لم يستطع أغلب المسلمين تقبل صلح الحديبية وشروطِه المجحفةِ، فقد كانت أشبه بشروط منتصر يفرضها على مهزوم فكيف يقبلونها؟ وهم لم يُهزموا، بل لم يخوضوا حربًا، رغم أنهم بايعوا الرسول – صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة على القتال، هذا ما عبَّر عنه عمر بن الخطاب عندما قال للرسول – صلى الله عليه وسلم-: «ألسنا على حق وهم على باطل؟» فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم-: «بلى»، قال: «أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟» قال: «بلى» قال: «ففيم نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم!»، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا».

لقد اتخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قراره وفق معطيات لم يرها أغلب الصحابة، وهو يعلم ألَّو كان قراره خاطئًا فإن الله لن يتركه، وسيراجعه فيه، ونزل الوحي مؤيدًا لقرار رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا»، لم يصدق عمر بن الخطاب نفسه، وراح يسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «أوفتح هو؟» نعم لقد كان فتحًا.

لم يمتلك أغلب الصحابة الرؤية الشاملة التي نظر بها الرسول – صلى الله عليه وسلم- إلى الموقف، كان هدفه – صلى الله عليه وسلم- منذ البداية هو بناء دولة إسلامية قوية، تستطيع أن تحمي الدعوة الإسلامية، وتدافع عن المسلمين ضد اعتداءات الكافرين. كان هذا هو هدفه من البداية، وظل هدفه الذي لم ينشغل عنه أبدًا بأي شيء آخر. لم يحارب قريشًا لعداوة قديمة بينه وبينها، أو لرغبة في الانتقام منها لما فعلته به، ولكن لأنها كانت حائلًا بينه وبين هذا الهدف، فإذا كان تحقيق هذا الهدف يستدعي التصالح مع قريش الآن، فليتصالح معها، حتى وإن بدت قريش بهذا الصلح وكأنها منتصرة، فلم يكن – صلى الله عليه وسلم- في صراع ثنائي مع قريش لينشغل بمن يفرح اليوم، ومن يظهر أمام القبائل منتصرًا، ولكنه كان يسعى لتحقيق هدفه الأكبر، الدولة الإسلامية.

كانت الدولة الإسلامية الوليدة في المدينة أصبحت تمثل خطرًا على الكثيرين، ممن ألِفوا حياة الظلم والعدوان، وتكيفت أوضاعهم مع قوانين الجاهلية، وكانوا غير مستعدين للتخلي عن هذه المكانة إذا انتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية، وهكذا تشكل التحالف بين اليهود في الشمال، وغطفان وقبائل نجد في الشرق، وقريش وحلفائها في الجنوب، وأثمر التحالف عن غزوة الأحزاب، التي بلغ المحاصرون للمدينة فيها عشرة آلاف، هم أكثرُ من كل سكان المدينة من رجال ونساءَ وأطفال، ورغم فشل الأحزاب في اقتحام المدينة، وعودتهم خاويي الوفاض، فإن التحالف ظل قائمًا تحميه المصالح، وتؤجِّج نارَه اليهود، وأصبح المسلمون محاصرين فعليًّا داخل المدينة، لا يستطيعون أن يتمددوا خارجها لنشر الدعوة، دون أن يتعرضوا للخطر، كما حدث في بعث الرجيع وبئر معونة، ولا يستطيعون أن يواجهوا اليهود وغطفان وقريش جميعًا، فعددهم يفوق عدد المسلمين، ولا يستطيعون أن يلقوا بقوتهم في مواجهة أحدهم فيهاجمهم الطرف الآخر، خاصة وأنهم يحيطون بالمدينة من كل اتجاهاتها. لقد أصبح موقف المسلمين متجمدًا، لا يستطيعون الحرب ولا نشر الإسلام، إذ لا يستطيعون تأمين وصول الدعاة إلى القبائل.

كان لا بد من تحرك يكسر هذا الجمود، قد يبدو تنازلًا مرحليًا، ولكنه سيقود إلى تقدم في المستقبل، لم يتوقف الرسول – صلى الله عليه وسلم- كثيرًا عند بنود الصلح المجحفة، فكل ما كان يهمه هو أن يُخرج قريشًا من هذا التحالف، فيفقد أحدَ أهم أركانه، وبالفعل كان أهم بند في الصلح هو البند الذي لم يقرأه الصحابة؛ لأنه لم يكتب في وثيقة الصلح، وهو خروج قريش من التحالف مع غطفان واليهود، وبمجرد خروجها وجَّه الرسول قوته العسكرية كلها – وقد أمِن قريشًا- إلى اليهود، فأجلاهم عن خيبر وما حولها، وأنهى وجودهم الفعلي في جزيرة العرب، وهم قوم دسائس ومؤامرات، يجيدون عقد التحالفات وتأليب القبائل، وبالقضاء عليهم فقد المشركون العقل المحرك لتحالفاتهم، ثم بدأت الغزوات والسرايا تتوسع وتزداد لتؤَمن حدود المدينة، وتردع القبائل من حولها، وتوغلت الغزوات والسرايا في قلب نجدٍ، لتؤمن الدعاه الذين ساروا بالدعوة الإسلامية إلى القبائل لينشروا الإسلام بينهم.

عامان فقط انتقلت فيهما الدعوة الإسلامية من حالة الجمود والحصار التي فرضها عليها التحالف بين غطفان وقبائل نجد مع اليهود وقريش، إلى مرحلة الانطلاق والتوسع الذي حققته بعد صلح الحديبية، لقد دخلت أغلب قبائل نجد والقبائل الواقعة بين مكة والمدينة في الإسلام، وحين غزا الرسول – صلى الله عليه وسلم- مكة في العام الثامن للهجرة، كانت القبائل التي تحالفت مع قريش لحصار المدينة في غزوة الأحزاب يقف أغلبُها اليوم مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهو يدخل مكة فاتحًا.

ما كان لهذا أن يحدث لولا صلح الحديبية، ما كان الفتح المبين ليتم لولا التنازلات التي قدمها الرسول – صلى الله عليه وسلم- ونحن الآن ننظر في بنود الصلح نجد أن تلك التنازلات كانت تافهة جدًّا، ولكن الصحابة الذين كانوا أسرى لثنائية الصراع مع قريش رأوها عظيمة؛ لأنها كانت شروطًا طلبتها قريش واستجابوا هم لها، كانت جولة أخذتها منهم قريش.

إن صلح الحديبية كان درسًا في الفكر الاستراتيجي، لا يجب أبدًا أن تنسى هدفك، لا يجب أن تشغلك المعارك الصغيرة والرغبة في الثأر والانتقام عنه. إذا ظللت دائمًا متذكرًا هدفك الأكبر الذي تسعى إليه، فعندما يتجمد الموقف وتصبح غير قادر على التحرك، ستتراجع خطوة أو خطوتين، حتى تستطيع أن تنطلق إلى الأمام دون أن تخشى مما قد يقال عنك من أنك تنازلت، أو تراجعت، أو انهزمت، فهي مجرد معركة تكتيكية تخسرها اليوم لتكسب الحرب غدًا.

إن التراجع لا يعني دائمًا الاستسلام، بل قد يعني الاستعداد لهجوم أكبر. فحين تجد الباب منيعًا ولا تقدر على فتحه، فلا تهدر قوتك في محاولات يائسة لدفعه، بل تراجع عدة خطوات للخلف، فإما أن ترى طريقًا آخر للدخول، وإما أن تندفع بقوة أكبر لتحطم الباب.

إن الاستمرار في المحاولة مع الفشل هو عبث، يجب أن تكون رؤية القائد شاملة وعامة، ينظر دائمًا إلى هدفه الأكبر ولا يترك الصراعات الصغيرة، والرغبة في الانتقام والانتصار في معارك غير مؤثرة، والاهتمام برأي الناس فيه، والخوف من اتهاماتهم له، أو السخرية منه تشغله عن الوصول إلى هدفه الأكبر.

قليلون هم من يملكون الرؤية الاستراتيجية، التي تمكنهم في كل وقت من معرفة هدفهم، فلا يحيدون عنه، وأقل منهم هؤلاء الذين لا يخشون من اتخاذ قرارات قد تبدو لمن حولهم أنها تراجع، ولكنها تخدم رؤيتهم الاستراتيجية، وتقودهم إلى تحقيق هدفهم الأكبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد