«على بركة الله»، كانت آخر كلمات البشير وهو رئيس للسودان قبيل إقناعه من قبل كبار القيادات الأمنية بالتنحي بعد استحالة احتواء التظاهرات وهو فى السلطه. خطوة سبقتهم الجارة الفرعونية في اتخاذها مع ديكتاتور آخر منذ ثمانية أعوام، ولعب ذلك دورًا مؤثرًا في فض المولد واحتواء غضب العموم وبداية تفتيت الثورة تمهيدًا لبلعها كما شهدنا جميعًا. يبدو وكأنه كتيب تعليمات واحد يتداولونه بينهم يشرح لهم طريقة التصرف والإجراءات الواجب اتخاذها إذا تجرأ الشعب ورام الخلاص محاولًا لفظهم، لم يختلف الحال كثيرًا عما جرى في مصر وقت الثورة رحمها الله، تمت الإطاحة الغامضة بالبشير وتولى المجلس العسكري إدارة البلاد والعباد مع التعهد بإقامة انتخابات وتسليم السلطة بعد مرحلة انتقالية يشرفون عليها. هناك نحو دزينة من محاولات الانقلاب العسكرى أو ما يقارب ذلك العدد في سبعة عقود، مما يعد رقمًا قياسيًا للجيش السوداني الشقيق الذى على ما يبدو يجد بعض قادته في الانقلابات العسكرية الطريقة المثلى والأكثر فاعلية لتقديم أنفسهم إلى المجتمع والمشاركة في العمل العام، فتجدهم لا يطيقون فكرة المكوث في الثكنات بلا عمل فيهرعون للسعي لإلقاء السياسيين وأصحاب المناصب في السجون والجلوس مكانهم إن تيسر ذلك. تولى عوض بن عوف رئاسة المجلس العسكرى الانتقالي ليومين أو أقل قبل أن يفطنوا لكوميدية اختيار أحد خاصة عمر البشير ومقربيه من الرعيل الأول عند انقلابه على الصادق المهدى قبل ثلاثة عقود ليحل محله عبد الفتاح برهان صاحب الاسم الأول المرعب، وكأنها رسالة مبطنه من القدر يزيد طينها بلة مسارعة الإمارات والسعودية رعاة الثورات المضادة بإعلان ترحيبهم، ولن ترضى عنك الإمارات والسعودية حتى تتبع ملتهم. ربيع سوداني يأتي متأخرًا بعد أعوام من نهاية حلم التغيير أو ركونه حتى إشعار آخر إلى السكون، ديكتاتوريات لا تملك حسًا ابتكاريًا مما يجعلك تعلم جيدًا كيف سيلتف المجلس العسكري السوداني على التظاهرات، وكيف سينتصر على المظاهرات، وكيف سيتجاهل المتظاهرين.

1- سيغرقونك في مستنقع المرحلة الانتقالية

ما تزال المرحلة الانتقالية التي أعقبت نهاية عهد حسنى مبارك تمثل ذكرى سيئة لكل من تجرأ وأمل بحدوث تغيير، مرحلة كانت شؤمًا على الثورة امتدت نحو عام ونصف أي ما يقترب من نفس المدة التي حددها المجلس العسكري في السودان. ينتهى المشروع الواحد الذي التف الجميع حوله وتتضاءل الأحلام الكبار وتبدأ المشاحنات الجانبية وصراع النفوذ الذي يشجعه سرًا وفي الخفاء من يدير المرحلة الانتقالية فيتواثب الجميع بحثًا عن دور أو نصيب من التركه. تحول التظاهر نفسه إلى حشود تقابلها حشود من كل تيار سياسي أو صاحب مطمع وتتحول أسماء المليونيات التى تعج بالجماهير من جمعة الرحيل ومليونية الحسم والهتافات الحماسية التى زلزلت الميادين وزلزلتهم إلى شيء أخرق مليء بالعبث حتى وصل الحال بعد ذلك إلى تجمع حشود غفيرة للمشاركه في مليونية «كم واحد اعتلاكى» استهدافا لإحدى الممثلات التى يبدو أنها ضربت رقمًا قياسيًا وفاقت أترابها تميزًا في ذلك المضمار، ولا أعتقد الآن أن من فكر في تلك الدعوة الخلاقة للتظاهر قد يبالي لوهلة من خلف الأسوار حيث هو قابع بإجابة ذلك السؤال العميق والذي قطعًا لا يملكه أحد ولا حتى تلك الفنانة نفسها. سينسى المتظاهر السوداني، وكذلك نسينا من قبل أن من يتولى إدارة المرحلة الانتقالية هو أحد أعوان الديكتاتور الساقط، وعلى شاكلته، وإلا فلم يكن ليصل إلى ما وصل إليه من مركز متنفذ قريب من دوائر صنع القرار، سيفترض المتظاهر السوداني، وكذلك افترضنا من قبل أن من يتولى إدارة المرحلة الانتقالية هو وسيط عادل، بينما هو في الأصل صاحب مصلحة في إعادة إنتاج الوضع السابق بوجوه أخرى، وأن ما نحلم به من تغيير يستهدفه هو نفسه، ويحمل بين طياته تهديدًا وجوديًا له لا مزاح فيه، سيظن المتظاهر السوداني، وكذلك ظننا من قبل أن الغرض من المرحلة الانتقالية هو تمهيد الأجواء لتسليم السلطة وإجراء انتخابات بينما هي فىي حقيقة الأمر مرحلة الغرض منها إفراغ الثورة والمظاهرات من مضمونها واستنزافها وإضعافها وجعلها مطية مطيعة توجه حيثما أرادوا.

2- سيخدعونك بالمعارضين المزيفين

يأتي دور أشخاص على شاكلة حمدين صباحي، ابراهيم عيسى، مصطفى بكري، عمرو أديب.. قائمة طويلة لا يتسنى ذكرها نكتفي بهؤلاء على سبيل المثال لا الحصر. ظل الأول أحد كبار وجوه المعارضه طيلة أعوام وترأس الثاني أكبر جرائد المعارضة، وكاد حتى أن يسجن بعد تطرقه إلى مواضيع كان لا يجوز الخوض فيها وقتها، كحالة حسني مبارك الصحية، بينما كانت مشاجرات الثالث داخل مجلس نواب مبارك مع أعضاء الحزب الوطني ومواقفه الشجاعة يتغنى بها كثر، ومثل الرابع صداعًا دائمًا لهم ببرنامجه الشهير أو هكذا كنا نظن شخصيات من ذلك الطراز يجرى تسمينها وتعليفها ومنحها قدرًا ومساحة من حرية التحرك والكلام لتنال قدرًا ما من المصداقية لدى الجمهور يتم استخدامها في تلك الظروف لكي لا تخرج الأمور عن السيطرة، ويظلوا ممسكين للخيوط بشكل أو بآخر فيكفي أن تعلم أن رجلًا يتم استخدامه الآن كومبارس صامتًا في الانتخابات الرئاسية حصل على عدة ملايين من الأصوات في أول انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير. سيتركون لمثل هؤلاء الساحة مؤقتًا وهم على ثقة أنهم صنيعتهم، ولن يخرجوا بعيدًا عن الحظيرة، بينما سيسحقون من يستشعرون منه أدنى خطر، أو أقل بادرة للسعي في صناعة تغيير حقيقي ملموس مع التسرية عن الناس ببعض الانتصارات الوهمية كرؤية البشير، وهو يحاكم كما رأينا مبارك من قبل.

3- سيضعونك في مواجهة مع الكتلة الحرجة

الغالبية الصامتة، الكتله الحرجه، حزب الكنبة، سمهم ما شئت… يمثل تجمع المهنيين السوداني معادل ائتلاف شباب الثورة المصري وقت أن كانت هناك ثورة، يعلم المجلس العسكري الانتقالي ورئيسه عبد الفتاح البرهان أن الثقل الحقيقي ليس هؤلاء، وإنما يكمن في مئات الآلاف من المتظاهرين في شوارع الخرطوم ومدن السودان حاليًا، وأنه لولا هذا لكان بضعة مخبرين وعربة ترحيلات كفيلين بإنهاء ذلك المأزق واستضافة كافة أعضاء ذلك التجمع خير استضافة، ولكن ليس هكذا تؤكل الكتف، فذلك أمر عماده الصبر.

سيلعب المجلس العسكرى على سرعة ضجر عموم الجمهور ورغبتهم في عودة الأمور إلى طبيعتها، ستقل حماسة العموم شيئًا فشيئًا ومع طول المرحلة الانتقالية المقصود تتفشى حالة من  عدم اليقين وترغب الأغلبية الصامتة في إنهاء الأمر مع ازدياد الحنين للعهد القديم الذي رقص من أجله في مصر كثر خارج لجان الانتخاب أثناء استعداد الفرعون الجديد للركوب، ستبدأ تلك الأغلبية في النظر بمنظور جديد فبعد وقوفها بجانب الثورة والثوار في بداية الأمر تراجع نفسها بعد رؤيتها الكثير مما لا يروق لها، وليست غلطتهم فقد أفسدوا فطرتهم فتغير موقفها وترى الثوار مجموعة من مثيري الشغب والفوضى وأعداء الاستقرار، وترى الثورة إثارة شغب وفوضى وعداء للاستقرار حتى يجد المتظاهرون أنفسهم في نهاية الأمر فئة معزولة منبوذة يتوثب النظام للتنكيل بها ولا يبالي بمصيرهم من كانوا يومًا من خلفهم ويساهم الراعي في القبض على تشي جيفارا الذى يناضل من أجله؛ لأن معاركه تروع ماشيته. عندما ينهض الشعب تنتهى اللعبة، ولكنه كثيرًا ما يعاود الجلوس فتبدأ لعبة أخرى بنفس القواعد، ولكن اللاعبين آخرون، فعبد الفتاح برهان لن يكون أحمد سوار الذهب، واسم عبد الفتاح قد يكون برهانًا على ضرورة توخي الحذر. سنرى ماذا سيتم مع جارتنا الجنوبية وأهلها الطيبين باستثناء المستبدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد