كتبت على موقع التواصل الاجتماعي مازحة أهاجم سلوك بعض المسلمين في محاولاتهم لإقحام أنفسهم في حياة الآخرين عنوة لإقناعهم باعتناق الإسلام، فما كان من بعض الأصدقاء إلا الهجوم عليّ والاستدلال ببعض آيات القرآن إلى حد اقتناعهم بأن الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم ومسلمة كالصلاة والصوم.

لقد تحدثت من قبل في مقال سابق عن الخطاب في القرآن الكريم وما قد يحدثه عدم الدقة في تحديد أطرافه من لبس يؤدي إلى فهم خاطئ للآيات.

ففي سورة النحل يقول تعالى «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ». (125)

وكما هو واضح أن الآية بدأت بالأمر الإلهي «ادع» وهو خطاب موجه إلى فرد، ولو أراد سبحانه توجيهه إلى جماعة لفعل واستهل الآية بالأمر «ادعوا» وقال «ادعوا إلى سبيل ربكم» وهذا لم يحدث، فالخطاب يختص الله به رسوله الكريم ويأمره بقوله «ادع إلى سبيل ربك» وقد أوردت الفرق اللغوي بين التعبيرين، فإن الدعوة تكليف من رب العالمين لمن اصطفاه من البشر فأقسم في محكم آياته على حسن خلقه فقال في سورة القلم «وإنك لعلي خلق عظيم» (4)

والحقيقة أنه لا يختلف أي من المفسرين في معنى الآية واقرؤوا أن الأمر الإلهي موجه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن قام العامة بالتحايل على النص القرآني ووظفوه في غير موضعه.

ويقول تعالى أيضًا في محكم التنزيل في سورة الأحزاب «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا». (46،45) وكأن الدعوة إلى الله تتطلب الإذن منه سبحانه.

وبرغم ذلك ينبه الله رسوله الكريم بحد التكليف فيقول تعالى في سورة البقرة «لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ» (272). ويقول أيضًا في سورة القصص «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ». (56)

إن الرسالة أمانة وصاحبها وحده له الحق في اصطفاء من يأتمنه علىها ويكلفه بتبليغها كما أراد وقام الرسول الكريم بذلك على أكمل وجه وقد أشهد الله في خطبة وداعه فقال «اللهم إني قد بلغت..اللهم فاشهد».

وأعتقد أن ظن أحد منا أنه حامل رسالة شأنه في ذلك شأن الأنبياء يعد منتهى التبجح، فيجب أن نتواضع قليلًا ونعلم جميعًا أننا لسنا سوى مجتهدين وعلينا أن نتأدب في دعوة الناس كمثل دعوتنا لأي فكر نؤمن به ولا ندعي رسالة إلهية.

فنعم حق الدعوة إلى الله مكفول للأنبياء وحدهم،  أما نحن فإنما ندعو لتصوراتنا الشخصية عن كلام الأنبياء. فتحمست إحدى المعلقات ضد ما كتبت وقالت: بل الدعوة واجبة على كل مسلم. فسألتها وإلى ماذا يدعون؟ فاستطردت: إلى الإسلام. فقلت: إلى أي مذهب أو طائفة تقصدين؟ فأجابت بكلام لم أفهم منه شيئًا على الإطلاق.

ولنا أن نتخيل كيف يكون الحال أن ندعي رسالة لم نكلف بتبليغها، ثم نتخيل ما هو أسوأ وأننا قمنا بتبليغها بصورة خاطئة ولا نتوقف عند هذا الحد بل تمادينا واتخذنا من أنفسنا مقام الأنبياء وتحدثنا باسم رب العالمين. والحقيقة أقول أنا لا أعرف كيف لأحد أن يتجرأ على تحمل مسئولية كهذه دون أن ترتعد فرائصه؟

فأسمع أصواتًا تسأل وكيف لنا أن ننشر دعوانا؟

أقول نحن دائمًا لنا الحق في نشر ما نعتنق من أفكار ولا يقتصر ذلك على المعتقدات الدينية فقط، بل يشمل أي فكر نؤمن به ونظن أن فيه الصالح العام لكن ما ننشره ليس برسالة إلهية ولا ينبغي لنا أن نظن هذا الظن، فيجب أن ندرك فيما يخص الفكر الديني حقيقة انقسام الدين إلى فرق وطوائف وكل له قناعاته ومعتقداته التي تنشأ علىها وما يزكي حقنا في نشر ما نعتنق من أفكار هو إيماننا بها لا لأنها بالضرورة صحيحة، ولكن لظننا أنها صحيحة كما أسلفت.

ومع ذلك يظل هناك آداب عامة يجب مراعتها في دعوتنا حتى لا نقحم أنفسنا عنوة في حياة الآخرين. فأنا أكاد أن أجزم بفشل كل محاولة دعوة لفكر لم يبد متلقيها رغبة في الاستفسار عنها. فكما نعتز بمعتقداتنا فيجب أن نتوقع اعتزاز الآخرين أيضًا بما لديهم من معتقدات شأنهم في ذلك هو شأننا تمامًا. والأكثر من ذلك فإن سلوكنا غير اللائق في الدعوة  قد يأتي أحيانًا بنتائج عكسية وبالنفور لا بالقبول.

فيمكن أن نكتب أو نعقد الندوات أو المنتديات أو ننشر أفكارنا من خلال أي وسيلة من وسائل النشر وما أكثرها اليوم، أما غير ذلك فأنا أعتبره اقتحام خصوصية لا يليق بأى مجتمع يدعي التحضر. وهناك قول مأثور عن السلف أختلف في نسبته للإمام عمر بن الخطاب لكني على أي حال أعتبره عبقريًا يقول:

 كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون.. قالوا كيف؟  قال: بأخلاقكم.

والحقيقة أن نبي الرحمة نفسه كان المثل الأعلى في ذلك وهو  المكلف فكان داعيًا بأخلاقه قبل كلماته ولا أظن أن ما أقوله  يتنافي أبدًا مع قوله تعالى فى سورة فصلت «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ». (30) بل يؤيد فكرة أن أحسن القول هو العمل الصالح.

وكلمة أخيرة قبل أن أختم هذا المقال لتوضيح أنه ليس دعوة للتوقف عن نشر الفكر الديني، ولكنها لتصحيح مفهوم كيفية نشره وإعادة تقييم لكل داع ومدعو دون مبالغة في التعظيم أو التحقير لهذا أو ذاك، هذا حال أننا حقا وصدقا نعلن  ما نبطن وهو التعبير عما نؤمن به من أفكار راجين الصلاح وليس مجرد رغبة في انتصار لغرور النفس بدافع الوصاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد