ليست فتاة، تمنيتُ – مثلك – أن تكون فتاة عشرينية طموحة لم يهمها اسمها وراحت تجابه تحديات الحياة إلى أن صارت فتاة العصر الصعب، للأسف، إن كان هناك صفة واحدة مشتركة بين هذه الفتاة – التي تخيلناها – وبين ما سأتحدث عنه فهو الرائحة، تعرف الأنثى من رائحتها التي تحتل المكان بمجرد الاحتكاك مع الواقع، كذلك سوسن فقوعة ما هي إلا نبتة -أو فلنسَمها وردة من باب الاستساغة والخيال اللطيف – إن فركتها بين سلامياتك فستظل رائحتها فيك إلى اليوم وأكثر، لا شك أن قالبها يحمل معالم الوردة الكاملة بساقها الأخضر على النحو اللامع ولون أوراقها البنفسجية، كونها حقيقية النوى من شعبة البذريات بالتحديد، كما وأن جنسها السوسن كما هو بائن من اسمها، كل ذلك جعل منها محط خطر انقراض أدنى، ليس غريبًا أنها تنمو في نطاق 20 كم فقط، بل ما هو أغرب أنها لا تنمو إلا في بلد محدد، ليت الأمر توقف عند ذلك، بل كأنها اختارت نفسها بنفسها، وقالت لخالقها:

في فلسطين، شمال رام الله، قرية فقوعة، على الجبل الذي يحمل نفس الاسم بالتحديد، وأتمنى أن تجعل من مساحتي قليلة كي لا أثقل على نفسي والناس.

يحكى قديمًا أنها كانت ملاذًا لصانعي العطور الذين يتشربون حب التجديد والإطاحة بالمنافسين، ويحكى أنها كانت كَلبن العصفور من حيث ضرب الأمثال، ذلك الذي يتأتى به الزوج لزوجه في سبيل إثبات الثقة والتضحية، ويقال أيضًا إن موطنها موضع للجلوس والتسامر الليلي، ربما التخطيط الفدائي أيضًا.

جميعنا يعرف أن العدوان الإسرائيلي على فلسطين يتفنّن في اختراع طرق تجعل من أرض فلسطين أرضًا بورًا وشوكًا عديم الاستفادة، بداية من مبدأ العسكَرالشهير «الذي فوقك يرى ويسيطر على كل شيء» فلقد قاموا – في البداية – بغرس مستوطناتهم على جبل المكبر وعيبال وجرزيم وكل الجبال بشكل عام، تلك أول نقطة ساهمت في اختفاء سوسن من ساحة النباتات، أما عن النقطة الثانية فهي المياه، لا نريد التطرق إلى خبث العدو في تلويث المياه الارتوازية وحصر معدل المياه الطبيعية من الأصل، إلا أننا نحمد الله على فصل الشتاء الذي يزور سوسن ويجعلها تخرج لنا كل ربيع بجمالها الآسر، سوسن فقوعة ما زالت تمسك نفسها من الاختفاء، رغم أقدام الجنود وإطارات الجيبات العسكرية، ما زالت سوسن تنتظر أي شيء يبرر لها ثباتها إلى الآن، لقد قال لي معلم الجغرافيا وكأنه يتحدث معها:

– كما القطن رمزًا لمصر وأصالتها، نحن سوسن فقوعة، إنها رمزنا الذي إن رحنا على محفلٍ ما فسنذكرها بكلِ فخر لأنها الأندر والأبقى – إلى الآن على الأقل – لأن جمالها يعكس جمال المواطن الفلسطيني الذي يختلط التراب بعرق جبينه حينما (ينكُش) أرضه بِمُنكاش طويل، لأن البنفسج لون الزركشات على الثوب الفلسطيني، لأن الرائحة رائحتنا جميعًا.

كنت أرى في عينَي أستاذي كومة كبيرة من الحروف التي ظننتها لن تنتهي حتى مع انتهاء الحصّة، كان يتحدث بقوة متوسطة، بين اللين والشدة:

لذلك، ربما سيكون القدر في صالحنا ذات يوم ونروح كلنا في رحلة مدرسية نحو جبل فقوعة بدلًا من ملاهٍ لا تأتي إلا بأكل النقود وميوعة المعدة، ربما حين نرجع بلادنا، ربما…

كَوني من غزة، فإنني ما زلت أنتظر هذه الرحلة، أما عنك أنت فإن كنت تستطيع، فلا تردد باستغلال صيفك مع (شِلّة) من أصحابك و(تيرموس) شاي، حينما تنحني راكعًا نحوها، قرّب أنفك على ورقة من أوراقها، تلك الرائحة التي انتشرت في كل أوصالك كدفعة كهربائية، تلك رائحة فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب نباتات فلسطين، ويكيبيديا
عرض التعليقات
تحميل المزيد