلى تصريف عبر الحراك الاجتماعي، وإلا فإنها تصبح طاقة كامنة تبحث عن متنفس لها، فإن حجبت متنفسات النظام الاجتماعي يصبح عرضة للانفجار عبر ثورات أو عصيان مدني ضد السلطة المستبدة، وبالتالي يؤدي إلى خلخلة أسس النظام لتعم الفوضى والخراب في المجتمع فتفرض كائنات قاع المجتمع سطوتها على الواقع الجديد وتضيع كافة الجهود التي بذلت عبر التاريخ للارتقاء بمدنية المجتمع.

من هنا فالحراك الاجتماعي هو عبارة عن إيجاد بيئة محفزة للعمل تتيح للمواطن تنمية قدراته واستعداداته، وتكون فيه الفرص على أساس القدرات والمواهب والجهد الذاتي، للحصول على مكانة وظيفة اجتماعية راقية داخل المجتمع، ومن ثم يصبح يصبح المجتمع مجالًا خصبًا لتنافس أعضائه.

إن عملية الحراك والتغيير الاجتماعي، تسير أحيانًا بشكل تدريجي بطيء إلى درجة تبدو معها وكأنها عملية تلقائية غير محسومة، وفي مثل هذه الأحوال يغلب عليها الطابع السلمي، وتؤدي الإجراءات السياسية هنا الدور الأساسي في قيادة هذه العملية عن طريق هزات ثورية مخيفة وسريعة تبدو بمنزلة قطيعة شبه كاملة مع المرحلة التي سبقتها وفي هذه الحالة تقترن عملية التغيير والحراك باستخدام القوة وانتشار أوسع لمظاهر العنف الاجتماعي، يترتب عليها كلفة اجتماعية واقتصادية كبيرة.

كما أن التاريخ يعج بالكثير من الحركات الاجتماعية التي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، ضد سلطة روما وغيرها، من Spartacus إلى التاريخ المعاصر.

ثورات الفلاحين والعمال والنساء في القرون الأخيرة تشير كلها إلى حركات اجتماعية، سواء من ورائها صياغة مجتمعية جديدة وبناء أسلوب حياة مختلف عما سبق، ومع ذلك تظل القرون الثلاثة الأخيرة من التاريخ الإنساني من أقوى اللحظات التي مهدت لصياغة المفهوم الجديد للحركات الاجتماعية، وذلك اعتبارًا لما عرفته من ثورات مهمة وحاسمة فقد كانت الثورة الإنجليزية سنة 1698، والثورة الأمريكية سنة 1776 والثورة الفرنسية سنة 1789 والثورة البلشفية سنة 1917، ثورات ساهمت بمقدار كبير في تجذير الفعل الاجتماعي وتطوير أشكاله وممارساته وجعله مثار تساؤلات معرفية كبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد