كسب العيش من الدعارة ليس جريمة، مهما تقاسمت السيدة من مهنتها هذه من مبالغ حتى لو كانت المسألة متعلقة بحقوق الإنسان، وذلك إذا كانت تـبيع خدمات جسدها بإرادتها. كان الأمر ليكون غير ذلك لو كانت قاصرًا، هذا ما حاضر به قاضي التحقيق في جبل لبنان زياد مكنّا، في نقابة المحاميين ببيروت، في سياق الكلام حول جريمة الإتجار بالأشخاص الذي ركّز في كلامه على كون العاملة في مجال الدعارة، وقد تعتبر من سياق السياحة الجنسية، إنما هي ضحية، وكيفية التعامل مع هذه الضحية، وآلية الإجراءات، إضافة إلى التدابير لتشعر بأمان فتدلي بمعلوماتها عن الجلّاد الذي يجذبها لبيع جسدها.

مازال لبنان بعيدًا عن مفهوم حماية الضحية، وإشراك القطاع الخاص مع فاعلية المجتمع المدني في مهمة البحث في الجريمة المنظمة من هذا النوع، إضافةً إلى غياب الموارد المادية التي تكفل تأمين حماية للضحية تحفظ لها كرامتها البشرية، فكيف إذًا يمكن التعامل مع هذه الضحية والشاهدة في الوقت عينه حيث القانون اللبناني لا يلحظها كشاهدة كذلك الأمر.

يستخلص من كلامه هذا كيف يجب تعزيز المعرفة للاشخاص العاملين في مجال القانون الذي له علاقة بأمور متعلقة بحقوق الإنسان، فالإنسان يولد حرًا، وهذه صفة تلازم الإنسان منذ ولادته، على حد تعبيره، وتبقى مرافقة له طيلة فترة حياته هي ليست بحاجة لا إلى تشريع دوليٍّ، ولا إلى تشريع داخلي، فهذا الأمر خارج عن إطار المناقشة، ويشكل المنطلق لفتح أي إطار، توصلًا لحماية هذا الحق ومعاقبة من توسل له نفسه التعرض له وفق مكنّا الذي شرح اتفاقيات كثيرة على صعيد الدولي أهمها قانون 164 2011 كما الاتفاقيات الدولية الناشئة عن اتفاقيات الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والبرتوكول اللاحقة بها لمكافحة جريمة الإتجار بالبشر، ومنع الإتجار بالأشخاص، لاسيما النساء وأطفال وبروتوكول مكافحة تهريب الأشخاص عبر الحدود برًا أو بحرًا أو جوًا.

قبل صدور هذا القانون كانت هناك حالات غير منطقية لغياب النص القانوني الذي يتم العقاب على أساسه كجلب أشخاص إلى لبنان فتستغل حاجاتهم. عدم وجود النص الذي يعاقب على هذه مثل فعل الإتجار بالأشخاص يؤدي إلى أن يعاقب الأجنبي الداخل إلى لبنان بطريقة غير شرعية ويعاقب من يتاجر به بعقوبة التدخل في جرمه فتقع الجريمة على عاتق الضحية. كل التركيز على الضحية. غير أنه مع القانون 1642011 أصبح هناك جرم مستقل، وهو الإتجار بالأشخاص من نوع الجناية عقوبتها قد تصل إلى السجن وتشدد في حالات معينة وفق صفة الفاعل فمن له سلطة على المستغل تشدد العقوبة أم مجموعة أشخاص مجنى عليهم وعناصر هذا الجرم ثلاثة، ويجب أن تكون مجتمعةً:

1- الفعل قد يكون اجتذاب الشخص، تأمين مأوى، نقل، استقبال له في بلد الوصول.

2- الوسيلة لتتحقق الوسيلة لاستعمال الإكراه أو التهديد باستعمال العنف عليهم أو مجرد استغلال لوضع ضعف لدى هؤلاء الأشخاص أو إغراء مالي لهم، أم لمن لهم سلطة شرعية عليهم.

3- الهدف هو استغلال هؤلاء الأشخاص أو تحقيق استغلالهم.

وعن القضية الشهيرة المعروفة باسم شي موريس، حيث ثبت من خلال معطيات الملف أن هناك شبكة تتواصل مع أشخاص في الداخل يعملون على اجتذاب سيدات من الخارج ويقولون لهن إنهن سيعملن في مجال التزيين النسائي، يأتون بهن إلى لبنان، ويحتجزونهن بأماكن يشرفون عليها، ويرغمونهن على العمل في الدعارة، ويسهلون عملهم بالدعارة بواسطة الغير، ويستغلونهن ويتقاضون أموالًا لا يصلهم منها أي شيء، صنّف هذه الحالة بـعناصر الجريمة المكتملة.. فنحن إذًا أمام جريمة الإتجار بالأشخاص. أما الالتباس في التطبيق بين جريمة تهريب الأشخاص إلى دولة أخرى بطريقة غير شرعية وجريمة الإتجار بالأشخاص مع العلم أن العمل في هذا المجال قد يكون في حد ذاته وجهًا من أوجه الإتجار بهن، حدد الحكم فيها بأنها تعتمد على الحالة. هكذا إذًا ينقص لبنان منهجية عدم لوم الضحية، ووضع منظومة متكاملة لإعادة دمجها في الحياة والمنظومة الاقتصادية من جديد وفق نمط سير الدورة الاقتصادية غير المعتمدة على السياحة الجنسية، فأي آلية تضمن هذا وزارة العدل واتفاقياتها أم تضيق مفهوم السياحة بالتعاون بين وزارة السياحة والعدل في لبنان؟

وفق القاضي مكنّا: بما أن الواقع يقتضي استعمال تعبيرات قد تبدو للبعض غير لائقة، إلا أن هذه التعبيرات، تعبر عن الواقع، لذا تستخدم في موضوعات متخصصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد