– هل نحاول لي عنق الحقيقة حتى نلون هزائمنا بلون زهري زائف، يكشف أول اختبار حقيقي له حقيقة لونه الأسود؟
– لا.

إنما أرى أن المظاهرات المحدودة التي وقعت في 20 سبتمبر (أيلول) نتج منها عدة شروخ مرئية للجميع بلا شك، في هذا النظام المنقلب على الثورة، وليس على متسلقي الثورة من الإسلاميين، هذا النظام الذي نحاول منذ عامه الثاني أن نستبدل به آخرًا مدنيًّا يحترم الدستور، ويرسخ لقواعد الدولة المدنية الحديثة العادلة مع الجميع بلا محاباة لعشيرة أو كتيبة!
وجاء حراك 20 سبتمبر حلقة من ضمن مجموعة حركات، وجهود متراكمة، أتى برغم محدوديته وعشوائيته وضبابية دافعيه، فإن رد فعل الدولة كان فاضحًا بشكل مثير للشفقة لمدى ديكتاتورية هذا النظام وقبحه.

– حوالي ألفي شخص اعتقلوا بعشوائية، ليس فقط من الشوارع، بل إنهم اقتحموا بيوت أطفال ومرضى، مثل شاب في السادسة عشر من عمره، اقتحموا بيته وسحبوه من فراشه في الثانية صباحًا، وما زال مختفيًا حتى اللحظة، وآخر مريض سرطان من الدرجة الرابعة، سحبوه هو الآخر من فراشه بعد حصوله على جلسة كيماوي! هذا بالإضافة لقرابة المائة سيدة وفتاة، وعدد كبير قد يتجاوز الألف، شباب تحت سن الخامسة والعشرين بدون أي توجه سياسي، وبعضهم عشوائي لدرجة أن بعضهم من محبي السيسي، والموجودين في كافة الفاعليات، وبعضهم كان فقط يشاهد المباراة في المقهى بالفعل، وحتى إن بعضهم اعترف على نفسه أنه يعمل مرشدًا للحكومة مع الظابط الفلاني في القسم كذا!

– مرضى ومسنون ونساء وأطفال، تلك القبضة الأخيرة مؤلمة لوجود كم هائل من المآسي داخلها، فبعيدًا عن أن السجن والاعتقال عذاب نفسي للسجين وأهله، خاصة المظلوم وسجين الرأي، فإنه ليزداد الطين بلة لأن – حشر- عدد مهول ممن «ملهومش فيها» في قضية أمن دولة، وتوجيه اتهامات مخيفة من قبيل نشر بيانات كاذبة، ومشاركة جماعة إرهابية… إلخ، أمر فاق ما سبقه من ظلم، وجرعة مركزة لن تمر مرور الكرام على النفوس.

– أماكن احتجاز غير قانونية، التبليغ بمعاملة عنيفة واستخدام الضرب في بعض المعسكرات، لمدنين غير مسيسين، كان خطأ ضخمًا ارتكبه نظام مرتبك من خوفه من بضع ألوف لم يتجاوزوا عشرة آلاف!

-التضارب في الخطاب الإعلامي، فمن بين 30 متظاهرًا كما أشاع الإعلامي عمرو أديب، ألقي القبض على قرابة الألف متظاهر، وفقًا لبيان النيابة العامة!

– اندفاع عشرات المحامين وأفراد منظمات المجتمع المدني لتقديم المساعدة القانونيه والدعم النفسي والإعلامي، في مشهد اختلط فيه رجل الشارع العادي مع المجتمع، الذي لطالما سمع عنه سبابًا وإهانات، وصوره له الإعلام شيطانًا حقيرًا، فلما اعتُقل أو أحد أفراد أسرته لم يجد من يهتم به، ويتابع معه، ويقدم له الدعم القانوني سواهم!

– الاعتداء على هؤلاء المحامين والسياسيين من قبل الدولة، مثل المحامية والناشطة الحقوقية ماهينور المصري، وتعريضها للخطف بشكل مخيف من أمام النيابة، وكذلك اعتقال المحامي الحقوقي محمد باقر من قلب النيابة، وفي أثناء وجوده للدفاع عن الناشط علاء عبد الفتاح المخطوف هو الآخر، بعد أن قضى فترة المراقبة، واعتقال سياسيين وناشطين وضمهم لقضايا في الفترة نفسها، جمع بين التيارات المدنية والشعب باختلاف طوائفه في مظلمة واحدة، عنوانها «الحرية»، تقريبًا لأول مرة، وتوضيح الخصم متمثلًا في الكلبش وأسوار نيابة أمن الدولة المحيطة بهم جميعًا.

تلك المشاهد السابقة أرصدها بشكل سريع، لأخلص منها نفسها إلى واقع، أظن أنه برغم مرارة الحلق التي صارت تلازم كل من احتك بتلك القضية من كم المظالم المهول، فإننا خلصنا بلا شك إليها، وهي أن في داخل تلك المأساة المؤلمة مكاسب متعددة، سأحاول أن أضعها في هيئة نقاط محددة؛ حتى تعطينا أنفاسًا متلاحقة للأمل نحتاج إليها بشدة، لنكمل حربنا مع الخوف الذي يحاولون فرضه:

1. الربط بين مطالب «العيش» التي خرج الغاضبون ينادون بها في 20 سبتمبر، و«الحرية» التي بلا شك مرتبطة بها، هذا الربط الذي انعقد في ذهن أكثر من ألفي معتقل عشوائي بأسرهم، أي حوالي 10 آلاف مواطن، الذين كان أغلبهم بعيدين عن عالم السياسة والمطالبة بأي حقوق، بالإضافة لتداول قضية الاعتقال على لسان مواطن الشارع البسيط اليوم، من فرط همجية القبضة وعشوائيتها.

2. توضيح مدى كذب الإعلام في تلك الفترة موضحة للمواطن البسيط عندما احتك بالقضايا بنفسه، ممثلة في البداية في تكذيب الحراك من الأصل، ثم في محاولة شيطنة المجتمع المدني، مثلما تفعل جرائد المخابرات وقنواته، المجتمع الذي يقدم لهم اليوم الدعم القانوني والنفسي دون مقابل.

3. الحراك المحدود الذي حدث، ومواجهته الهمجية جعلت المجتمع الدولي مجبرًا على الاعتراف بأن هناك خللًا كبيرًا في الحريات في مصر، وأن هذا النظام الذي شوه الدستور ليبقى، سيهدد مصالحهم حال استمر بتلك السياسات القمعية الغاشمة.

4. كسر حاجز الخوف، الذي يحاول النظام جاهدًا إعادته بهمجية تلك القبضة، لكن الواقع أن ما سيحدث هو العكس، فكما يقول المثل السائد «الشيء إن زاد عن حده ينقلب ضده».

5. تلك الفترة عاد الحديث السياسي إلى المواطن العادي بقوة، في المواصلات وأماكن العمل، والمستشفيات، حديث المواطن عاد للسياسة، وليس فقط من وجه اقتصادي كالشائع، إنما بوجه الحريات، والاعتقالات، والحقوق، والأمن الوطني وتصرفاته.

6. الأحزاب، والحركات، والشخصيات العامة، وكل مهتم بالشأن العام، رأى بوضوح حجم الغضب الشعبي الكامن، والقدرة على الوجود في الصورة وجودًا منظمًا، وخوض انتخابات، وإزاحة النظام الحالي لا يحيلنا عنها سوى شفافية الصناديق.

7. وسأختم بها لتفائلي بالرقم سبعة، فإن المكسب الإضافي أن النظام بأجهزته برأسه عرف حجم شعبيته الظاهرة في حجم الحشد الذي «حُشد» أغلبه بالرشاوي المعتادة، والتهديدات الضمنية، وعساكر بلباس مدني، وخلافه، وبالرغم من كل هذا، فإن عدد الحضور لم يصل حتى إلى 30 ألف، فإن كنت برغم التأمين، والإنفاق، وتوفير وسائل نقل، وإحضار عارضين من أمثال محمد رمضان، وفؤاد، ونور، وحشد ودعاية إعلامية كاملة، وتهديد لبعض العاملين وجرهم جرًّا للحدث، وبعد كل هذا حضر 30 ألف، فأين شعبيتك؟

وعليه، فإن ما حدث يعد بلا شك مكسبًا، مكسبًا وردي اللون، تظلله غيامة الحزن على المآسي والمظالم التي وقعت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات