حاتم محمود خضر 71
حاتم محمود خضر 71

للقدس مكانة عظيمة عند المسلمين، ففيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهما المسجد الحرام والمسجد النبوي، فالصلاة في المسجد الأقصى تعدل 500 صلاة عما سواه، وقد أُسرى بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء، بعدما صلى إمامًا بالملائكة في المسجد الأقصى.

وقبل الهجرة الشريفة كانت صلاة المسلمين نحو بيت المقدس، واستمرت حوالي 16 شهرًا قبل أن يتم تحويل القبلة إلى مكة بأمر من الله سبحانه وتعالى، استجابة لرغبة رسوله صلى الله عليه وسلم.

في حديث البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى».

حرر المسلمون في عهد الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بيت المقدس أول مرة من البيزنطيين سنة 16 هجرية الموافق 637 ميلادية، واستمرت المدينة تحت حكم المسلمين حوالي 462 عامًا، بعدها تم احتلال المدينة على يد الصليبيين في عام 492 هجرية الموافق 1099 ميلادية بعدما قتلوا حوالى 70 ألفًا من المسلمين ونهبوا أموالهم وخربوا ديارهم وفعلوا في المدينة وبأصحابها كل أعمال الفحش والفجر، إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي – البطل الفذ – وقام بتحرير المدينة مرة أخرى عام 583 هجرية الموافق 1187 ميلادية، لكن بقاء القدس تحت إمرة المسلمين لم يدم طويلًا حيث تخلى عنها طواعية السلطان الكامل الأيوبي ابن السلطان العادل، أخو صلاح الدين الأيوبي، إلى الفرنجة عام 626 هجرية الموافق 1229 ميلادية.

في هذا الموضع يقول دكتور خليل عثامنة، المؤرخ الإسلامي الفلسطيني وأستاذ التاريخ بجامعة بير زيت الفلسطينية، في كتابه «فلسطين في العهدين الأيوبي والمملوكي»: إذا كان تنافس أبناء صلاح الدين في شأن المُلك دفعهم للبحث عن مهادنة الفرنجة في فلسطين، وأدى أحيانًا إلى محاولة الاستعانة بهم للتصدي بعضهم لبعض، فإن الأمر بلغ ذروة غير مسبوقة في عهد الملوك من أبناء الملك العادل الأيوبي، إذ لم تقتصر علاقتهم بالفرنجة الجاثمين على أرض فلسطين ولبنان وسوريا على المسالمة والمهادنة فحسب، بل تعدت ذلك أيضًا إلى التخلي عن فريضة الجهاد ضد الأوروبيين الغزاة، والتي لولاها لما وضعوا التيجان على رؤوسهم وتربعوا على عروش مصر وبلاد الشام، إذ بات أبناء الملك العادل وورثة عرشه يرون في الفرنجة قوة سياسية إقليمية لا يتورعون عن مهادنتها والتحالف معها مقابل تنازلات إقليمية من دار الإسلام، إما ثمنًا للحفاظ على عروشهم وكراسيهم، وإما تعززًا بهم لتصفية الحسابات الصغيرة فيما بينهم، وإما لتحقيق مطامح إقليمية في دول بعضهم البعض.

استمرت القدس تحت سيطرة الفرنجة حتى نجح السلطان الصالح نجم الدين أيوب بعد عدة سنوات في عام 642 هجرية الموافق 1244 في إعادته إلى حضرة الخلافة الإسلامية بعدما استعان بالخوارزميين وطلب منهم مساعدته في القضاء على تحالف الصليبين وحكام حلب ودمشق ضده، استجاب الخوارزميون على الفور وهبوا في 10 آلاف مقاتل وسيطروا على القلاع الصليبية واحد تلو الأخرى ودخلوا القدس عام 1244 بسهولة وظلت تحت حكم المسلمين حتى أوائل القرن العشرين عندما أعلنت بريطانيا الانتداب على فلسطين عام 1917، وفي عام 1948 احتلت اسرائيل القدس الغربية لكنها ضمت أيضًا القدس الشرقية في عام 1967 حتى وقتنا هذا.

بعد نهاية الدولة الأيوبية، بدأ المماليك بقيادة الظاهر بيبرس والأشرف قلاوون حملة لتطهير بلاد المسلمين من الصليبين ولم يبق فيها سوى مملكة عكا وطرابلس وبيروت حتى تم تحريرها جميعًا عام 1261 بقيادة الملك الأشرف قلاوون سلطان المماليك بيرس.

بالعودة إلى الحديث عن السلطان الكامل، فقد عرض على الصليبيين في عام 616 هجرية الموافق 1219 ميلادية أثناء حملتهم الصليبية على مصر استعداده للتنازل عن بيت المقدس مقابل الجلاء عن مصر، لكن هذا العرض النفيس رفضه الصليبيون لأنهم كانوا يريدون السيطرة على مصر وظلوا في دمياط 17 شهرا كاملة، حتى تمكن المصريون من الانتصار عليهم وطردهم من دمياط بعدما تعاون أخوى السلطان الكامل – المعظم عيسى، والأشرف موسى – في صد العدو والذود عن مصر، ولم تتم الصفقة بسبب هزيمة الصليبيين في دمياط حينما فُتحت السدود التي أغرقت الصليبيين وتكبدوا حينها خسائر فادحة.

لم يدم تحالف الأخوة طويلًا، حيث نشب صراع بين الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق الذي كانت له أطماع وتوسعات على حساب أخيه واتجه كل منهما إلى الاستعانة بقوى خارجية لدعمه في مواجهة الآخر، فاستنجد الملك المعظم بالسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية في غرب أوروبا.

عرض السلطان الكامل على فريدريك الثاني تسليمه بيت المقدس وجميع المدن الساحلية التي فتحها عمه صلاح الدين بالشام مقابل مساعدته في حربه ضد أخيه المعظم، العرض السخي قدم لفريدريك الثاني جاء نتيجة أطماع الملوك في ملك بعضهم البعض، هكذا كان يتصرف بعض من الملوك والسلاطين المسلمين، شعف إيمانهم وحب الدنيا أعمى قلوبهم وأبصارهم، نسأل الله السلامة، والله إن السفيه هو الذي يفكر في مثل هذا الأمر، لزوال الملك أهون من أن يرفع المسلم سلاحه على أخيه المسلم أو أن يفرط في أرضه وعرضه وخصوصًا في الأرض التي بارك الله حولها.

العرض الذي قدمه الكامل للصليبيين أثناء حملتهم على مصر – يمكن أن يقال كان له مبرر- ولو أنه مبرر مهين، كان الأشرف له أن يقاتل ويصمد في وجه العدو مهما كانت قوته وجبروته لأن العدو غير المسلم حتمًا لن يبقي على عهده وإذا دخل البلاد حربًا أو سلمًا سيفعل بأهلها ما يطيب ويحلو له والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما حدث في عام 1099 كما تم عرضه آنفًا.

تولي أمر المسلمين ليس أمرًا هينًا أو سهلًا، إنها أمانة سيُسأل عنها كل حاكم مسلم، هل حكم بين الناس بالعدل؟ هل رعى شؤونهم وعمل على خدمتهم؟ هل أدى الأمانة؟ هل نصر شعبه؟ هل نصر مظلومًا؟ … هل؟

أرسل السلطان الكامل رسوله الأمير فخر الدين يوسف بهذا العرض إلى فريدريك الثاني، جاء العرض في الوقت الذي كان يفكر فريدريك بشن حملة صليبية سادسة على الشام ومصر من أجل احتلال القدس، هذا الأمر كان بتحريض من البابا جريجوري التاسع، فغادر فريدريك الثاني صقلية وتوجه إلى الشام في حملة لم تتعدى 600 فارس وأسطول هزيل.

النتيجة كانت محسومة والتفاوض قد تم مسبقًا والحصول على بيت المقدس سيتم في الوقت المناسب بكل سهولة ويسر – بناءً على عرض الكامل، لكن ليس كل الأمور تسير على ما يرام، فعندما وصل فريدريك الثاني عكا وجد الأمور قد اختلفت، فالسبب الذي جاء من أجله قد انتهى بوفاة الملك المعظم الذي كان يطمح في التوسع على حساب ممتلكات أخيه الكامل، فبعد الوفاة، اقتسم الكامل والأشرف موسى ممتلكات أخيهما المعظم عيسى، واستقرت الأمور.

كان فريدريك الثاني في موقف لا يحسد عليه من وجهة نظره ومن وجهة نظر البابا ومن وجهة نظر الأوروبيين المستعمرين بعد عودة الاستقرار والهدوء في البيت الأيوبي، لم يكن يجدي سلاح التهديد من فريدريك الثاني للسلطان الكامل فهو لم يأت من أجل الحرب وقواته لن تساعده في ذلك وانتظار مجيء الدعم سيكلفه أرواح الفرسان الذين معه، لذا لجأ إلى سلاح التفاوض والاستعطاف لتحقيق الهدف الغالي والأمل المنشود، فأرسل هدايا نفيسة وغالية إلى السلطان الكامل، كأنها رشوة مقننة وطلب منه الوفاء بما تعهد به، وتسليم بيت المقدس له.

رفض الكامل طلب فريدريك الثاني فلم يعد بحاجة إلى دعمه ومؤازرته، لكن الإمبراطور لم ييأس وكرر الطلب على الكامل بلغة فيها استعطاف وذل وهوان حتى كاد أن يبكي، وكتب إلى الكامل يقول في رسالته «أنا مملوكك وعتيقك وليس لي عما تأمره خروج، وأنت تعلم أني أكبر ملوك البحر، وقد علم البابا والملوك باهتمامي وطلوعي، فإن رجعت خائبًا انكسرت حرمتي بينهم!… فإن رأى السلطان أن ينعم عليّ بقبضة البلد والزيارة، فيكون صدقة منه، ويرتفع رأسي بين ملوك البحر».

رق قلب السلطان الكامل، ويا لها من حسرة بسبب رقة قلبه! وربما أعجبته لغة فريدريك الثاني وشعر بالعظمة وهو يرى خصمه ذليلًا منكسرًا وغمرت الإنسانية جنبات صدره، كانت النتيجة في النهاية التنازل عن بيت المقدس، وفرط الكامل فيما لا يملك وليس من حقه في القدس، بدلًا من الاحتفاظ بها وبالذود عنها في وجه الأعداء، تنازل بكل سهوله عنها غير مكترث بما فعله.

عقد الطرفان اتفاقية يافا في عام 626هـ=1229م والتي بموجبها تقرر الصلح بين الطرفين لمدة 10 سنوات، يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا، في حين تبقى مدينة القدس على ما هي عليه، فلا يُجدد سورها، وأن يظل الحرم بما يضمُّه من المسجد الأقصى وقبة الصخرة بأيدي المسلمين، وتُقام فيه الشعائر، ولا يدخله الفرنج إلَّا للزيارة فقط.

حزن المسلمون حزنًا شديدًا وانتشر الغم والسخط حتى عم العالم الإسلامي كله، وأُقيمت المآتم في المدن الكبرى، ويُصوِّر المقريزي ما حلَّ بالمسلمين من ألمٍ بقوله: «فاشتدَّ البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمَّة والمؤذِّنون من القدس إلى مخيَّم الكامل، وأذَّنوا على بابه في غير وقت الأذان … واشتدَّ الإنكار على الملك الكامل، وكثرت الشفاعات عليه في سائر الأقطار».

في النهاية، هل سيتنازل الفلسطينيون والمسلمون عن القدس حتى تتم صفقة القرن وينتهي الصداع المزمن – بالنسبة للصهاينة والمتصهينين ومن عاونهم ومن على شاكلتهم – وتموت قضية الصراع العربي الإسرائيلي أو إن شئت عزيزي القارئ فقل الصراع الإسلامي الصهيوني؟

نتمنى من حكام المسلمين في الشرق والغرب أن يهبوا هبة رجل واحد كي تحرر القدس وتعود إلى حاضرة الإسلام والمسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست