كم من مرّة كنت تَجلس بين أوراقك المنثورة ولا تستطيع أن تَكتب شيئًا، تحاول التركيز والإبداع وكل محاولاتك تبوء بالفشل! ومن ثُمَّ.. وبلحظةٍ ما تُنتج بنات أفكارك دون سابِق إنذار، هُنا وعندما تُصيبك اليقظـة، الشغـف، الإلهـام.. سمّـه ما شئت؛ سوف تُقدم عملك الفنـيّ، الأدبـيّ، الفكريّ بتألّـق وتميّـز ملحوظ، وتـضع بصمتـك الخاصة بِـه.

 هذه البصمـة ما يُميـزك عن إنسـان آخر، فالموضـوع لا يتعلّق بقدرتك على استخدام التراكيـب الأدبيَّـة والمُفردات بقدر تعلّقـه بما تملك من شغـف وبتِلك اليقظة التي تحل بِك قبل الكتابة.

 إذًا من أين تأتـي اليقظـة؟!

تأتـي من كمّ الأفكار والاقتباسات والجدل والحوار الذاتـي الذي تمـرّ بِـه فـي يقظتـك (غالبًا قبل النوم، عنـد الإثارة الفكرية/الجنسية مع الشريك، عـند للحظات تركيزك مع الموسيقـى، في لحظات تجرّدك من مشاعـر السعادة واللذة أو العكس) فـكل ذلك ينعكس على عقـلك اللاواعي ليُشَكّل عُمـق أفكارك التـي خُضتها من قبـل بدراستك الواعية للوجـود، وبالمقابل ما يُعـزّز حـوارك الذاتـي هـو تجاربك الحياتيَّـة من القراءة، الألم، الخُذلان، الفرح، التعاسة، الحُـزن، التساؤل، الاكتراثيَّـة، أفكارك الشيطانيَّـة، رذائـلك، خطيئتك، جنونـك، مرحلة عقل الطفل في إعادة وضع القيم وتخيُّل نفسك كاهن، سياسيّ، خارق القوة ،ضعيف ،متسوّل، عاشق، خائن، تمت خيانتك، ظالم، مظلوم.

ولهذا أنصحك بشـدّة أن تقرأ وتقرأ قدر الإمكـان، وتَشكيـل الألم الذاتيّ الذي تمـرّ بـه فـهو من يُشارك بتلك اليقظة بشكلٍ أو بآخـر، ومن هُنا نستطـيع أن نتفهـم كيف تَشكّل الأدب الكابوسـيّ، العشوائـيّ، الخيال الأدبي وغَيرهم من السرد الغريب للأحداث والمشاعر والأفكار التي تُلامـس كُلٍّ مِنّا؛ فـقد مَرّوا بيقظـة بعد كمّ كبير من الألم الذاتيّ، مثل فرانس كافكا ولنَقُل (الذي كتب أفضل رواياته -الحكـم- بليلة واحدة في عام 1912) وهو أفضل مثال وجدته عن اليقظة.

 تِلك هي اليقظـة التي تَجعـل الأبداع يتم في ليلةٍ واحُدة! وأغلب قصصه القصيرة التي كُتبت بيوم أو اثنين قَد كان بحالة مرضيَّة شديدة، ولَم يكتب بهدف نيل إعجاب القارئ؛ لأنه أوصى بحرقِ كتاباتـه ولكن لم تُنفّذ وصيتـه، بل كتب ليـكتب فقط، كتب لأنه مرَّ باليقظـة.

 وبالمثل الروائيّ ديستوفيسكي الذي كـان يعاني من الصرع عندما كتب أفضل رواياته، وحتَّى الفيلسـوف فريدّرك نيتشـه قد قـدّس المرض في كتابه – هـذا هو الإنسان – لأنه يُجـرِّد الإنسان ليُقدّم أفضل ما لديـه {كما وصفه}، وبالمثـل أشار لفائدة المشي لأنـه يصفـي ذهنك، استطيـع القول هُنا بأنـه يوصلك لليقظـة حسـب رأيـه.

 ما أردت قوله من خلال ذكر هذه الأمثلـة أن اليقظة ترتبـط نوعًـا ما بشكـل موّثـق مع الألم والتجرُّد والتجارب الدنيويَّـة السيئـة، والموضوع لا يختلـف عن القراءة، ولنَقُـل الشِعر رُبما..!! لتَكتّب الشعـر يجب عليك أن تسمع الكثير والكثيـر من الشعر، وليس من الضروريّ أن تحفظـه بل يكفـي أن يتخزّن ذلك اللحـن والوزن بعقلك اللاواعـي ليُشكـل لك يقظـة ما في وقت ما لتُبدع بـشيء ما. الكثير من القراءة العلميَّة، التاريخيَّة، الخياليَّة، الكابوسيَّة وغيرهم من القراءات.. سوف يُشكل لك يقظـة غير متوقعة!

اقرأ وتشكر الناحيـة المُشرقة من الألم والإدراك الذي اعتبره شخصيًا من أسس الفلسفة الحديثة وكان إحدى ركائز فهم الوجود، فأنـتَ تملك يقظـة ما بداخلك تختبـئ في متاهات اللاواعـي ولا تحتاج سوى للإنعاش رُبما.

بـعد تفهـم فكـرة اليقظـة لنتفهـم كيف يتـم إنعاشهـا

الكثيـر من الأشخاص يقولون أنه مـرَّ عليـهم الكثير من الوقت دون أن يـستطيعوا كتابة شيء، وهذا الأمر طبيعيٌّ جدًا.
وبنفس الوقت يجب أن نعلـم أنَّ هؤلاء الأشخـاص يملكون قُدرة جيدة من التراكيـب الأدبيَّة، المُفردات، التعابير المجازية، ممّا يخولهم للكتابة.. ولكن! لا يَكتبون شيء! لا يستطيعون!

هذا هو إشارة أنَّ الموضـوع لا يـعتمد على قُدرة الكتابة فقط بل هي مُكمّل ووسيلة لتجسيد اليقظة المُنتظـرة (والأمر غير مُقتصر على الكتابة، بل على كل أنواع التَعبير).

تَستطيـع أن تعود للجوّ الأدبيّ بأن تَخلـط الأوراق، أبحث عن الممنوع وفكّر بِـه، تجـرأ على التعبيـر عن أفكـارك الشيطانيَّة التي يُحرّمـها كُل من حَوْلـك من ديـن وأخلاقيات المُجتـمع النمطيَّة ودستور حياتيّ؛ هذا سـيفتح لك باب جيّد جدًا لتَنهض بنفسـك نحو الإبداع وكتابة بشكل لا نمطيّ، أو رُبمـا يَجعلك تصـل لأخلاقيات جديـدة ومُقنعـة أكثـر، يُمكنك أن تَصنع قيم جديدة كما فَعل الفلاسفة والكهنة من قبلك منذ فجر الفلسفة ونشوء الدين.

 تَستطيع أن تتجـرّد من نَفسـك وتُغربـل ذاتـك بالكامـل، أن تـكون كُلَّ شيء إلّا أنـت (وثِـق أنـك عندما تَكتب سوف تـعكس نفسك مهما حاولـت التجرّد) ولكن هذا يجعلك ترى جميـع زوايا الرؤيـة لتصيغ رؤيتـك الخاصـة، فـتخيَّل نفسك مُجرم وسفاح مثلًا! تخيّـل أنك رسول ونبيّ! تخيّـل أنك أسير لدى ملكٍ ظالـم! تخيّـل أنك تَفقـدُ إحدى حواسـك!

لا أعلـم طريقتـك، لكن يَجـب أن تُطلـق العنـان دون حـدود، تستطيع أن تستخدم لغة الموسيقى، أن تذهـب بعقلك لمكان ليس به تِلك الضغوطات التـي تُنهك حياتك، أن تَنسجـم مع أغنَّيتك المُفضلـة وتـتعايـش مَع تفاصيـل الكلمـات لتُنتـج ذهنًا صافيًا مؤهـل لليقظـة، اقـرأ الفلسـفة لشخصيَّـة تُمثِّـل لـك قدّوة، أو شـغف ما؛ تَخيَّـل أنَك في حوار مـعه ومن هُنـا سوف يـتسرب الكثيـر من الأفكـار إلـى عقلـك اللاواعـي لتَسيقـظ بوقـتٍ لاحـق.

 ومـاذا نَستطيـع أن نفعـل أكثـر برأيـك، شاركنا رؤيتك لموضوع اليقظة وكيف يتم إنعاشها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!