أشعر بمشاعر غريبة متناقضة؛ عندما أتذكر المواقف التي «اضطررت» فيها للسرقة، نعم السرقة، التي كدت يومًا أن أحترفها، وأن أسجل نفسي رسميًا، بسببها، في نقابة «علي بابا والأربعين حرامي».

وأضع مفهومين مزدوجين لمفهوم الاضطرار؛ لأنه مفهوم نسبي خداع فضفاض، فالنفس الأمارة بالسوء عادة ما تميل إلى تزيين الغواية، وإقناع صاحبها بأنه مضطر، ومجبر على ارتكاب المحظورات!

لكن خطورة تلك المواقف في حالتي، والتي تدفعني للحديث عنها، تكمن في أنها كانت تستند إلى خلفية فلسفية عميقة، أي أنها تتجاوز حدود الحاجة المادية، وتأتي ضمن إطار نظري يبررها ويدعمها ويمنحها المشروعية!

عندما دخلت الجامعة، كان هناك نظام يمنح الطالب الحق في اختيار تخصص فرعي مساند إلى جانب تخصصه الرئيس، وكان الطلاب ـ عادة ـ يختارون تخصصًا فرعيًا عمليًا يزيد من فرص إيجادهم لعمل، بعد التخرج، مثل إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو إحدى اللغات الأجنبية، لكنني، وأنا المتعصب في رفض الواقع، ومقت عالم الماديات، تحامقت ـ كعادتي ـ وقررت أن أختار «دراسة الفلسفة»، إلى جانب تخصصي المركزي في علم الاجتماع، قسم الفلسفة في الجامعة، وشكرًا لله على ذلك!

لم يكن يقدم إلا التخصص الفرعي، ولولا ذلك لكنت تورطت، وتخصصت فيه كليًا، دون غيره على الأرجح، فلم يكن يذهب إليه برجليه طائعًا مختارًا، إلا من أصيب بلوثة في عقله، أو كان به مس، أو كتلة من العقد، وأستطيع جازمًا أن أؤكد أن فحصًا «إكلينيكيا» نفسيًا وعقليًا لأساتذة القسم، وطلبته القلائل كان سيفضي بهم جميعا، وعلى وجه العجل، وأنا معهم طبعًا، إلى «السرايا الصفراء»!

في القسم، كان هناك أستاذ مجنون بامتياز من خريجي فرنسا، متخصص في الفلسفة المعاصرة، كان يبدو، بلحيته الفضية، ونظارته المستديرة، وصلعته الخفيفة يومئذ ــ أظنه قد اصلعَّ تمامًا الآن؛ إذا لم يكن قبَّاض الأرواح قد أخذه، وأراح العالم من جنونه ــ وثيابه الأوروبية المميزة، التي تجمع بين الأناقة والبساطة، شخصية روائية، لا تمت للواقع التقليدي المحيط بصلة.

توثقت علاقتي بالرجل الاستثنائي إلى حد بعيد، بل صرنا أصدقاء، وأثناء نقاش من نقاشاتنا التي لم تكن تنتهي، وفي سياق الحديث عن ارتفاع أسعار الكتب، أقنعني غضب الوالدين بنظرية إجرامية كان يتبناها، مفادها أن من حق المثقفين الكادحين الفقراء من أمثالي السطو على الكتب والأعمال الفنية؛ بحجة أنهم وحدهم يملكون القدرة على معرفة قيمتها وتذوق جمالياتها، بينما لا تشكل لدى الأثرياء الأوغاد من أصحابها، إلا مقتنيات ترفيه زائدة؛ للاستعراض والتباهي، أو مادة مبتذلة للتجارة والاستغلال!

راقت لي النظرية؛ فقد كانت أفكاري أيامها مزيجًا من «الاشتراكية والوجودية والفوضوية»، وكنت ناقمًا على العالم الطبقي الوضيع المفتقر إلى العدالة، فرأيت في النظرية الملهمة مجالًا للانتقام الرمزي، والتنفيس عن بعض قهري وحقدي الطبقي المقموع.

لم أجد صعوبة على الإطلاق في إقناع أصدقائي المقربين  بالنظرية الجهنمية، وشرعنا (على بركة …!) في تطبيقها على الأرض.

بحمد الله لم نضرب بعيدًا في بوادي التهور والمخاطرة، فحصرنا مجال التطبيق في دنيا الكتب؛ إذ كنا من القوارض النهمة للقراءة، وبدا لنا أن من الرائع أن يقتني المرء كتابًا يحبه بدلًا من أن يستعيره، ثم يتخلى عنه مرغمًا، بعد أيام من الوقوع في غرامه.

كان الأمر جميلًا ومثيرًا ومسليًاً في البداية، لكن المشكلة تتمثل في أن الإنسان متى اخترق حدود الممنوعات، سرعان ما يغدو مهيأً للتمادي والانغماس الكلي فيها؛ فالعملية التي بدأت على استحياء وتردد بأخذ ـ أو اقتباس، كما اعتدنا على تسمية الفعل ـــ كتاب نظن أننا نحتاج أو نود حقًا قراءته، تحولت بعد أسابيع قليلة من الممارسة، إلى عادة إدمانية طاغية؛ بقصد التملك، بل التنافس المحموم على جمع أكبر عدد ممكن من المؤلفات.

وذات يوم، وبينما كنا أنا وأحد أصدقائي ندس في معاطفنا الواسعة ما يتيسر من كتب وروايات من رفوف إحدى المكتبات، لمح صاحب المكتبة صديقي البائس، فقبض عليه متلبسًا بالجرم المشهود، ولحسن حظي، كنت عندها قد انتهيت من تعبئة كل الفراغات المتاحة داخل معطفي، ووقفت بباب المكتبة سعيدًا بغنيمتي منتظرًا انتهاء رفيقي من تسوقه المجاني، فدخلت ـ بعدما رأيت تعقد الموقف ـ كي أشارك رب المكان في توبيخ صديقي على فعلته النكراء، متظاهرًا بالفجيعة وخيبة الأمل، لعل مشاركتي في معمعة تقريعه القاسي، تنجح في شفاء غليل البائع الغاضب، وإقناعه بإطلاق سراحه والاكتفاء بشلال الكلمات الحادة الجارحة الذي أغرقناه فيه، وقد كان، لكنني كنت وقتها أكاد أنفجر ضحكًا وقلقًا في آن معًا، فوكزة بسيطة لي، وربما عطسة غير متوقعة، كانت كافية لتساقط الكم الهائل من الكتب التي كدستها تحت إبطيّ وتحت حزامي، إضافة إلى تلك التي لم يكن يمنع انهمارها على الأرض، إلا المعطف المنتفخ المغلق عليها بإحكام.

مرت الحادثة بسلام، ولكنها مع الأسف لم تكن كافية لأن تجعلنا نتعظ ونرعوي؛ فنثوب إلى الرشد، ونكف عن غينا وطيشنا. إلى أن جاء يوم لا ينسى، طرنا فيه فرحًا بانعقاد معرض دولي للكتاب في المدينة، تضمن ما لذ وطاب من الأسفار، فكنا عندما دخلناه نشعر بشعور الفأر الجائع الذي يدخل مطبخًا عامرًا بأشهى أصناف الجبن. لنبدأ في التنقل بين جناح وجناح، ونحن نحمل معنا، هائمين سعادةً، كالفراش، ما يحلو للعين، ويلذ للعقل من عناوين.

وفجأة، ودون مقدمات، وقعت النكبة، وحلت الصاعقة، ولا أدري كيف وجدتني أنا ورفاقي المستهترين في مكتب إدارة المعرض، نتعرض لتحقيق مذل مصبب للعرق، وسط صدمة القائمين على المكان بنا، بوصفنا طلاب جامعيين يفترض أن نكون مثالًا في الالتزام بالأدب والأخلاق! لحسن طالعنا أشفقوا علينا، بعد أن اجتهدنا في رسم تعابير البراءة والسذاجة، وقلة الخبرة والإحساس بالخجل والندم على وجوهنا التي اسودت واحمرت وازرقت واصفرت. فلم يبلغوا الشرطة، وتركونا نذهب ونحن لا نكاد نصدق أنهم جعلونا نفلت دون عقاب مادي، ونحن نتلاوم ونعلن التوبة النصوح، ونلعن أستاذ الفلسفة الإبليسية، الذي كاد بنظريته القاتلة أن يحولنا إلى عصابة «مافياوية»، لولا لطف الله لانتهى بأعضائها المطاف في أقبية السجون، وما كان لينفعنا ساعتها هو وفلسفته الخرقاء الخائبة. فتبًا له، ولكل الفلاسفة الذين عرفت الكثيرين منهم في مدائن الشرق والغرب عن قرب، الذين يكادون يوزعون، الا من عصمه الله وهداه، بين معقد وأبله ومجنون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد