أحب الناس لي في حياتي أبي وأمي، ولكن أحب منهما إلي الكتابة، من الكتابة أحببتُ الله ورسوله، من الكتابة استطعت أن أحبهما، من الكتابة شعرتُ أنني إنسان لأول مرة، واستطعتُ الرؤية أكثر مما تستطيع عيني، وأكثر مما تهديني به عيني الرقيقة، إن الكتابة بالنسبة لي هي البصيرة، العقل والوسائل، وإن حب الله ورسوله لفعل إنسان بصير وعاقل، وإن حب الوالدين يأتي من نفس الصفات، لولا الكتابة لما أحببتُ أبي وأمي، وما عرفتُ ربًا ولا آمنتُ بنبي.

لولا اثنين لما أقدمتُ على معرفة الكتابة، أو معرفة قيمة الكتابة باللغة العربية، لم أكن لأنتقل من قارئ يفكر، ولا يفصح عن أفكاره، ويعيش في صمت الرُهبان والأديرة إلى كاتب يملك القلم، ويقوى على إتقان صياغة الكلمة وبالتالي:

قرأتُ في بداية عمري علي مقربة من عامي الثامن رواية هاري بوتر وحجر الفيلسوف، كُنت أحب الخيال التي تدور به الرواية، في تلك المرحلة كُنت أبغض وظيفة أبي؛ حيثُ كان يعمل مهندسًا للإلكترونات والاتصالات، واليوم أنا أدرس هندسة الإلكترونيات والحاسبات، رغم مقربة القسمين لبعضهما البعض، وإن ارتباطي بأبي له عامل قوي في تحديد مجال دراستي، إلا أني حقيقةً كُنت أصرح كثيرًا أن لو كان أبي ساحرًا لربما كان لي نصيب في أن ألتحق بهوجورتس جريفندور، وألتقي السير ألباس دمبلدور، ولكن في ظروف غامضة للغاية التحقتُ بجامعة النيل في مصر.

الحقيقة الدفينة التي لا يعرفها إلا قلة من أصدقائي، هو أنني لم أرغب سوى أن أتقن كتابة عشر سطور متتالية، ولم أنجح في البداية في كتابة اسمي بشكل صحيح تقريبًا، كُنت أقرأ هاري بوتر بشكل شبه يومي، وأحاول تعلم كيف أصبح كاتبًا مثل كاتب رواية هاري بوتر، لم أكن أعلم حتى أنها سيدة، بل كُنت أقرأ مقالات يومية عن الكتاب، دونما أن أدرك تلك الحقيقة، وفي إحدى المرات شاهدتُ مقاطع فيديو للكاتبة، وأدركت أنها كاتبة.

على مشارف عامي التاسع، وفي سنة 2008 تقريبًا كتبتُ أول نص حقيقي، وسبق أن نشرته في عام 2012 في إحدى الجرائد، كان السبب في ذلك أنني التقيتُ أدب جابرييل جارثيا ماركيز، لكن كُنت في تلك السنة قرأت قصة ج.ك رولينج التي بدأت من العمل في منظمة العفو الدولية إلى مُطلقة تحتمي في السفارة البريطانية في البرتغال من طليقها، تعول ابنة لا تستطيع تحمل مصروفاتها، وتكتب هاري بوتر بثمن ورقتين وقطعة بسكويت تشكل وجبتها اليومية وفنجال قهوة، في تلك الفترة من دراسة ج.ك رولينج، أدركت قصة الكولونيل أوريليانو بوينديا، كتبتُ وفقًا لما فهمته من كليهما، أن الخيال هو وسيلة الكاتب ليس اللغة، كانت رولينج تكتب من خيالها، وأن الخيال يلمس الواقع؛ إذ كان يرمز لشيء ما به مثلما فعل ماركيز، لقد اكتشفتُ الكتابة من خلالهما.

أبغض الأشياء التي التقيتها في تلك البداية أنني لم أكن أحب اللغة العربية، العربية لم تكن لغة الإبداع بالنسبة لي، كُنت أقرأ أدبًا مترجمًا أكثر من الآداب العربية، وكانت الآداب العربية بالنسبة لي تختصر في الشعر والخُطب، وإن اعتبرنا النثر العربي الذي يُمثل اللغة هو الجرائد العامة التي كُنت أقرأها بصفة يومية منذ عامي الثامن تقريبًا، لم أكن أتم عامي التاسع حتى قرأت سراج، سراج التي استمرت معي حتى اليوم.

كتبت رضوى عاشور رواية سراج في جزيرة متخيلة بين زنجبار واليمن، تحكي الرواية عن آمنة التي تخشى البحر الذي ألصق بولدها لقب اليتيم، كان زوج أمنة غطاس يجلب اللؤلؤ للملك، والعُرف في القرن التاسع عشر أن الغطاسيين يكتمون أنفاسهم لمدة تصل إلى الخمس عشرة دقيقة أحيانًا،فكان زوجها غريقًا في إحدى المرات التي لم يكن قادرًا فيها على كتم أنفاسه بشكل جيد، واستمرت الرواية تحكي كيف أصبحت آمنة أيضًا تخشى اليابس الذي ابتلع أبنها محمود وعمار وتودد وأم لطيف، في آخر الرواية تبحر آمنة ببصرها في السماء، وتُسمي النجوم بأسماء أحبابها وتحاورهم، وتنتظر آمنة غروب الشمس من كل يوم حتى تلتقيهم، وكم أسميتُ نجومًا من بعد آمنة، وكم من غروب انتظرتُ!

رضوى عاشور سيدة الثورة المصرية تقريبًا، هي من وقفت ذات يوم لإخراج الشرطة من الجامعات الحكومية، حتى تسمح للعامة بدخول الجامعات، لكي تصنع من جامعات مصر شبيهًا بجامعات اوروبا، لكي تعيد بيت الحكمة في هيئة مدرجات جامعة عين شمس، وواجهت نظام المجتمع المصري حينما تزوجت الأجنبي – الفلسطيني – مريد البرغوثي، وتحدت السادات حينما استمر هذا الزواج، سيدة لم تكن قوية قدر ما كانت عاجزة، لا تجدها تشكو، بل تقاوم!

كل أعمال رضوى أتت من الماضي، ومسيرتها الأدبية هي التي قالت لي إن التاريخ العربي والواقع العربي السياسي مزدحم بالقصص أكثر مما يرقى له خيال الإنسان، وربما حينما أصبحتُ مُنتميًا في التيار الليبرالي العربي، وفي صف اليسار السياسي فيما بعد، أدركتُ أن شريط الأخبار قد يعطيك ألف فكرة لألف رواية.

أخبرتنا رضوى في سيرة غرناطة كيف أن التاريخ يتكرر وكيف كان سقوط غرناطة على أهلها، انتظر أهل غرناطة بني عثمان والمغاربة لكي يفعلوا أي شيء، مثلما ينتظر قطاع غزة والضفة الغربية حدوث أي شيء، بل انضم إليهم سوريا والعراق، في الماضي كانت الفاجعة الكُبرى أن العراق احتلت الكويت، ورحل العرب، ينقسمون إلى صف العراق وصف الكويت.

أخبرتنا رضوى في الصرخة، وأثقل من رضوى كيف أن الإهانة في العالم العربي تشمل أن يكون العربي في ديار أمه غريبًا، ليس فقط مثلي يعيش العربي غريبًا في بلد عربي آخر، حينما كانت تحكي قصة زواجها من مريد البرغوثي – الأجنبي ذي الجنسية الفلسطينية – وأيضًا قصة ابنها تميم الأجنبي ذي الجنسية الفلسطينية عن أبيه.

تعلمتُ من رضوى ماهية اللغة العربية التي أتكلم بها، وما يعني أن أصبح كاتبًا باللغة العربية، أدركتُ من رضوى أن ما يعانيه العربي في أية بقعة من الشرق الأوسط ليس مختلفًا كثيرًا مما أعانيه أنا في منزلي، الوضع في جيبوتي شبيه بالوضع في الإمارات بالنسبة للمواطن تقريبًا، إذا دققنا في الحرية وحفظ كرامة المواطن.

تعلمتُ من كليهما أن الكاتب يجب أن يتعلم من العالم المحيط حوله المُلهم، وأن الكتابة ليست إلا خيالًا نتيجة الواقع المحيط بك، والعربي منذ نشأته أتى في عالم من الذل، وإهانة كرامة المواطن، وانتهاك حقوق الإنسان؛ مما يجعل من قصص المواطن العربي العادي الذي يُسمى المواطن الشريف أعمالًا إبداعية، مثل مجموعة قصص حسن كمال، وكان فرعون طيبًا، أو حتى مجموعة قصص زكريا تامر الرعد، أو دمشق الحرائق.

أتقنت حقيقة أن الكتابة سباحة في الخيال إثر الواقع المحيط من تجربة رولينج، وأدركت أن قيمة الكتابة باللغة العربية أنك تحمل تاريخ ليس بالهين، بل إنه تاريخ تشكل من ضياع معناه، كل العرب اليوم لا علاقة لهم بالمعتصم بالله أو حتى هارون الرشيد، العرب في الدول الأخرى يخشون زيارة السفارة الخاصة ببلدانهم، وأكثرهم يحاول نسيان لغته، أن تكتب بخيالك إثر واقع شيق ومزدحم بلغة يهاجرها أصحابها، لغة تضيع لضياع معنى قومها.

الكتابة باللغة عربية في القرن الحادي والعشرين شبيهة للغاية بميلاد الشيوعية في ألمانيا، ستركض مثل ماركس في الشوارع، ستقود ثورة مثل لينين في روسيا، نظرًا أنك ستتعرض دائمًا لخطوط حمراء كثيرة، بل سيأتي الإبداع ذاته من خلال الخطوط الحمراء.

اللغة العربية لغة لا حدود لها من حيث الكلمات وتكوينها بكل سهولة، وكثيرًا ما التقيتُ كتابًا متعددي اللغة، قالوا لي إن الكتابة العربية شبيهة بالطيران، وتظل أزمة الكتابة بالعربية هي الناطق باللغة العربية نفسه، وليس الكاتب، وهنا ما أود العودة به إلى مسألة رضوى ورولينج.

رولينج مثال للإنسان في شتى الأرض، إن الكتابة تأتي من فنجان قهوة وقطعة بسكويت كوجبة يومية، وإن الكتابة تأتي في كل الظروف، وفي جميع الأوقات، وكل البشر قادرون عليها، أما رضوى عاشور مثال للمواطن العربي، تقول له إن تكتب بتلك اللغة، فهذا يعني الكثير، يعني أنك لن تجد من يقف بجوارك حينما تتعرض لسؤال أمن الدولة أو القضاء وغضب النظام الحاكم.

الكتابة هو الركن الأسهل في هذه المنطقة، ولكن الركن الأصعب يأتي من أن الناس سينظرون لك كشخص تافه لا يجيد العيش في صمت، يود أن يعبر عن رأيه لكي يكون نجم المجتمع، يريد أن يصبح الفصيح العميق فقط، لا يدركون أنهم الذين يلهمونه طوال الوقت، وأنه يكتب عنهم لأنه يريد حقوقه بجوار حقوقهم، وأنه كان من السهل أن يتدبر حاله الفردي مثلما يفعلون جميعًا تحت سقف العبودية، ولكنه أراد الثأر لهم جمعًا.

على الكاتب العربي في كل يوم أن يترك لنفسه الحق في إقرار مصيرها، هل يستمر في محاربة الفساد المنتشر حوله والظلم الذي أبدعته أنظمة الحُكم منذ الاستقلال عن الاستعمار، وتأسيس دول الخليج والـ(سايكس – بيكو) من تبعات الحرب الأولى، أم يصبح إنسانًا عاديًا يأكل ويشرب ويقضى حاجته ويتكاثر وينام، يسبح الله ويشكر فضل الحاكم ويدعو له في كل جمعة.

الكتابة جاءت من رولينج، اللغة أتت من رضوى، والبقية طوال تلك المسيرة في المحاولات أتت من آخريين لا يمكن إنكارهم من همنجواي وكافكا وماركيز وتشيخوف ونجيب، ولكنني طوال عمري أحب أن أعترف أنني جئتُ من هاتين العظيمتين، وعلمتُ حجم الكتابة وحجم اللغة من خلالهما.

قال أورهان باموق: أثناء الكتابة تحركنا الشياطين. لست مرغمًا على التعرف على الكتابة من خلال كاتب مثلما فعلت، ربما عليك سماع صوت الشياطين، صدقني، أدركتُ هذا في الوقت الحاضر، كان إلهام شياطين أن أندفع نحو هولاء فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد