دائمًا الأخبار في العراق ليست سارة، وتشير في مجملها إلى هشاشة الوضع العام الناتج عن ضعف الدولة إلى حد لا يوصف، ويبدو أن هذا الضعف قد وصل إلى مدى لم تعد فيه الحكومة قادرة على أن تمسك بزمام الأوضاع في أهم المؤسسات، ابتداءً من الأجهزة الأمنية والعسكرية وانتهاءً بالبنك المركزي العراقي الذي يمثل العلامة الأبرز في الاقتصاد العراقي.

فقد وصلت أيادي اللصوص إلى هذه المؤسسة، بعد أن تمرنت على السرقة في كافة مفاصل الدولة لتصبح من الخبرة والمهارة التي تؤهلها لاقتحام البنك من غير أن تشعر الإدارة فيه، هذا إن لم يكن هنالك من الطاقم الإداري للبنك قد ساعد اللصوص.

اختفاء 10 مليار دولار

آخر الاخبار التي وردت في عدد من الوكالات الإخبارية خلال منتصف شهر نوفمبر تشرين الأول 2015 تفيد بفقدان 10 مليارات دولار من احتياطي البنك المركزي العراقي الذي هو احتياطي الدولة العراقية.

معلوم لدى المراقبين والمتابعين للشأن المالي والاقتصادي العراقي بأن احتياطي الدولة من العملة الصعبة يبلغ 67 مليار دولار، وبعد هذه السرقة أصبح 57 مليار دولار.

هل من المعقول أن يتم سرقة مثل هذا المبلغ الكبير ومن داخل البنك من دون أن ينتبه أحد، أو تلتقطه كاميرات المراقبة؟!
يبدو وكأن المبلغ بالنسبة للصوص ليس 10 مليارات دولار إنما عشرة آلاف دينار، وضعوها بكل سهولة في جيوبهم وخرجوا بكل هدوء وأريحية من البنك!!

هذا أمر يثير علامة استفهام كبيرة حول مدير البنك نفسه وبقية الطاقم الإداري، وهو المسؤول أولًا وأخيرًا عن هذه الفضيحة، وإلا ما معنى وجود محافظ للبنك المركزي العراقي؟ فإذا كان بهذا المستوى من الضعف وعدم القدرة في إدارته فمكانه ليس البنك إنما في محل صغير للبقالة.

يبدو من خلال هذه الجريمة بأن اللصوص الكبار في الدولة العراقية، لم يكتفوا بمبلغ 800 مليار دولار الذي ابتلعوه خلال الأعوام العشرة الماضية، والذي هو مجموع ميزانية العراق خلال فترة حكم المالكي السابقة، هذا المبلغ الأسطوري بالنسبة لعدد كبير من الدول سواء في آسيا أو في إفريقيا، فيما لو كان في متناول يديها ربع قيمته فإنها ستستطيع أن تبني مشاريع تنقل البلد من حال إلى حال أفضل. بهذا الصدد يذكر أن برج خليفة الذي هو أعلى برج في العالم ويضم مكاتب المئات من الشركات العاملة في دبي قد كلف مليار دولار واحد فقط. بينما العراق خصص ميزانية قيمتها 800 مليار دولار خلال ثمانية أعوام من حكم المالكي لم يحظ فيها المواطن بأي مشروع على الأرض، حتى أن بغداد وعدد من المحافظات غرقت في أول زخة أمطار في مطلع شهر نوفمبر 2015، وما زالت العشرات من المدارس التي يدرس فيها أطفالنا مبنية من مادة الطين.

 

تراجع خطير

لقد تحول العراق خلال الأعوام التي أعقبت احتلاله عام 2003 من قبل الأمريكان إلى بلد ينتج ملايين الأطفال الأميين حتى وصل عددهم حسب آخر إحصائية رسمية إلى 3 مليون طفل أمي لا يقرأ ولا يكتب بعد أن كان قبل عام 2003 البلد الوحيد في آسيا وإفريقيا الذي يخلو تمامًا من الأمية نتيجة مشروع الدولة آنذاك لمحو الأمية والذي كانت فيه ترغم العائلة بأن يذهب جميع أفرادها الذين لا يقرؤون ولا يكتبون إلى مراكز محو الأمية.

لم يكتف اللصوص بسرقة 800 مليار ولن يكتفوا، فامتدت أياديهم إلى احتياطي الدولة من العملة الصعبة داخل خزائن البنك المركزي، هذا يعني أننا أصبحنا تحت رحمة لصوص كبار جدًّا، لا يمكن مقارنتهم باللصوص الذين نشاهدهم في الأفلام.. حتى أن أولئك اللصوص على الشاشة يبدون مساكين وفقراء عندما يسرقون 100 ألف دولار أو مليون دولار من بعد أن يقاتلوا ويستقتلوا من أجلها، لكن لصوصنا يسحبون 10 مليارات دولار من خزينة البنك وكأنهم يسحبون شعرة من العجين!

هل هذا ما يفخر به ساسة العراق الجديد ونتفاخر نحن به أيضًا أمام العالم بأننا نملك لصوصًا من طراز رفيع؟ وأن نرفع صوتنا ونخاطب من يريد أن نقدم له خبراتنا في اللصوصية، فما نملكه من خبرة لم يعد مقتصرًا على مكافحة الإرهاب كما عبر عن ذلك السيد وزير الخارجية الجعفري عندما علق على تفجيرات باريس الأخيرة، وأبدى بكل ثقة استعداد العراق لتقديم خبرته في مجال مكافحة الإرهاب إلى فرنسا وبقية دول العالم.

يبدو الأمر مثيرًا للضحك والسخرية لدى الكثيرين عندما يسمعون مثل هذه الأخبار تخرج من العراق، ولا أدري ما الهدف من هذا التصريح ونحن نعيش موتًا يوميًّا تحت سلطة قوى الإرهاب؟

هل هذا يعني أن السيد وزير خارجية العراق يعيش في عالم آخر غير العالم الذي يعيشه العراقيون؟ أم أن ساسة العراق يملكون فعلًا خبرة في مكافحة الإرهاب، ولهذا لا عجب أن تخرج المليارات من خزائن البنك العراقي من غير أن يشعر بذلك أحد، لا عجب أبدًا.

 

ما ينتظر المواطن العراقي

عندما انخفضت أسعار النفط قبل أكثر من أربعة أشهر من الآن ووصلت إلى حدود 40 دولارًا للبرميل الواحد بعد أن كانت فوق 80 دولارًا، أصيبت ميزانية الحكومة العراقية لعام 2015 بضربة قاصمة ووصل العجز فيها إلى 26%، إلى الحد الذي استدانت فيه الحكومة قروضًا من عدد من البنوك الألمانية والبريطانية وقبل كل ذلك حصلت على قرض من البنك الدولي.

في حينها أشارت تحليلات كبار الاقتصاديين إلى أن العراق سيمر بضائقة مالية كبيرة ستجعله عاجزًا في مطلع العام القادم 2016 عن دفع رواتب الموظفين، وسيلجأ مضطرًا إلى عدد من المعالجات منها: تسريح موظفين وتقليل رواتب العاملين منهم، لأنه سيكون تحت ضغط خواء الميزانية، إضافة إلى ما يترتب من أعباء مالية كبيرة نتيجة الحرب ضد داعش.

في مقابل ذلك كل التحليلات كانت تؤكد بأن عناصر الجريمة والعصابات والميليشيات ستخرج إلى الشارع من أجل الحصول على المال الذي سيصبح شحيحًا، وقد حصل ما كان متوقعًا، ففي كل يوم تطالعنا أخبار العاصمة بغداد بهجوم لعصابات مسلحة على محلات الصيرفة والصاغة إضافة إلى عمليات الخطف التي باتت خبرًا يوميًّا تتناقله الوكالات، كل هذا يأتي نتيجة الفوضى التي تشهدها إدارة البلاد، واستشراء الفساد واللصوصية وبأعلى المستويات إلى الحد الذي أفرغ اللصوص ميزانية الحكومة لعام 2015، ووصل بهم الأمر إلى سرقة 10 مليارات دولار من احتياطي البنك المركزي العراقي.

أظن أن هذا المسلسل الهزيل سيستمر، ولن يتوقف بل سيزداد في الأيام القادمة طالما كيان الدولة ضعيف وعاجز، ودليلنا على ذلك أن السيد العبادي اكتفى بأن التقى بالسيد محافظ البنك المركزي وكالة علي العلاق، وأوعز بتشكيل لجنة تحقيقية بالموضوع.

تشكيل اللجنة في العراق يعني بأن الموضوع لا أهمية له وأصبح أمرًا روتينيًّا، وحال هذه اللجنة سيكون مثل حال لجنة التحقيق بسقوط الموصل، فهل يوجد حدث أكثر خطورة من سقوط الموصل؟ وماذا كانت نتيجة تشكيل لجنة للتحقيق بأمر بسقوطها والتي استمر عملها لمدة عام كامل؟ ما هي النتيجة التي خرجنا منها بعد أن انتهى عمل اللجنة؟

تم الاكتفاء برفع تقرير اللجنة إلى مجلس القضاء الأعلى لغرض استدعاء كل الأسماء المشتبه بضلوعها أو تورطها أو تسببت في سقوط الموصل. وإذا بالتقرير يتم سحبه بعد أقل من أسبوع من القضاء ويرمى في سلة الزبالة، وليتم طي القضية وكأن شيئًا لم يكن، وكأنْ لم تسقط أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد عدد سكانها ثلاثة مليون ونصف نسمة، وكأن لم ينهزم الجيش العراقي بفرقه الأربعة التي يبلغ تعداد أفرادها أكثر من 60,000 جندي، وكأن لم يترك هذا الجيش أسلحته بكامل معداته وآلياته الثقيلة والمتوسطة والخفيفة لتنظيم داعش، والتي كلفت ميزانية الدولة مليارات الدولارات.

حتى الآن لم يتم محاسبة أي واحد من القادة العسكريين المسؤولين عن موضوع سقوط الموصل، فما جدوى أن يتم الإيعاز إلى تشكيل لجنة للتحقيق بفقدان 10 مليارات دولار من خزينة البنك المركزي؟ فهذا المبلغ سيتم التعامل معه أيضًا على أنه هدية للصوص، حاله حال الأسلحة التي تم إهداؤها لداعش في الموصل.

فما العجب، وما المشكلة بما يحدث في بلد الأربعين حرامي، ما العجب في بلد عودتنا الأنظمة فيه على المكرمات وهي تنهال على أحبائها ومريديها، فليس مهمًا أن يكون المواطن مخلصًا وشريفًا في عمله، المهم أن يكون من الأقربين إلى دوائر الحكم، وليس مهمًا إن كنت سارقًا أو مجرمًا.

قصة الـ 10 مليارات دولار برمزيتها تكشف حقيقة ما يجري في العراق من كذب، وتكشف من هو الذي يحكم فعليًّا.

اختفاء وظهور مفاجئ

إلى هنا ولم تنتهِ بعد قصة المليارات العشرة، خاصة عندما نتفاجأ في اليوم الثاني أو الثالث على نشر خبر السرقة ببيان آخر يصدر من الحكومة يؤكد بأن المبلغ لم يتم سرقته وعلى أنه موجود، وإنما قد حصل خطأ في عملية التدقيق..!

هل يوجد تلفيقًا أكثر من هذا؟ فالمبلغ المفقود ليس خمسة آلاف دينار سقطت من جيب أي واحد منا، بحيث لا يشعر بفقدانها.. المبلغ 10 مليارات دولار وليس 10 آلاف دينار.

هل من المعقول في اليوم الأول يختفي المبلغ من الخزينة المحصنة بعدد من الأسيجة والأبواب والحراس، وفي اليوم الثاني يظهر المبلغ! يبدو وكأن أحد حراس الخزينة أراد أن يتسوق لبيته بعد الانتهاء من دوامه في البنك، وخشي من أن ما في جيبه من مبلغ لا يكفي، ففتح خزينة الدولة العراقية وأخذ منها 10 مليارات دولار، وفي اليوم الثاني أعاد المبلغ مما يدخره في بيته من مال.

هل من المعقول أن يصل استغباء المواطن إلى هذه الدرجة؟!
هذه القصة حالها كبقية القصص التي مرت علينا خلال الأعوام الماضية، أناس يتم خطفهم بسيارات الدولة ومن داخل مؤسسات الدولة، والنتيجة أن الكل ينكر أن الحدث قد وقع.

قضية العشرة مليارات تخفي وراءها سرًّا يكاد أن يعرفه العراقيون، وفك لغز هذا السر يبدأ من معرفة أن المبلغ كان مفقودًا منذ أيام حكومة السيد المالكي وتم اكتشافه هذه الأيام. هنا مربط الفرس كما يقال عند العرب.. من هنا يمكن معرفة السر الذي دفع الحكومة العراقية حتى تتراجع عن خبر فقدان المبلغ، لتنفيه، من بعد أن جاءتهم رسالة قصيرة وموجزة، تقول لهم: “إن لم تنهوُا الموضوع ستنهَوا”. وهي نفس الجملة التي قالها المالكي شخصيًّا لسكان المدن العربية السنية (الأنبار، صلاح الدين، الموصل، ديالى، ومدينة الحويجة في كركوك) في مطلع عام 2014 بعد أن كانوا قد خرجوا محتجين على اعتقال نسائهم وأولادهم لأشهر عديدة دون أن يكون هنالك من تهمة محددة وواضحة ضدهم، فكانت النتيجة أن وجَّه لهم المالكي رسالة عبر أحد اللقاءات التلفزيونية التي أجريت معه، ويقول لهم فيها: “أن لم تنهوا اعتصامكم سوف تنهوا”. معنى الرسالة واضح ولا يحتاج إلى توضيح.. من هنا معرفة سر تصريح الحكومة العراقية المضحك بأن تم العثور على العشرة مليارات.

هذا المشهد الهزيل لا يحتاج إلى عقل مفكر حتى يفهم خيوط اللعبة التي تجري في العراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد