حديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم- يعبر عن أن ما يصل إليه الناس بمساوئ بعضهم بعض يكون نتيجته خلق طبقة حاكمة منهم على شاكلتهم، يتصرفون مثلهم، إما يحسنون ويصلحون، وإما يفسدون ويدمرون الناس أكثر فأكثر.

فإذا كان الشعب رحيمًا بعضه ببعض، ويبحث عن حقه وحريته وكرامته، لن تسطيع الطبقة الحاكمة أن تأكل من حقه وحياته شيئًا، أما إذا كان الشعب لا يوجد في قلبه الرحمة، ويعج بالفساد والظلم ويتعايش معه على أنه أصبح شيئًا وجزءًا من حياته، بل لا غنى عنه، يكون نتيجة هذا طبقة مدمرة تزيد في تدني أخلاق المجتمع، ويكون أفراد المجتمع مساعدين لها بسبب سوئهم منذ البداية.

ونأتي هنا إلى الشعب المصري الذي نزعت منه كل قيم الرحمة والإنسانية والأخلاقية، ولن أعمم ولكن لأن المعظم هنا أصبح بلا قلب أو رحمة لأحد، ولنا من هذه الأمثلة الكثير ممن قتل والديه من أجل المال والإرث، إلى من قتل زوجته وأولاده بطريقة بشعة بسبب وقوعه في الديون، مرورًا بحوادث اغتصاب الأطفال وقتلهم واختطافهم، إما للشحاتة بهم، وإما لقتلهم وبيع أعضائهم، إلى حادثة البنا وراجح الذي دافع فيها البنا عن بنت جرى التحرش بها، فما كان من المتحرش إلا أن قتله، وحادثة القطار الذي ألقى فيها رئيس القطار بشابين لأنهما لا يملكان ثمن التذاكر، وسكوت الركاب عن هذه الفعلة وهم متفرجون كالأصنام، فأصبحوا مشاركين في الجرم، بل تبرير البعض لها.

فهذه حوادث لأفراد عاديين من الشعب، لا يملكون أي سلطة، ولكنهم أيضًا لا يملكون رحمة، وتفشت فيهم الجريمة فلم يرحموا القطط والكلاب الضالة أيضًا، بل سمموها، وزاد الأمر بالدفاع عن بعض القتلة ومحاولة تبرئتهم سواء من قبل محاميهم أو ذويهم، أو من أفراد من الشعب مثلهم يبررون لهم فعلتهم، ليس إلا لغرض في نفسهم سيئ مثلهم.

وتعالت الإجرامية بالشعب عندما رقصوا على دماء أفراد مثلهم من الشعب، ليس إلا لمجرد الخلاف السياسي، ولسنا هنا لمناقشته أو تأويله، وإنما لنقول أين هي الإنسانية، وأين الأخلاق وأين الدين، لشعب يدعي دائمًا أنه شعب متدين بطبعه؟

ثم تجد الفساد الذي أصبح جزءًا من الشعب الذي يرى أنه لا يمكن الاستغناء عنه، وأنه موجود في كل دول العالم، ويتعايشون معه ويتناسون أن وجوده فعلًا في مكان صحيح، ولكن نسبته أقل بكثير، والدولة تحاربه أما هنا فهو مستشر في الدولة والحكومة تدعمه؛ لأنها نفسها فاسدة من رأسها إلى قدميها.

فكانت البداية بتدمير الفرد أخلاقيًّا واجتماعيًّا حتى تدمرت الأسرة، ومن ثم المجتمع ككل، فحتى إن حاول رب الأسرة تربية أولاده على الأخلاق فإن التعامل المجتمعي بسيئاته تجعل تربيته تذهب هباءً بسبب دمار المجتمع.

ولأنها شعوب ماتت في قلوبها الرحمة، فجاءهم الحاكم منهم ومثلهم لا يملك رحمة بهم ولا بغيرهم؛ فداس على كرامتهم وحقوقهم، وقتل واعتقل واستباح كرامتهم، ولم يستطيع أحد أن ينبس ببنت شفة، فمنذ عهد عبد الناصر الذي أسس للحكم العسكري والاستبداد والفساد السياسي في مصر، مرورًا بمبارك صاحب الإنجاز في الفساد الاقتصادي والتعليمي، حتى العهد الدموي الذي لم يرحم حتى من ساندوه، بل داس على فقرهم وجوعهم وازدادوا فقرًا وجوعًا.

فكان تعامل الحكومة مع المتظاهرين مثلًا بأبشع الطرق، مثلما حدث وقت الثورة بالقتل ودهس المتظاهرين بالمدرعات، وقتلهم بالقنص، وسحب الجثث وإلقائها في القمامة، في أحداث محمد محمود 2011، وتعرية البنت في أحداث القصر العيني، وكشوف العذرية، أما الرجال ففي السجون بالعام نفسه، وما كان من الشعب إلا إلقاء اللوم على المتظاهرين بأقوال مثل «يستاهلوا، إيه اللي وداهم هناك» وما إلى ذلك. وقبلها من الاستهانة بموت الناس حرقًا في قطار الصعيد، أو غرقًا بعبارة السلام، لعلمهم أن الشعب لن ينتفض لهذه الجرائم الإنسانية.

فكما صفقوا لقتله للغير لن يستطيعوا وقف قتله لهم إن حاولوا رفض سياساته، أو إن تعدى على أبنائهم وحقوقهم مثلما يحدث الآن. فكما كان الشعب يستبيح الدماء ولا يتعاطف مع الفقير ومنعدم الأخلاق، كان حاكمه مثله وأعوانه يستبيحون السب والقذف.

فليت الناس تحاول أن تصلح من نفسها حتى ينصلح حالها فقال الله تعالى:

«إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ»

وهنا يجب أن نقول إن البعض يحاول أن يغير بالفعل، قد يكونون قليلين، ولكنهم يحاولون على الأقل أن يحافظوا على الرحمة، ويحاولون نشرها بمساعدة الغير، مثل أفراد تساعد المحتاج وتوفر لهم بعض الخدمات، سواء بطرق فردية، أو منظمات مجتمع مدني، ووجدناها أكثر وقت الثورة وحضاريتها بشبابها عندما أظهروا للعالم مدى القدرة على التغيير، وتنظيف الشوارع، والتعامل الأخلاقي، وعدم التفرقة.

فعلى المجتمع البدء بنفسه وأفراده، ومن ثم الأسرة حتى تعم الفضيلة على الشعب. فلن يحدث التغيير إلا بصلاح النفس وإصلاح فسادها ورغبتها الشهوانية في القتل والفساد، ليحدث البناء والتقدم في الأخلاق والحياة والتعليم، ومن ثم التقدم الحضاري.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد