يقول جلال الدين الرومي «وضعَ الله أمامَنا سلّمًا، علينا أن نتسلقه، درجة إثر درجة، لديك قدمان، فلمَ التظاهر بالعرج!»

كثيرون هم أولئك الذين قابلتهم في رحلة الحياة، والذين يعجزون عن التحرّك لنصرة قضايا مجتمعهم، متعذّرين بعدم الاستطاعة، أو بحجّة أن ما قد يقدّموه لن يكون له أيّ أثر إيجابي في إصلاح المجتمع وردّ الظلم أو الجوع أو!

ما زلتُ أذكر جيدًا رفضَ أحدهم المساهمة في حملة لإغاثة منطقة تئن جوعًا وترتجف بردًا، ما زلت أذكر إجابته «وماذا نستطيع أن نفعل؟ الهمُّ أكبر منّا»

إنّ سلبية الكثيرين ورضاهم بمقاعدهم وسط المتفرّجين، مرجعه إلى أمرين: عدم إيمانهم بقدرتهم على التغيير، أو رفع سقف توقعاتهم عاليًا جدًا، ما يؤدي إلى العجز في كلتا الحالتين.

علينا ألا نغفل أن هذه السلبية هي جزء من شخصية مجتمعاتنا وتكوينها النفسي، و لكن أيًا كانت الأعذار التي يسوقها العاجزون، فإنّها مرفوضة، «وكل نفسٍ بما كسبت رهينة»، «وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا»، و«الحاضر والماضي» فيهما الكثير من العبر والقصص عن الإيجابيين الذين ملأوا الدنيا خيرًا.

ستكون تجارب الإيجابيين في التغيير ومحاولاتهم الناجحة، أو حتى الفاشلة، حجّة على العاجزين.

إنّ التاريخ مليء بقصص الإيجابيين الذين نبضت قلوبهم بالحياة والغيرة على مجتمعاتهم فتحرّكوا، وفقًا لاستطاعتهم، وقد كانوا «فردًا وحيدًا».

كلّ ما عليك هو أن تقرأ من التاريخ عبره ودروسه؛ لتستفيد وتتحرّك.

يُروى أنّ نعيم بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حين أسلم أثناء غزوة الأحزاب، ولم يكن أحد يعلم بإسلامه، جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:«يا رسول الله، إني أسلمت، فمُرني بما شئت، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أنتَ رجلٌ واحدٌ ، فخذّل عنّا ما استطعت، فإن الحرب خدعة» فذهب إلى اليهود ومشركي قريش، وأوهمهم بما فرّق الله به بينهم. «زاد المعاد لابن القيم».

بهذه الكلمات وهذا الهدي النبوي الجليل، علّمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظم الدروس، كيف يكون الإنسان إيجابيًا، يدافع وينافح عن أمته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا حين قال له «إنما أنت رجلٌ واحدٌ، فخذّل عنا ما استطعت»، لم يقل له «أنت رجل واحد، ولا تستطيع فعل أيّ شيء»! (عدم الإيمان بالقدرات)، ولم يطلب منه القيام بعمل ضخم لا يستطيعه (رفع سقف التوقعات) ، وإنما طلب منه أن يبذل ما يستطيع فعله الرجل الواحد ، فكان أن جعله الله سببًا من أسباب اندحار العدو المحاصر للمدينة المنورة.

يعلّمنا سيدنا نعيم بن مسعود، معنى أنّ يكون المرء إيجابيًا منذ اللحظات الأولى لإسلامه، ماذا عنّا، منذ متى ونحن ننتمي لمجتمعاتنا المسلمة، دون أن نتحرّك، ونحرّك رياح الخير!

وفي القرآن نماذج للفرد (الوحيد) الإيجابي؛ فقد حدّثنا القرآن عن مؤمن آل فرعون في سورة غافر الذي ناصرَ سيدنا موسى على فرعو ن وقومه «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله»، وحدثنا عن الرجل الصالح في سورة يس «وجاء من أقصى المدينة رجلٌ يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين».

و قد ذكرَ القرآن نماذج للإيجابية من عالم الحيوان أيضًا: فذكر «هدهد سليمان» الذي تسبب في إيمان مملكة سبأ. و«النملة» التي صاحت محذرة أمتها من مرور سليمان ـ عليه السلام ـ وجنوده  «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون».

وكذلك يُروى أنّ الضفدع كانت تحاول إخماد النّار التي أوقدها قوم سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ليحرقوه ـ فيها (كما ورد في مصنف عبد الرزاق)، فإذا كان الضفدع قد اتخذ موقفًا إيجابيًا في
صد العدوان عن المظلوم، فبماذا ستعتذر صديقي العاجز!

– صديقي العاجز! محاولةً منّي لإيقاظك، ولعلّي أحرّك دماء الغيرة فيك، بحثتُ كثيرًا عن تجارب الإيجابيين في هذه الدنيا، فإذا بها منذ خلق الله الخلقَ تنبضُ بالمُصلحين ذوي الأيدي  في الكثير من مجالات الإصلاح، فإن تكاسلتَ عن قراءة التاريخ، وما فيه من العبر فانظر حولك، إلى صديقك أو أخيك أو جارك، سترى وجوهًا تضيء في عتمة هذه الدنيا كالنّجوم في صفحة السماء، انظر إليهم! ولا تظنّ أنّ حياتهم من غير هموم ومشاكل ومشاغل، ولكنّ الله يبارك في أعمارهم، «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». رواه البخاري.

أنتَ تملك الكثير؛ لكي تقدّمه لأمتك، كل ما عليك هو أن تتحرّك في المجالات التي تجيدها
«التعليم، الصحة، الدعوة، الإعلام، الفن …إلخ» ، الثغور كثيرة والمرابطون قلّة ، فكن من المرابطين ولا تكن من العاجزين.

وختامًا، أقول لك ما يقوله الدكتور «أحمد خيري العمري» في روايته ألواح ودسر

«الله لايقول لنا أبدًا إن هذا العالم مكان جيد، لكن اسألني أنت سؤالًا، قل لي: لِم لم يجعله هو أفضل؟ لأنه جعل هذا هو امتحاننا، جعل إصلاح العالم الاختبار الذي علينا أن نجتازه، الله لايزيف لنا الواقع، كي يجعلنا نرضى به، بل إنه يجعل إعادة بنائه هي المهمة التي كلفنا بها».

فهل أنت مستعد للقيام بمهمتك؟ أمّ أنّك ما زلت تتظاهر بالعرج!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هدهد سليمان
عرض التعليقات
تحميل المزيد