تولى أول خليفة ليحكم مسلمين المدينة وبضع بلدان بالجزيرة بعد خلاف شديد بين المهاجرين والأنصار ورسول الله لم يدفن بعد، والإمام علي وأتباعه يرون أنه أحق منه بخلافة رسول الله ثم بعده عهد.

بالحكم لعمر بن الخطاب بعهد منه أي بدون قواعد ثابتة للحكم بالإسلام ومن ثم أخذها عثمان من بين ستة وبعده عليّ فنازعه في الحكم معاوية وكان ما كان ملك لدولة أموية أشبه بإمبراطوريات الفرس والروم، وخلالها قامت المذابح وقمع الناس وأجهضت الثورات وقُتل الأئمة وانقضوا على ابن رسول الله وآل بيته بالتنكيل والعذاب؛ وما استقر الأمر لأحد إلا بدولة عاتية ذبحت من قبلها وأجهزت على من عاونها وثبتت أركانها بالدم والنار أي إمبراطورية العباسيين وقامت خلال حمكهم دول مستقلة بخلافات أخرى منها الأموية بالأندلس والفاطمية والأيوبية فالمملوكية بمصر والشام.

وما لبث أن انهار ملكهم بمذابح جديدة واحتلال؛ فحكم عثماني لإمبراطورية الترك ليس له أي علاقة بخلافة الإسلام؛ وبعده تأسست الدول الحديثة وتخطى العالم الإسلامي زمن الاستعمار وأصبح من المستحيل في ظل 70 جنسية لدول إسلامية ووجود مليار ونصف مليار مسلم في جميع أنحاء العالم أن يستسيغ المسلمون حكم خلافة دينية واجتماع في وطن واحد! فما تعني كلمة خلافة لهؤلاء الآن؟! من الذي سيحكم كل تلك الأوطان برضا شعوب متنوعة في ظل أحداث دولية وإقليمية وتباين قناعات ووجود أقليات؛ وإن كنتم تقصدون اتحاد مثل الأوروبي فهل تحررتم من الاستبداد بأنواعه ورسختم الديمقراطية واختيار الشعب داخل دولة واحدة؛ أو قمتم بالاتفاق في وطن واحد من كل تلك الأوطان حتى تبشروا بخلافة تجمع عشرات الدول باسم أيديولوجية إسلام سياسي؟!

بالتالي موضوع الخلافة هو مجرد وهم لحلم مستحيل؛ فلا الدولة الدينية بمعايير حكم الرسول قائمة ولا حتى عصر الخلفاء الراشدين وارد بحاضرنا؛ والمؤسف أن أربعة خلفاء راشدين تم اغتيالهم من أجل الحكم والسياسة والخلافات عمر وعثمان وعلي والحسن؛ فهذا أبلغ دليل على استحالة الحكم الراشد بين المسلمين المعاصرين، فأجدادهم الذين عاصروا رسول الله وأكابر صحابته وآل بيته فعلوا الأفاعيل بتاريخ دموي لم يثبت عنه إلاّ الصراع والاقتتال والشهوة للسلطة؛ ونحن اليوم نعيش في عصر الدولة القطرية وقومية الوطن ودستوره وعدم اجتماع أبناء وطن واحد على أيديولوجية فما بالكم بعشرات الأوطان!

كل ذلك يصبح فكرة (الخلافة) خيال محض يسكن آلام الفشل والضياع الذي يعاني منه المواطن العربي المُحبط من تخلف بلاده واستبدادها؛ وأسوأ من ذلك عندما تقول للمقتنعين بهدف الخلافة، أعطني نموذجًا للحكم الذي تريده لتلك الخلافة سيأتيك بنصوص القرون الوسطى لعصر التغلب والفتوحات؛ فإن قلت له الدولة الأموية أسسها معاوية الذي تترضون عنه وتعتبرونه صحابيًّا ومع ذلك قاتل وظلم واستبد؛ وفي أقل وصف أسس مملكة ولم يستطيع أن يكون مثل الراشدين وهو من نفس عصرهم فكيف يحدث ذلك لعصرنا الآن؟!

وعلى أي مثال ستكون الخلافة على نموذج العباسيين أم العثمانيين أم ماذا؟
كل الإجابات ستقف عند حد النص المقدس لحديث ضعيف لم يثبت ليبنى عليه مصير أمة وشعوب وقضايا عظمى تخص سياسة المسلمين ومعاركهم مع الاستبداد والاحتلال، وكيف تبني صراعًا سياسيًّا على قول تاريخي ليس حتى من أصول الإسلام ويسقط في سبيله ضحايا وتنفجر فيه أوطان.

(بعد ملك عضود ومتجبر ومتغلب ستأتي خلافة على سنة الراشدين!) هذا ما تبنوا عليه كل أفكاركم وتضيع في سبيله الرقاب؟! وكأن الرسول (ص) هو من سمى أبا بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بالراشدين! في حديث يناقض ذاته ولم يعضده قرآن أو سنة صحيحة؛ وبالأحرى فإن شأن السياسة والحكم ليس من أصول الدين ولا العقيدة، ومن يقول غير ذلك ليس له حجة دينية، والأهم فقد تخطاه العصر والواقع بسنوات ضوئية.

فإذا كانت الخلافة تجوز لأمير أو مجموعة تتغلب بالسلاح؛ فداعش خلافة وبيت المقدس خلافة وأي جماعة تنشق وتحمل سلاحًا في أي دولة تستطيع أن تأتي بأمير فخليفة!! وهكذا ندخل في معمعة الجهل والتطرف والتقسيم وانفجار الأوطان لمجرد رأي فقيه هنا وفقيه هناك؛ لا ضوابط شرعية ولا نصوص قاطعة ولا تحديد لمنهج واضح يخص شكل نظام الحكم الإسلامي واشتراط نظرية الخلافة عند فكر الإسلام السياسي؛ أو الإمامة عند سياسيي المذهب الشيعي الإمامي!

فقط أوهام وأساطير عن حكم رشيد لن يأتي بعصر الانتخابات والدولة القُطرية والقومية، وليس له أي علاقة بفكرة الاتحاد الأوروبي القائم على المصالح السياسية والدنيوية والذي لو أخذناه هدفًا لنا كدول إسلامية فلا مجال للحديث باسم الدين في ذلك، أو باسم خلافة دينية، بل اتحاد دولي للمصلحة السياسية والاقتصادية، وهنا ستجد شبه اتفاق عام على ذلك الاتحاد الدولي ولن نجد شعارات دينية ولا خصومات عرقية ومذهبية وطائفية ولا إجهاض لاستقلال دول أو تدخل في شأن طبيعة وقومية دولة أخرى والأهم هو عدم قداسة القائمين في إدارة ذلك الاتحاد وعدم تخطي الأمر لتسلط ديني يمنع معارضته أو يدمر وحدة وطن من أجله ويعلي حزبًا على آخر باسم أنه ممثل الخلافة والدين الصحيح وسواه بعيد عن نهج الإسلام السياسي المنصوص عليه .

في الأخير، دعونا نتخطى كل ذلك ونسأل بارتياح هل حررتم وطنًا واحدًا من الاستبداد والجهل والتخلف، وجمعتم شعبها على دستور عادل تقدمي يحكم دون نزاعات مسلحة واستبداد وإجهاض لحقوق المواطنة والأقليات دون تطهير عرقي لها كما تفعل الأيديولوجيات المتطرفة التي تتبناها أغلب جماعات الإسلام السياسي الآن لكي يكون حكم (خلافة دينية) واردًا في المستقبل؟!

وهنا يتضح مدى العبث الذي تحياه تلك الجماعات وهي تحيا بين مجتمعات حديثة متنوعة دينيًّا وأيديولوجيًّا وتضمها دولة حديثة (قُطرية) ليس لها أي علاقة بمدينة تم حكمها قبل ألف وأربعمائة عام بحكم خليفة تمت مبايعته بعد (خلاف كبير) فحتى (الصديق) لم يسلم من الاختلاف عليه ليحكم مجموعة قبائل فحسب! وإذا كان (الإمام علي) بنفسه لم يستطيع أن يقاوم مطامع المتغلبين وحكم الأمويين بالحديد والنار وتفلتت من بين يديه الخلافة الراشدة برضا من العوام والدهماء ومن يبرر لمعاوية أفعاله حتى اليوم من أكابر علماء الإسلام، فهل في مقدرة مسلمين اليوم فعل ما لم يفعله المؤسسون وأوائل الصحابة؟!

فلتستمروا في الأوهام وتقدسوا تاريخًا دمويًّا لشعوب لم تعرف استقرار الحكم ولا الرضا لقائد ما حتى وإن كان بعدل الفاروق نفسه! ولتدفنوا عقولكم في أوراق بالية وحديث مفبرك وخيالات مريضة وسيبقى الحال كما هو عليه معاناة من استبداد بأنواعه واقتتال وإرهاب وتطرف وتشرذم ودول تقليدية لم تتفق شعوبها على شيء غير العداء!

فالأوهام مريحة وأجمل بكثير من واقع يحتاج لتحديات وحلول تليق بصعوباته وتعقيداته والاستناد على نص حديث أولى للعاجزين من التحقق من أصول دينهم ومعالجة تردي أوطانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد