في الفترة من 25 يناير وحتى 11 فبراير شهدت مصر تماسكًا سياسيًا لم تشهده من قبل بين كافة الفصائل السياسية الإسلامية والليبرالية والاشتراكية والعلمانية وغيرها.

فقد جمع كل هذه التيارات رغبتها في إنهاء حكم مبارك وإقامة حكم ديمقراطي وتوسيع هامش الحريات وتقليص دور الأمن والجيش في الحياة السياسية.

فلقد رأينا المسلمين يحرسون كنائس المسيحيين، ورأينا المسيحيين يحملون الماء ليتوضأ المسلمون بالميدان ورأينا المسيحيين خلف ظهر المسلمين يحمونهم أثناء صلاة الجمعة والجماعة.

رأينا الشيخ والقسيس معًا ورأينا الإسلامي والعلماني معًا، رأينا كثيرًا من السلفيين في ميدان التحرير خلافًا لبعض مرجعياتهم التي أفتت بحرمة التظاهر ورأينا كثيرًا جدًا من المسيحيين رغم إعلان البابا تأييده لمبارك.

استطاعت ثورة يناير أن تجمع كل هؤلاء بما يحملون من تناقضات دينية وفكرية وسياسية على صعيد واحد في ميدان التحرير وكافة ميادين المدن المصرية.

ولكن بعد تنحي مبارك بدأ التخطيط لدق الأسافين والتفرقة وزرع  الكراهية بين هذه التيارات.

وبدأت محاولات صدع الترابط الملحمي الذي شهدته الثورة في استفتاء مارس 2011 حول التعديلات على دستور 71. وكانت المجلس العسكري قد شكل لجنة لوضع عذه التعديلات ثم الاستفتاء عليها وقبلت القوى الإسلامية هذه التعديلات ودعت للموافقة عليها وكان خلفها المجلس العسكري مؤيدًا ورفضت القوى التي أطلقت على نفسها المدنية هذه التعديلات وتم تمويل حملات بملايين الجنيهات وشارك فيها كثير من الرموز والمشاهير ولكن النتيجة أن ثلاثة أرباع الشعب تقريبًا وافق على هذه التعديلات.

ولكن المجلس العسكري وبدلا من اعتماد التعديلات ومحاولة منه لإرضاء معسكر الرافضين فاجأ الجميع بإصدار إعلان دستوري متضمنا التعديلات الخمسة التي وافق الشعب عليها وغيرها مواد كثيرة تصل لستين مادة لم تعرض على الشعب أصلا في الاستفتاء ولم يتم التحاور حولها وكان الأمر أشبه بدستور مصغر وضعه الجيش للمرحلة الانتقالية، رغم أنه كان بإمكانهم صياغة هذه المواد الستين ابتداء ثم عرضها في صورة دستور مؤقت للاستفتاء ولكن كان ذلك لحاجة في نفوس المجلس.

وكانت هناك جهات عملت وأنفقت مليارات للتفريق بين المصريين ونجحت في جعل التصويت على التعديلات على أنه إما تصويت على الإسلام أو الكفر كما اندفع بعض الإسلاميين حديثي عهد بالحرية. وإما تصويت على التقدم والحداثة أو الرجعية والتخلف كما قال بذلك العلمانيون وفصائل من الليبراليين والاشتراكيين.

وبعد ذلك توالت محاولات دق الأسافين لشق الصف الوطني في ماسبيرو ومحمد محمود والدعوة لمليونيات ثم الدعوة لمليونيات مضادة.

ومع وصول أول رئيس إسلامي منتخب زادت الفجوة بين الإسلاميين وغيرهم (أو زيدت بفعل فاعل)

وبدأ كل من الإسلاميين وخصومهم باللجوء للعسكر لنصرتهم على مخالفيهم. وبالطبع استغل العسكر ذلك بذكاء شديد أو بغباء من كافة الفصائل فهم مع هؤلاء مرة ومع هؤلاء مرة حتى تمكنوا من الأمر في انقلاب 3 يوليو (تموز) 2013 فحبسوا الإسلاميين أولا ثم بعد ذلك انقلبوا إلى غيرهم من القوى المدنية فحبسوهم أيضًا أو أخرسوهم.

ولست بصدد تقييم أداء الإسلاميين أو خصومهم فذلك أمر سيقرره التاريخ لاحقًا. ولكن هل يمكن للإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان التغاضي عن كل ما سبق من هذه القوى ومحاولة مد جسور جديدة بين كافة القوى السياسية الرافضة للنظام (ورفضها لبعضها أشد للأسف)؟

أقول مد الجسور والتواصل بين كافة القوى السياسية والتحاور بينها دون رفض ودون إقصاء مهما بلغ الخلاف بينها.

فإن استطعنا مد الجسور بين كافة هذه القوى فإنه ومن خلال هذه الجسور يمكن للأفكار أن تعبر إلى كل الفصائل وتتلاقح هذه الأفكار مع الحوار وتتعدل حتى نصل إلى درجة تمثل الحد الأدنى من التفاهم حول مستقبل بلادنا.

ولا مانع من عرض كل القضايا  ولا خطوط حمراء في التفاهم والتحاور حتى بين من يراها علمانية تمامًا لا دور للدين فيها ومن يراها دينية تمامًا لا علمانية فيها. نتحاور ونضع حدًا أدنى مما نرجوه ونحلم به لمصر ويكون هذا الحد الأدنى وحده هو الإجماع الوطني المصري والخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه .

هل يمكن أن يبدأ الإخوان بوصفهم الفصيل الأكبر سياسيًا وإسلاميًا وبوصفهم الفائزين بالانتخابات البرلمانية والرئاسية وبوصفهم الأكثر تنظيمًا ببدء هذا الحوار؟

وهل ستقبل مختلف القوى السياسية (غير المتحالفة مع الحكم مبدئيًا الحالي) ذلك؟

وهل يمكن أن تتناسى القوى والتيارات السياسية ما كان بينها في الفترة من 11 فبراير (شباط) 2011 وحتى اليوم؟

إن أي تغيير سلمي لأي نظام حكم لا يمكن أن يتم إلا بعد أن تتجاوز المعارضة خلافاتها أو تتسامى عليها وتضع نقاطًا تتفق عليها وتمثل الإجماع الوطني.

وبعد ذلك تكون الضغوط للانتقال أو للعودة للمسار الديمقراطي والعدالة الانتقالية والحرية والمساواة. أو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

وأخيرا ليتنا نسترجع ما تحقق في ثورة يناير ونستفيد منه في إعادة الوحدة الوطنية لأطياف الشعب المصري. وليتنا نتدراس التحول الديمقراطي في الدول التي كانت محكومة عسكريًا وكيف استطاعت القوى المدنية بتوافقاتها من إنهاء الحكم العسكري وإقامة نظم ديمقراطية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!