نتذكر عندما اكتشف الإنسان النار بالصدفة دون الحاجة للتفكير في اكتشافها، هذا كان منذ زمن بعيد جدًا صحيحًا؟ وكيف كان في زمن بعيد أغلب الأمور كانت تحدث بمحض الصدفة، ونبدأ نتدرج في هذا الأمر حتى نلاحظ أنه مع مرور الزمن قد قلت الاكتشافات في العالم وزادت الاختراعات التي تحتاج إلى العقل والتفكير بشكل تدريجي، ولكن لا ننسى أهمية هذه الاكتشافات؛ لأنه بدونها لما كانت هذه الاختراعات موجودة في يومنا هذا، وأنت لم تكن حتى تقرأ هذا المقال من الأساس؛ لأن الورق لم يتم اختراعه بعد!

فلنلق نظرة الآن إلى العالم حولنا، ونتأمل في سيطرة التكنولوجيا والاختراعات في حياتنا، فتكاد لا تخلو كل غرفة في العالم من الأجهزة التكنولوجية التي نستخدمها دومًا، ولكن إذا تخيلنا عدم وجود هذه التكنولوجيا من حولنا، فكيف سنقضي وقتنا وماذا سنفعل؟ أو لنتخيل من كان يعيش منذ زمن بعيد أن يأتي الآن فجأة ويرى كل هذه الأمور، حال لسانه سيقول: ما هذا العالم؟ أهذا كوكب الأرض من الأساس؟ ولكن عندما يعتاد على العيش معنا (بعد عدة سنوات بالطبع) ويقارن حياته الآن بالحياة التي كان يعيشها من قبل، سيفكر كيف أنه كان يعيش من قبل دون وجود أجهزة الحاسوب والأجهزة اللوحية في حياته، حينها ندرك كم أننا في نعمة كبيرة، ألا وهي نعمة التكنولوجيا، ولكن الذين سيعيشون بعدنا بألف سنة مثلًا، هل سيقولون نفس هذا الكلام عنا؟ وكيف كنا نعيش دون التطور الذي هم فيه؟

في كل يوم تظهر اختراعات جديدة هدفها أن تسهل من حياة الإنسان وتتعامل مع المشكلات التي تواجهه، وعندما نقارن بين عدد الاختراعات وسرعة ظهورها قبل مئة عام مع الآن، نلاحظ أن عدد الاختراعات قد تضاعف عددها كثيرًا، فالتطور المهول الذي حصل خلال القرنين الماضيين كفيل بأن يكون عدد الاختراعات أكثر من كل القرون السابقة، ونلاحظ أنه بزيادة كبيرة يوميًا، ولكن إلى متى ستستمر هذه الزيادة؟ وكيف ستكون حياتنا في المستقبل البعيد إذا بقينا نتسارع هكذا؟

ومن الأمثلة على الطفرات التكنولوجية التي حصلت.. الذكاء الاصطناعي، نعلم أنه في بداياته ولم نلمسه في حياتنا كثيرًا الآن، ولكنه هو المستقبل! بداية من الروبوتات الذكية، السيارات ذاتية القيادة، والكثير من الأمور التي يحملها المستقبل لنا، في البداية سنتخيل أنفسنا في كوكب نجد فيه الروبوتات تستطيع أن تفعل أغلب الأمور التي نقوم بها نحن مثل وظائفنا، في البناء، في ترتيب المنزل… إلخ، وحتى أن روبوتًا قام بوظيفة الصحافي الذي يخرج على التلفاز ويتكلم بالنشرة منذ عدة أشهر، فعلت الروبوتات هذا دون وجود اختلافات كبيرة بين أدائها وأداء البشر، وحتى الروبوتات أصبحت هي من تقوم بالعمليات للمرضى بإشراف الطبيب؛ لدقتها ولأنها تقلل من الأخطاء الطبية، أو عندما تستيقظ صباحًا لتجد القهوة قد أعدها الروبوت لك، ولتجد الطعام قد طبعته طابعة ثلاثية الأبعاد، وتخرج إلى سيارتك وتذهب إلى عملك دون أن تلمس المقود؛ لأنه ليس موجود من الأساس! وهذه ليست إلا بداية المستقبل التكنولوجي.

أصبح الفرد تقدر قيمته بالأشياء التي صنعها وأفاد بها المجتمع، وهذا سبب من أسباب تطورنا السريع؛ لأنك إن لم تجر مع هذا العالم وتواكب هذا التطور، ستجد نفسك في الخلف وحيدًا، وهذا واقع نلامسه في حياتنا.

ولكننا إذا ابتعدنا أكثر من ذلك للمستقبل، فلن نستطيع التمييز بين البشر والروبوتات، وسيتطور تعديل الجينات لنفعل ما نريد في أجسادنا، وسيتم استغلال تكنولوجيا النانو بشكل أكبر، وإذا ذهبنا إلى الفضاء، من الممكن أن نتطور حتى نصل إلى مجرات أخرى، ونكتشف كواكب أخرى قد تكون صالحة للحياة، أعلم أنك قد تقول أن هذا مستحيل، ولكن يجب عليك الأخذ بعين الاعتبار أنه قبل مئات السنين كانت الكهرباء مستحيلة والإنترنت مستحيل والهاتف مستحيل، والآن أصبح حقيقة وشيئًا لا غنى عنه، فلا نستبعد أنه بعد مئات السنين ما نقول عنه الآن مستحيلًا أن يصبح حقيقة، فمع هذا التطور الهائل لا شيء مستحيل.

ولكن إذا ابتعدنا أكثر في التكنولوجيا وتوصلنا إلى خوارزميات أكثر تطورًا، فلربما في يوم من الأيام تصبح الروبوتات أذكى من البشر، وربما تستطيع أن تكتشف حقيقة الأمر بذكائها الاصطناعي، وقد تنقلب علينا انقلابًا عسكريًا دون سابق إنذار، حيث إن الروبوتات سيتم استخدامها بدلًا عن رجال الشرطة، فكيف سنحمي أنفسنا عند حصول هذا؟

عندما تصبح حياتنا كلها تعتمد على إنترنت الأشياء، والذي سيكون معتمدًا بشكل كلي على الإنترنت، ونعلم أن كل شيء متصل بشبكة الإنترنت سيكون عرضة للاختراق، فلهذا سيزيد الطلب على موظفي الأمن السيبراني الذين سيقع عليهم عاتق حماية جميع هذه الأشياء، ونعلم أيضًا أنه لا يوجد أي نظام آمن بنسبة 100%، فما بالك عندما يمنع عنك المخترق الطعام الذي تعده لك الطابعة ثلاثية الأبعاد، أو يخترق نظام سيارتك ذاتية القيادة، والذي سيسبب لك الموت من شخص مجهول قد يكون موجودًا في دولة بعيدة عنك آلاف الكيلومترات.

وفي يوم من الأيام سيصبح لدينا رقاقة في معصمنا تقول كل شيء عنا فقط عن طريق تمريرها على آلة المسح، وربما يعطى كل شخص عدد معين من السنوات التي يعيشها، وسيكون هذا الرقم مكتوبًا على معصمه، وإذا انتهت مدته مات دون أي مقدمات، وهذا عندما يصبح عدد البشر في العالم عشرات المليارات. وفي نفس الوقت ستكون هذه الرقاقة وسيلة التواصل مع الجميع أو طلب النجدة عند الحاجة بسرعة، ما الذي يحول دون أن تحصل أمور كهذه في العالم؟

أو شريحة تزرع في الدماغ لدمج العقل البشري بجهاز حاسوب، فمن خلالها ستستطيع أن تتبادل الأفكار والكلام مع الآخرين دون الحاجة إلى الكلام (التخاطر)، وهذا المشروع يتم العمل عليه حاليًا بمشروع (Neuralink) الذي أنشأه (Elon Mask)، والذي يعتقد أن فترة بلوغ الإنسان (20 سنة تقريبًا) هي فترة طويلة بالنسبة لعمر الإنسان ويجب تقليلها!

في يوم من الأيام سنخرج من مجرة درب التبانة؛ لنبحث عن كواكب قد تكون صالحة للحياة في مجرات أخرى، أو ربما قد تكون هناك مخلوقات في هذا الكون غيرنا، في مجرات لا نعلمها، وسنكتشف علوما جديدة مع مرور الوقت، هل سنصل إلى سرعة الضوء يومًا ما؟ ونجوب هذا الكون الفسيح، ولنبطل النظرية النسبية، ونبدأ في نقل البشر إلى كواكب أخرى صالحة للحياة.

صحيح أن الروبوتات تساعدنا في الكثير من الأمور، ولكنها ستسبب لنا البدانة المفرطة وسوء الصحة، وعندما نشرع في بناء السفن الفضائية العملاقة، ستصبح الروبوتات جزءًا لا يستغني عنه البشر في حياتهم، هم من يطعمونهم وينقلونهم ويعملون عملهم عنهم، فلن يضطروا للقيام عن كرسيهم، ولوجود النباتات المعدلة جينيًا، سيتم إنتاج المحاصيل بسرعة مضاعفة لتكفي لإطعام الجميع وبسعر أقل، ولكن الجودة بالمقابل ستكون أقل، فالبعض يريد أن يكون كل شيء على ما هو الآن (طبيعي)، فتخيل ما الأثر العظيم الذي سيتركه هذا التطور الذي ينعكس علينا بشكل مباشر ايجابًا وسلبًا.

وبالنسبة للتعليم، نعلم جميعًا أن الشهادات لا تساوي شيئًا إذا لم يرافقها عمل وخبرة، وهذا شيء نلامسه الآن، فالشخص الذي لديه شهادة البكالوريوس أو بلا شهادة ويتقن عمله ويعرف كيفية صنع المشاريع أفضل من الشخص الذي لديه شهادة الدكتوراة ولا يعرف كيف ينشئ مشروعًا، ولا عجب أن التعليم سيصبح من البيت وسينتهي عهد الاختبارات النظرية، للانتقال إلى المشاريع العملية الأكثر فاعلية.

كل هذه أسئلة لا نعلم ما الإجابة عنها ويخبئها المستقبل لنا، وسنعلمها في حينها. ولكل شيء إيجابيات وسلبيات، متفق ومعارض، فمن الناس من يقول إنه يجب علينا تطوير الذكاء الاصطناعي والاستثمار فيه، ومن الناس من يقول أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يتوقف لأننا لا نعلم ما الذي سيفعله إذا أصبح ذكيًا جدا، ولكن أفعالنا هي التي ستحدد هذا على مدار الزمن، فما رأيك أنت بعدما أصبح لديك تصوّر عن المستقبل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد