لم يكن ربك ليقصص عليك قصصًا وحكايات تتسلى بها وتسمر، لم يكن ربك ليشغلك بشيء لا حكمة وراءه، حاشاه! لم يكن ربك ليحدثك عن أمر الأولين إلا لعبرة وعظة وحكمة، فهل من مدكر؟! هذا سليمان عليه السلام تقدم حياته لك عبرًا وعظات، حكمًا وعطايا، قوانين حياة وسبل نجاح، منهجاً تتبعه فتحقق غايات وتنجو من مهالك. اسمع بقلبك واعقل تعتبر وتتعظ.

«وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ» [النمل : 20]

ها هو القائد يتفقد رعيته، لا يهمل من كان معلقًا برقبته، لا يغفل عن مسئوليات ألقيت على عاتقه، يحمل الأمانة ويؤديها حق أدائها. فأين أنت من أمانات تسأل عنها وحدك؟ وأين الهدهد من كل تلك المملكة العظيمة؟! إنه طائر صغير، نعم، لكنه يظل فردًا في المجتمع، لكن المواطنة لا تنفك تثبت له بكل حقوقها وواجباتها، لكنها العدالة التي تسع الجميع دون نظر إلى حجم أو مقام، أو جنس أو لون، أو توجه أو فكر، أو غنى أو فقر! فهل ترعى من هم تحت كنف رعايتك دون تفريق أو تمييز؟ هل تتفقد أحوال الصغير قبل الكبير؟ هل تهتم لأمر الصعلوك قبل الأمير؟

«لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ» [النمل : 21]

ها هو القائد حازم في إدارته للأمور، لا يسمح بتسيب أو إهمال، لا يتردد في عقاب مخطئ أو مهمل، لكنه لا يلقي تهديدًا دون تقييده بشروط، يعطي نفسه فرصة للتأني والتروي، لا يضع نفسه في موضع يختار فيه بين الضعف والظلم؛ إما يضعف أمام العامة ويتراجع عن قرار أعلنه بحزم تجنبًا لظلم نفس بريئة، أو يكابر ويعاند ويظهر قوته وثبات موقفه لكن بإراقة دماء لا تحل إراقتها في هذا الموضع! هي سياسة تعليق الحكم على التثبت والتأكد والتحقق إذًا. فأين أنت من ذاك؟ أيهما تفضل؛ حزمًا عادلًا أم قوةً باطشةً؟!

«فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» [النمل : 22]

لم يكن ذلك الجندي يلهو ويلعب إذًا، لم يكن غيابه هباء، لم يجعل افتقاده غير ذي جدوى! لم يأتِ حتى بخبر عادي، إنما هو «نبأ يقين». لم يترك مكانه ليسلي وقته أو ليتهرب من مسئولياته، إنما شغله أمر جلل، انشغل بقضية الأمة كلها، لم ينصرف عن مكانه إلا ليكتشف مواطن خلل ليبلغ عنها من بيده الحل، اهتم للغاية الكبرى التي خلق الخلق من أجلها؛ فراح يبحث عن ضال يحتاج إلى هداية أو تائه يفتقر إلى إرشاد أو منحرف يشتاق إلى توجيه، فأين همتك من همته؟!

«إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ» [النمل : 23]، «وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ» [النمل : 24]، «أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ» [النمل : 25]، «اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩» [النمل : 26]

ها هو الجندي يفكر ويعقل، يحلل ويدقق، يناقش بالمنطق والدليل والبرهان! إنه يستنكر الباطل نعم، لكنه يواجهه بالحجة لا بغيرها، يعلم أنه على الحق الذي لا مراء فيه، لكنه لا يتردد في الحوار بالعقل، حتى أنه يستخدم المنطق الملائم لطبيعته وإمكاناته وقدراته، فتجده يستشهد بالبيئة التي يعيش أجواءها، ويستلهم منها حجته ودليله وبرهانه. وهو إيجابي في مجتمعه؛ يبادر إلى الإنجاز دون انتظار تكليف من قيادته. فهل تحاور وتناقش، أم تتعصب وتجادل عن غير أرض صلبة تقف عليها؟ هل تبرهن وتدلل أم ترهب وتخوف؟ هل تبادر وتبتكر وتجتهد أم تبقى ساكنًا منتظرًا أوامر عليا تأتيك أو قد تغفل عنك؟!

«قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ» [النمل : 27]

نعم هذا قائد أعلى لكنه أيضًا مسئول عما يفعل، لذا تجده لا يسارع إلى تصديق خبر إلا من بعد أن يستوثق من صدقه، لا يبني قرارات على مجرد تبليغات من هنا وهناك دون الاستناد إلى حقائق وإثباتات، إنه منهج كل قائد حذق لا يود أن يورده التسرع مورد الهلكة والضياع، فلربما عادى أناسًا عن غير بينة فوقع في المحظور ثم ندم حيث لا ينفع ندم! وهو رغم حذره هذا لا يقلل من مكانة صاحب الخبر، تشغله الدقة والحكمة وإجراءات اتخاذ القرار عن النظر في موقع صاحب الخبر! هو قائد يربي قادة ولا يكتفي برعاية جنود فقط، فكلما أنتج قادة بيديه زادت عظمته! إنها حكمة القيادة ونبوغ فكرها ومنهجها!

«اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ» [النمل : 28]

«ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ» [النمل : 37]

لم يكن لينتهي دور الهدهد على اكتشاف مواطن الخلل فقط، لم يكن ليكتفي بالإبلاغ عن خطر ثم يهدأ، بل شارك في الحل والعلاج، حمل مسئولية على كتفه كما الباقين، نال شرف اكتشاف المرض وتشخيص خطورته وأضاف إلى ذلك شرف البدء بالعلاج. هو يدرك كونه فردًا في مجتمع ذي غاية ومبدأ، هو ينتهج المؤسسية في العمل، هو يعقل واجبه تجاه قضيته ويبذل جهده في سبيلها، بل قد يعرض حياته للخطر فداء لغايته الكبرى! فأين أنت من دينك وغايتك؟ أين أنت من تحمل عبء دورك كفرد في هذه الأمة؟ أين إيمانك وممارستك للعمل الجماعي التشاركي التعاوني مع من حولك؟ هلا كنت هدهد الهمة!

«قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» [النمل : 44]

هل خطر ببال أحد أن إسلام ملكة عظيمة ومعها قومها لها تابعون، هل خطر بباله أن يعود الفضل فيه إلى هدهد صغير الحجم بين جنود مملكة سليمان عليه السلام كلها؟! صدق فقد كان فعلًا. هل ما زلت تستصغر نفسك؟ هل تصر أن تحتقر دورك وتستهين به؟ أما تزال تهون من أمر قدراتك وإمكاناتك؟ يا هذا، اعتبر بهدهد سليمان وأيقظ قواك وحررها من تلك القيود التي استسلمت لها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد