أمّا كيف يتعامل أهل السنة لغُرمائِهم – عقائديًا – فهذه مسألة واضحة وضوح الشمسِ لولا التأويل الركيك الذي يصحب كل نص صريح، يعلو صوت أهل الجهل أو الغلاة لتمييع الرسالة السماوية التي شرعت لتخدم فطرة الإسلام، وحيثما وُجدت الفطرة وجب الصدع بها كما هي، في هذا الوقت تلجأ «التحوت» إلى محاولة جناية لمص حماسِ هذا الدين الذي إن قدّر الله له أن يبقى مرتفعًا فسيكون على يد مجتمعٍ صالحٍ يداوم على مسائل التحليل والتحريم، وإن قدر له أن يخبو لفترةٍ ما فسيكون على يد مجتمع يوالي أعداء الله ويوالونه أعداء الله لا ينهون عن المنكر ولا يأمرون بالمعروف. فالواجب التسليم أن من «أحب» تحكيم شريعة الإسلام في بلده وقلبه وحياته كان لزامًا عليه أن يبرأ إلى الله من أي فكر يصيب المنهج الإسلامي بالجللْ، أخص بالذكر النصرانية واليهودية والبعثية والشيوعية والديموقراطية والعلمانية  .

«عموم الكفار» لهم حقوق علينا من البِر والعدل من غير مزاودةٍ أو مجاملة على حساب هذا الدين، فإذا كان الإسلام قد حرّم ظلم المُخالف لنا في الدين فقد حرم كذلك محبتهم وموالاتهم. وهذا موقف وسط بين ولاءِ بعض الناس للكفار وبين غلو بعضهم الآخر في استباحة دمائهم. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين» سورة المائدة، الآية: 51. وهنا نهي واضح للمؤمنين عن التناصر والتحالف مع أهل الكتاب، وهذا أكثر ما كان يلتبس على المسلمين، فيحسب بعضهم أنه جائز لهم بِحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر، ومن الغلط البيّن ما يحصل عند بعض المسلمين من الخلط بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، وما هذا الخلط المتمثل في الولاء وعدم البراء لهو سبب البلاء والخطر الكبير الذي يهددنا، والتولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يندرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم . وهذا مجمل ما قاله الدكتور عبد الحميد السحيباني عن هذا الخطب .

وصور موالاة الكفار هي: الرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم، مودتهم ومحبتهم ومجالستهم والتلطف لهم، السكوت عن أعمالهم الإجرامية والتشبه بهم، السكنى معهم في ديارهم على غير حاجة، أو الانخراط في الأحزاب العلمانية والإلحادية وغيرها الكثير. وما يقوم به عدد لا بأس به من المسلمين اليوم من هذه المظاهر للآسف الشديد ما هي إلا بسبب جوانبٍ ثلاث، الجانب الأول ما اكتسبوه من ضلال جرّاء سوء التربيةِ والإفراط في الغربة والغياب عن مساجد الحيْ، الجانب الثاني هو تثبيت شيوخ السلاطين أقدامهم في البلاط الحاكم، مما أتاح لهم فرصة إعلان فتاوي ضلالية غير مُرضية وإظهار مواقف غير واضحة ترضي الحكومة، والجانب الثالث محاولة فئات مضللة لتطبيق «إسلام حديث» نكايةً – كما يدعون – بفئات منافسة لهم سياسيًا أو اجتهادًا منهم في خلق قالب إسلام حديث أكثر عولمه من الإسلام الذي كان في صدر الإسلام .

جميل أن نعيد مفهوم الحب والبغض في الله، فالمؤمن يُحَب لتقواه وابتغائه لله أما الكافر فلا يُبغض لجِنسه ولا للونه إنما لكفره ومعاداته لله، وما بين ذاك وذاك فهناك المسلم العاصي أو الفاسق وإسقاط مفهوم الحب والبغض في الله فله جزاء المحبة لما فيه من جانب خير وله جزاء البغض لما فيه من جانب العصيان والخروج عن طاعة الله. أدعوكم إخوتي في الله إلى سبيل تقوية «المحبة في الله» لأنها سبب من أسباب دخول الجنة كما في حديث «سبعةٌ يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله…» وقال المناوي في شرح حديث أبي داود: فمن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان .

وترك هذا الجانب لهُو انصراف للتودد بالكفار ومصاحبةٍ لا فائدة منها، فالشارع حرّم المودة وأباح البِر ومشروعية القول والفعل للكفار والعدل الذي يحفظ حقوقهم، وعلى هذا الأساس فمصاحبة المسلم للكافر مبنية على أسس فإن غابت هذه الأسس غابت مشروعية هذه العلاقة وأصبحت غير شرعية، فبجانب أساسيات المجادلة بالتي هي أحسن والتلطف والين هناك أساس أول هو هدف تبليغ الرسالة فإذا كان المسلم غير قادر على نصحهم ونهيهم عن المنكر وخاف على نفسه من الوقوع في المعصية واستحسانها فليترك الصحبة، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه الألباني، فنأسف اليوم على زيارة كثير المسلمين للكفار زيارةَ استئناس ولهو وأكل ومرتع دونما حاجة حقيقيّة أو مصلحة شرعية في ذلك، أما فعل النبي مع عمه و الفتى اليهودي فكانت غايته مناصحتهم وهدايتهم للحق. فأين غاية أهل السنة اليوم من تلك الغايات؟

أما باب البِر فهو واسِع ومنه استقبال الهدايا من الكفار وعدم قطعهم كما أذِن النبي لأسماء بنت أبي بكر لاستقبال أمها المشركة وكذلك قبِل النبي هدية المقوقس ملك مصر، وكذا فعل عمر حينما أهدى أخاه المشرك ثوبًا، وكذا مصاحبة الابن لوالديه المشركيْن في الدنيا بمعروف، أما الإفتاء بارتداء الصليب فلا يجوز، أو جعلهم يُمارسون شعائرهم علنًا في دولة كيانُها مُسلم فهذا باطل، وكذلك تهنئتهم بأعيادهم الوضعية لا تصح في الإسلام لما فيها من موافقة مُرضية لعقائدهم، أما رُتبة الولاء والبراء في الإسلام فهي من نواقض الإسلام، فمن لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر إجماعًا، ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين فهذا كفر قولًا واحدًا .

ولو قمنا باستثناء من لم تصله رسالة الإسلام فرأي الشارع الإسلامي بالجاحد هو رأيه بأقوام نوح ولوط وثمود وعاد ممن كفر وحق عليه العذاب، وهو رأيه فيمن حارب الله ورسوله والمؤمنين كأبي لهب وفرعون وهامان والنمرود وقارون وجالوت والسامري وأروى بنت حرب وعبدالله ابن سبأ، ورأي الإسلام هو نفسه في ابن العلقمي وزير الخليفة العباسي والذي تسبب في سقوط الخلافة الإسلامية واحتلال التتار لبغداد، وللإسلام نفس الرأي في أتاتورك وشارون وجورج بوش وبوتين ومن عاونهم على قتل المسلمين وقتل هوية الإسلام .

وفي ضخامة هذا التفاصيل يوجد استثناءات كثيرة من حالة تواجد المسلم في بلاد الكفر لسبب حقيقي وما أقرّ به الشارع من تُقية ومداراة والدخول في جِوار المشرك لدفع الأذى بشرط أن يأمن على دينه ونفسه، وتوظيف مثل هذه الأحكام تستوجب من المرء العودة لأهل العلم لا أن يجتهد عموم الناس بناءً على أهوائهم وآرائهم الشخصية، وهذا ما يلحظ على عقلية عموم الفرد المسلم، فأصبح فئة من الأفراد تشرّع لنفسها ولغيرها وفق لبِنات أفكارها المتواضعة، فترى عموم المجتمع الجاهل يفتي في أمور المستأمن والذمي والمعاهد والمحارب من غير علم، وأمَا والله ليحزنني أن أرى هؤلاء الدهيماء ضعيفو الإيمان ضعيفو الشوكة ممن التبس عليهم النص الشرعي وممن اتخذوا الديموقراطية والعلمانية في مواجهة أعداء الله فضاعت على أيديهم الصورة العزيزة للمفاهيم الإسلامية، فأخشى أن تصيبهم دائرة السوء. ولله درّ القائل:  تُحب أعداء الحبيبِ وتدّعي حبًا له؟ ما ذاك في الإمكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد