الهمام عيسى

156

الهمام عيسى

156

بالنظر لما يدور حولنا وما نعيشه واقعا فإنه يعد مستغربا سؤالك «أين الانسانية؟»، فاليوم وبكل بساطة بعد أن ألفت أذهاننا مشاهد الموت والدمار وأصبحت حالة الفقر والجوع والانهيار جزءًا من وعينا صار هذا السؤال غير منطقي أبدا، وأصبحت مصطلحات مثل الإنسانية والرحمة والتكافل وما إلى ذلك من هذه الكلمات التي يبرع باستعمالها رجال الدين والمصلحين على مختلف المستويات مجرد قوالب يصبون فيها صلصال خطاباتهم حتى يخرجوا علينا بانتصاب المثل العليا فيشعرون أنهم أصحاب رسالة لتغيير الواقع الذي لن تغيره آلاف الخطب الجوفاء ما لم يقترن خطابهم بفعل على الأرض.

هذه الأرض يا صديقي التي أفسدتها أقدامنا بملايين من الخطوات خطوناها للحرب مثلا، هذه الأرض التي قدسناها بالكلام فقط ثم  ملأناها ظلما وجورا واستبحنا حرماتها متناسيين تلك القدسية المزعومة فأصبحت قلوبنا خاوية على عروشها وماتت فطرتنا التي عنها تسأل، ولا يمكننا في هذا المقام أن نلوم من رأى منكرا فلم يغيره ولو حتى في قلبه فإننا لا نعلم ما يحمل قلبه من هموم جعلت النظر إلى هذا المنكر أمرا مستحيلا حتى.

الناس يا صديقي في زماننا جوعى لكل ما هو جميل لكل ما يحفزهم لفعل الخير وإغاثة الملهوف لقد امتلأت عقولهم بمناظر الدم والموت والخراب فأصبحت هذة المناظر جزءًا من وجوههم كما العين والأنف والفم لم يعد يخيفهم أشلاء الأطفال في سوريا أو العراق فمعظمنا اليوم ولد على هذه مشاهد وما زال يحيا عليها ولا يظن في قرارة نفسه إلا أنه سوف يموت عليها.

فالواقع اليوم قال كلمته، كلنا بدون استثناء لا نستيقظ صباحا إلا لنلحق ما تبقى من ركب حياتنا مطاردين لقمة العيش التي اغتصبها منا من اغتصبها، فكيف يكون لي طفل مريض يذهل ذهني لحالته وتريدني أن أتضامن بكل قوتي وأن أخرج في مظاهرات مليونية منددًا بجرائم فعلها غيري لأخ لي في ميانمار مثلا فضلا عن حمل السلاح أو أن أطالب بإضراب أو عصيان مدني متضامنا مع أخي الصومالي.

لا أنكر أن هناك من يحملون في صدورهم قلوبا تتسع للدنيا وظهورا مستعدة لأن تحمل عليها كل هموم أهل الأرض ولكنهم استثناء لقاعدة عريضة من الناس الذين إن لم يتفقوا على التغيير جميعا فلن نصل لما تريده من حالة تضامن اجتماعي وتعاطف أخلاقي سامٍ مع ما يحدث حولنا أو ما يحدث لحالات فردية من الناس الذين أصابتهم الحياة في مقتل.

أنا لست متشائما من حالنا هذه ولم أفقد الأمل بعد في أن يستعيد الناس انسانيتهم ومشاعر التعاطف مع مختلف البشر، ولكنني أطلب منك أن تتلون بألوان الواقع المقيت حتى تستطيع أن تقف على حافة الحقيقة وتستشرف منها ما معنى أن تكون مصابا في كل ما فيك فتنسى أنك انسان حتى، أريد منك أن تكون عادلا في طرحك لهذه المشكلة فتجرد الناس من فضيلة مثل العطف والرحمة ليس لأنهم لم يعودوا بشرا بل لأن الدنيا لم تعد تحفل ببشريتهم وبدأت تطاردهم الآن حتى تنهي ما تبقى بهم من أي مشاعر أخرى مثل الرحمة بين الأب وابنه أو الأخ وأخيه حتى.

صدقني إن قلت لك أننا قبل أن نتعاطف مع بعيد يعاني في مجاهل أفريقيا على كل منا أن يتعاطف مع نفسه أولا ويشعرها أنها محط اهتمامه عليه أن يسألها عن احتياجاتها ويداريها فيما أحزنها ويقبل عليها بالاهتمام والحب ويبحث لها عن أسباب السلوان فاذا ما استفاق لنفسه وأحس بشيء من الرحمة استدار باحثا عن أقرب الناس منه مقبلا على أمه وأبيه وزوجه وبنيه باحثين عن التعاضد والتكافل متصدين سوية لهذا الواقع الأليم بما يملكون من أدوات ومهارات ثم نقف مجتمعات سوية متكافلة بكلمة وعاطفة واحدة مناصرين لمن أصابه هم أو آذاه أذى.

أما الآن فلا تسألني أين إنسانيتنا فإن إنسانيتنا في غيبوبة فرضتها علينا صدمات الواقع، قمنا بتخزينها في ذاكرة العاطفة لأنها اليوم لن تفعل لنا شيئا حتى تستطيع أن تفعل لغيرنا في أقاصي الأرض ومنتهاها.

صديقي… قبل أن تسأل الناس كيف فرغت قلوبكم من التعاطف مع الغير املأ بطونهم وجيوبهم حتى يتفرغوا بكل وجدانهم وقوتهم ووجودهم لمن ظلم غيرهم، فحالهم وإن كان في ظاهره أفضل وأكثر استقرارا من غيرهم فإنه في باطنه قد ملأته القروح والأوجاع فأصبحوا كمن أصابه مخدر قوي أخذ كل حواسه ومشاعره ورماها في مستودع النسيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك