الجزائر اليوم أمام حراك جماهيري حيوي حضاري فريد من نوعه، وشارع لا يتكلم إلا عن السياسة التي أصبحت شغله الشاغل منذ 22 فيفري (فبراير- شباط)، بعد سنوات من الغياب أو التغييب الذي فرضته السلطة بمصادرة الفضاء العام، ومنع الجزائري من ممارسة السياسة بفرض الرداءة على المشهد السياسي، في خطة تهدف إلى جعل الإنسان الجزائري يؤمن بأن السياسة هي ساحة الدجالين والمهرجين، وأن النظام قد أمسك بكل شيء في الجزائر، بحيث من المستحيل تغييره والتأثير فيه.
الحديث الدائر بين كل الجزائريين ليس فقط حول تغيير النظام، بل بدأ البعض بالحديث عن تأثير أجنداتهم في القوى الخارجية المعروفة بدورها الكبير في النظام العالمي (فرنسا، الولايات المتحدة، روسيا)، وهل تنوي هذه الدول التدخل في الجزائر حفاظًا على مصالحها. وللإشارة رفع المتظاهرون شعارات واضحة تطالب الفرنسيين والأمريكيين ليس فقط بعدم التدخل في ما يحدث في الجزائر؛ لأنها «قضية عائلية» كما وصفوها، بل بعدم التعليق أصلًا على ما يحدث في الجزائر.

التبعات على السياسة الأمريكية

علاقة واشنطن مع الجزائر ليست متينة بقدر العلاقة التي تتمتع بها مع البلدان المجاورة، مثل المغرب وتونس، تبلغ حصة الولايات المتحدة في السوق الجزائرية حوالي 5%، وهي نسبة قليلة بالمقارنة مع فرنسا والصين، لكن ستؤدي إصابة هذا البلد بنوبة جديّة من عدم الاستقرار إلى تقويض المصالح الأمريكية في المنطقة. فبرزت الجزائر شريكًا أساسيًّا لمكافحة الإرهاب في الحملة لإضعاف الشبكات التابعة لتنظيم «القاعدة» في منطقة الساحل إلى الجنوب. إن أي اضطراب أمني في الجزائري يعني خبرًا سيئًا للولايات المتحدة التي تحارب على عدة جبهات حاليًا في سوريا وأفغانستان.

التبعات على الاتحاد الأوروبي وروسيا

ويعتمد الاتحاد الأوروبي من جهته على الجزائر لضمان التدفق المستمر للهيدروكربونات، الجزائر شريك مهم جدًا في هذا المجال، فهي بصفتها مزوّد الاتحاد الأوروبي الثالث الأكبر بالغاز الطبيعي، وأوروبا لا تريد أي نوع من الاضطراب الذي يهدد خط الهيدروكاربونات إليها، وموجة أخرى من المهاجرين التي تسبّبت في غضب شعبي أوروبي سمح بعودة أحزاب اليمين المتطرف الشعبوي إلى الواجهة في فرنسا والنمسا.

وبخصوص روسيا، فالعلاقات بين البلدين وطيدة جدًا، ليس بسبب أن الجزائر من أهم زبائن سوق السلاح الروسي، إذ إن نصف صادرات السلاح الروسي إلى أفريقيا تستحوذه الجزائر، وإنما في مسألة الغاز الطبيعي، هناك تنسيق كبير بين البلدين، إلى الحد الذي نشرت فيه إحدى كبرى مجلات الاقتصاد العالمية «فاينانشيال تايمز» تقريرًا في 23 مايو (تموز) 2006، حذّرت فيه من قيام «كارتل– غاز» بين البلدين ينذر بسيطرتهما على سوق الغاز العالمية، وبطبيعة الحال لن تسمح روسيا بتطور الاضطرابات في الجزائر حتى تؤدي إلى ضياع هذا الشريك الاقتصادي، والذي أصبح شريكًا مهمًّا منذ 2006، بعد مجيء بوتين إلى الكرملين.

التبعات على فرنسا

العلاقات الجزائرية الفرنسية خاصة جدًّا، لعدة أسباب، وأي تغير فيها -ونعني رحيل النظام الحالي الذي نسجه بوتفليقة- ستكون نتيجه وبالًا على فرنسا التي تعيش هي أيضًا أوضاعًا داخلية متوترة:

النقطة الأولى تتعلق بمسألة الحق في تعويض الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، والتي تم الاعتراف بها أخيرًا للضحايا الجزائريين، والتي كانت مخصصة سابقًا للضحايا الفرنسيين فقط. يتيح قرار المجلس الدستوري الفرنسي في فبراير 2018 الفرصة للجزائريين الذين عانوا في الجزائر بين 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1954، و29 سبتمبر (أيلول) 1962 من أضرار جسدية نتيجة للهجمات، أو أي أعمال عنف أخرى مرتبطة بالحرب من الجزائر، الحق في التعويض. تعرض آلاف الجزائريين للعنف خلال الحرب الجزائرية. الغريب أن السلطات الجزائرية الحالية لم تستجب بعد لهذا القرار، كما لو كان هناك تواطؤ بين النظامين للاتفاق من خلال التزام الصمت بشأن هذه المسألة. يمكن تقدير مقدار الإصلاحات بعدة مليارات يورو. إذا حدث التحول الديمقراطي، فمن المحتمل أن يتم الكشف عن هذه القضية بطريقة أوضح من الحكومة الجزائرية الجديدة، وهذا خبر كارثي على حكومة ماكرون، وبالخصوص خزينة فرنسا.

ترتبط القضية الحساسة الثانية بإصلاح آثار التجارب النووية والكيميائية في الجزائر من 1960 إلى 1978، والتي أحدثت كوارث إيكولوجية وبشرية لا تزال مرئية وقابلة للقياس حتى يومنا هذا. هنا مرة أخرى، يمكن أن يمثل التعويض عن الأضرار التي لحقت بالمبالغ الضخمة، والتي تقدر بمليارات من اليورو، والتي ستخصصها فرنسا للجزائر، لكن فكرة التعويض في هذه الحالة تصبح أكثر جدية وأهمية، بل يجب أن تكون هذه النقطة أحد أهم أجندات الدولة الجزائرية الثانية إن قامت بالفعل، وإن كانت حقًّا تعبّر عن إرادة الشعب الجزائري وحقه.

القضية الثالثة، حساسة، تتعلق بالعلاقات الاقتصادية الفرنسية الجزائرية؛ إذ كان لدى فرنسا دائمًا دخل معين في هذه السوق، وهي تقتصر على الصادرات ذات الاستثمار المباشر القليل جدًا في الجزائر، أو الاستثمارات غير المباشرة مثل شركة رينو، إذ يكون معدل الاندماج منخفضًا جدًا؛ مما ينتج منه تكاليف إضافية للجزائر.
تتعلق القضية الأخيرة بحرية حركة الأشخاص بين فرنسا والجزائر؛ إذ يتعين علينا أن نعيش في طريق عقبة لعدد كبير للغاية مع هذا الشك الدائم بأن الجزائريين مهاجرون غير شرعيين في المستقبل يستفيدون من النظام الفرنسي.

في هذه القضايا الحساسة، كان النظام الحالي يتعاون دائمًا مع فرنسا من خلال الحفاظ على مستوى منخفض، كما لو كان غير مريح بمزاعمه المشروعة. يرتبط السبب بالتأكيد بحقيقة أن جزءًا غير مهم من شخصيات النظام الجزائري له مصالح مباشرة، أو غير مباشرة في فرنسا (العقارات، الأنشطة التجارية، الحساب المصرفي، الإقامة المزدوجة، تعليم أطفالهم…). من المحتمل جدًا أنه إذا سقط النظام الحالي، أن تثير الإدارة الجديدة جميع هذه القضايا الحساسة بشكل إيجابي. قد يكون هذا أحد أسباب الموقف الغامض للسلطات الفرنسية مما يحدث في الجزائر.

عبقرية الشعب الجزائري هي ثقافته وهويته التعددية، وأيضًا روحه الثورية التي تغلبت على الاستعمار بعد 132 عامًا من الهيمنة والاستغلال دفعت ثمنًا باهظًا، دفعته كل أسرة تقريبًا. قد يعتقد المرء في السنوات الأخيرة أن الشباب الجزائري فقد الروح الثورية التي تميز بها أجداده، والتي سمحت له باستعادة حريته وكرامته. كنا نظن أنه قد أصبح مخدرًا لمدة تقرب من 20 عامًا، يسترشد بالنزعة الاستهلاكية والوجبات السريعة. لكنه ليس كذلك! لقد أثبت ذلك للعالم كله. لقد كان ببساطة يعيد بناء نفسه في صمت بعد العقد المظلم ليولد من جديد. لقد توحد الشعب الجزائري مرة أخرى بطريقة مفاجئة، جميع الطبقات الاجتماعية مجتمعة في الحراك الشعبي. لقد أخذ السكان بمفردهم الشعلة مثل طائر «الفينيكس» الذي ينطلق من الرماد؛ مما يعطي فخرًا استثنائيًّا لجميع الجزائريين، العمود الفقري للهوية الجزائرية. هذا الدافع الثوري يضع الناس في ثبات النضال الجماعي الذي يفرض الاحترام والإعجاب العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد