أرى تحت الرمادِ وميضَ جمرٍ .. فيوشكُ أن يكون له ضِرامُ
فإن النار بالعودينِ تذكو .. وإن الحربَ مبدؤها كلامُ
فإنْ لم يطفئوها تجنِ حربًا .. مشمَّرةً يشيبُ لها الغلام

راق لي أن أبدأ بأبياتٍ أرسلها والي خرسان «نصربن سيار» إلى بني أمية يحذرهم من الضياع.

شئنا أم أبينا، فالأزمة تتفاقم يوما بعد يوم، ولا يدري أحدنا إلامَ تستمر، أو علامَ ستنتهي،ولا ينبغي أن يستبعد أحدٌ استيقاظ العرب ذات صباح على خبر اجتياح الدول الأربع للشقيقة الخامسة، هذا هو الفخ الذي يُخشى الوقوع فيه، ولا ينبغي لنا أن ننسى استدراج العالم الغربي للرئيس الراحل صدام حسين حتى اجتاح دولة الكويت.

إنها أزمة الدول العربية الشقيقة الخمس، يضم أحد أطرافها كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات ودولة البحرين، بينما تمثل دولة قطر العربية الطرف الآخر.

أرى أنه لا داعي أن أتعرض لتفاصيل بداية الأزمة لأن القاصي والداني على علم بها، ولكن ما يهمني هنا، هو أن أتناول أهم مطالب الدول الأربع من دولة قطر، وذلك في محاولة لإيجاد مخرج عساه يساعد في التوصل إلى حل ينهي الأزمة، أو يخفف من حدة توترها.

أرى أن أهم مطالب الدول الأربع تتمثل في الآتي

1- إغلاق قناة الجزيرة.

2- تقليل نسبة التمثيل الدبلوماسي القطري الإيراني.

3-إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لكيانات أو أفراد أو منظمات إرهابية، وتسليم جميع المطلوبين.

4-إغلاق القاعدة العسكرية التركية.

5-وقف التدخل في شئون الدول الأربع، ومنع التجنيس لأي مواطن يحمل جنسية الدول الأربع.

أعتقد أن هذه المطالب تعد الأهم والتي جاءت على رأس القائمة المقدمة من الدول الأربع إلى قطر، وسوف أطرح حلا وسطًا قد يتوافق عليه الطرفان، ولا يعنيني إن كان سيؤخذ به أولا، ولكن هذه أمتنا وينبغي على الجميع أن يفكر في مخرج لكل أزمة تتعرض لها، أما الأخذ بالفكر وتنفيذه، فأعتقد أن الله لن يسألنا عنه لأننا لسنا في موضع يتيح لنا ذلك.

في الثامن من يوليو 2012 أصدر محمد مرسي رئيس جمهورية مصرالعربية وقتئذ قرارًا بعودة البرلمان المصري للانعقاد مرة أخرى، بعد توقفه لعدة أشهر بموجب الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا، على إثر هذا القرار دب الجدال في الأوساط السياسية المصرية، وعلا صوت المعارضين لذلك القرار مطالبين مرسي بالتراجع عن قراره، وتعليقا على ذلك قال الكاتب الصحفي الراحل «محمد حسنين هيكل» رئيس الدولة لا ينبغي له أن يتراجع في قرار اتخذه، ولكن من الممكن أن يقوم بتعديل قراره بما يتناسب مع طبيعته.

انطلاقًا من مقولة هيكل أقدم هذا الحل للخروج من الأزمة العربية

1-أما ما يتعلق بإغلاق قناة الجزيرة –وأشير هنا إلى أن قناة الجزيرة هي مناط الهجوم على دولة قطر من بعض أو معظم الأقطار العربية- ومن ثم، أقول :إن كان لأمير قطر السيطرة التامة التي تمَكِّنه من التدخل في شأن الجزيرة، فمن الممكن أن يأمر بتعديل سياستها التحريرية بما يتوافق مع طبيعة الظرف، ثم إن بإمكانها البحث عن بدائل تحل محل نمطية الطرح التي تثير حنق الأنطمة المعترضة على تلك السياسة، كما بإمكانه أيضا تعديل السياسة الإعلامية، وذلك من شأنه التخفيف من فرط الحساسية تجاه القناة، ولا يدري أحد ما سوف يحدث غدًا.

2-أما ما يتعلق بتقليل نسبة التمثيل الدبلوماسي «القطري الإيراني» فبإمكان أمير قطر أن يتوصل في ذلك إلى حل، وذلك بجلوس من يمثله مع وسطاء عرب، لمناقشة نسب التمثيل الدبلوماسي ما بين كل من الإمارات وعُمان والكويت والسعودية والبحرين من جهة وبين إيران من جهة أخرى، ذلك من شأنه أن يساعد في التوصل إلى الحل الوسط الذي يُخفض سقف مطالب الدول الأربع، «وهذا دور الوسطاء».

3-أما -إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لكيانات أو أفراد أو منظمات إرهابية، وتسليم جميع المطلوبين، فأقول، إن التوصل إلى حالة من التفهم في الأمرين السابقين سيفتح الطريق أمام أمير قطر ليضع شرطًا حتى يوافق على إيقاف جميع أشكال الدعم والتمويل، وذلك بمطالبته لأنظمة الدول الأربع أن توقف دعمها -أو دعم بعضها- لبشار الأسد في سوريا، ولخليفة حفتر في ليبيا، ثم السعى للتوصل إلى حل في ضوء مطالب الشعبين السوري والليبي، وأما عن تسليمه جميع المطلوبين، فبإمكانه التعهد بعدم ممارسة أيٍ من هؤلاء نشاطًا إعلاميا «فضائيا أو إليكترونيا».

4-أما عن إغلاق القاعدة العسكرية التركية، فبإمكان أمير قطر أن يشترط بقاء القاعدة التركية لفترة معينة حتى زوال حالة التوتر بينه وبين الدول الأخرى،وليأخذ التفاوض مجراه بشأن الضمانات.

5-أما عن وقف التدخل في شئون الدول الأربع، ومنع التجنيس لأي مواطن يحمل جنسية الدول الأربع، فقد قلت أن قناة الجزيرة هى مناط كل هجوم على قطر، وتعديل سياستها سوف يخفف من حدة التوترات،ثم إن كان هناك ما يثير شبهًا حول التدخلات فليتوقف، لأن الظرف يقتضي هذا، وأما عن الجنسية والتجنيس فبإمكانه –أمير قطر- الموافقة على منع التجنيس مع عدم المساس بمن حصلوا على الجنسية بالفعل.

أرى أن تلك المطالب هى الأهم، وتتلاشى البقية بمجرد التوصل إلى حل بشأنها، وبذلك سيبتعد طرفٌ عن رد كل المطالب، والآخر عن تمسكه بتنفيذ كل المطالب، أما إن كانت هناك ضغوط من بعض القوى الأخرى فسيمضي كلٌ في طريقه ولن يلتفت طرفٌ لما سيقدمه الآخر، والعاقل من قرأ المشهد والواقع قراءة متأنية، لينتج عن قراءته حكمة اتخاذ القرار، وأذكر بما دار في صلح الحديبية ما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين السهيل بن عمرو، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم انطلاقا من الواقع بما يحقق الخير في المستقبل، كان ذلك في ظل اعتراض بعض الصحابة وعلى رأسهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ثم، يبدو أن المنطقة العربية مقبلة على مرحلة جديدة تمامًا، وهذا ما يدعو الجميع إلى تعديل المسارات بما يضمن تماسك الأمة.

وأنا أتساءل، لماذا لم يقم حاكما قطر وتركيا ببناء تحالف عربي إسلامي خلال السنوات الماضية؟، أما كان ذلك أفضل من التحالفات الضيقة؟!، ثم لماذا لا تدعو الدولتان -قطر وتركيا- دولا أخرى للوساطة سعيا لحل الأزمة مثل المغرب وتونس، أليسوا عربًا؟!

وأكررها، لا أحد يدري ماذا سوف يحدث غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دولي, سياسي, عربي(
عرض التعليقات
تحميل المزيد