تأخذ الثورة أشكالًا وسبلًا عدة منها الثورة على نظام قمعي مستبد، ثورة ضعيف على متجبر، شخص أو مجموعة على عادات وتقاليد المجتمع الذي يعيشون به؛ تقاليد عفا عليها الزمن تختلف الأنظمة السياسية من بلد لآخر، وزمن لزمن؛ فمنهم من يسعى لتأسيس دولة عصرية حديثة بأُسس راسخة، وهذا ما حاول النظام الملكي الليبي فعله بعدما نالت ليبيا استقلالها بقرار من الأمم المتحدة عام 1951 بعد صراع طويل ضد المستعمر.

اهتم النظام الملكي بالتعليم والثقافة فأنشأ المؤسسات الثقافية، وأول جامعة ليبية، ومدرسة ثانوية ذات منهج عربي عام 1958م. أثرى ذلك اللغة العربية والثقافة الليبية عن سابق عهدها، لكن رغم ذلك كان للمجتمع عاداته وتقاليده المحافظ عليها من قديم بسبب طبيعة المجتمع ورواسب الاستعمار التي لم يتخلص منها بعد.

نتيجة الاهتمام بالثقافة وباللغة العربية ظهرت أول رواية عربية «اعترافات إنسان» لكاتبها «محمد فريد سيالة» الذي يُعد من رواد الأدب والثقافة الليبية معتمدًا في تحصيله الشخصي على القراءة والانتساب إلى الدورات الدراسية العربية منها وإلايطالية حتى أتقن الإيطالية جيدًا كإتقانه للغته الأم مما جعله يحرر قاموسًا عربيًا إيطاليًا في أواخر عمره، وكتب بها مقالات نشرتها عدد من الصحف الإيطالية بحسب ما يذكر مقدم الرواية د/ أحمد إبراهيم الفقيه.

صدرت الرواية أول مرة عام 1961م تحت عنوان «قصة ليبية» وسرعان ما سُحِبت من السوق لكثرة الأخطاء المطبعية بها، كما يخبرنا د/ الفقيه في مقدمته للرواية التي أعادت مجلة الدوحة طباعتها كملحق للمجلة بشهر يناير هذا العام، بعدما أعاد طباعتها للمرة الثانية «فريد سيالة» عام 2007م، أي قبل وفاته بعام واحد.

تُظهِر الرواية بشكل غير مباشر رغبة النظام الملكي في تأسيس دولة حديثة تقوم على أسس راسخة، منها: الثقافة واللغة العربية، على عكس عهد العقيد القذافي الذي اتخذ سياسات مخالفة تمامًا أدت إلى إفقار الثقافة الليبية مما نحا بالكثير من المثقفين حينها بأخذ جانب وعدم الاحتكاك بالنظام، ومن هؤلاء الذين آثروا الصمت «فريد سيالة» كما يذكر د/ الفقيه ورفضه لعدد من دعواته لحضور العدد من الندوات والمؤاتمرات الثقافية في ظل عهد العقيد إلى أن وافته المنية.

تقع الرواية فيما يقارب المائتي صفحة، يناقش فيها الكاتب حرية الفرد ويثور على عادات المجتمع حينها متمثلة في عدم رؤية الزوج لزوجته قبل الزواج ويختار زوجته على حسب رأي إحدى قريباته التي تحدد له إذا كانت ستصلح له أم لا!

بعد حيرة وتردد بين رأي واحدة والأخرى يوافق سليم على خطبة مريم، منصاعًا بذلك لتقاليد المجتمع، التي كان يرفضها، وظنًا منه أنه سيجعلها الزوجة التي يتمنى. لكن لا ينال المرء كل ما يتمناه وتتحول حياته بعد الزواج بأيام – ليست بالكثيرة – إلى شقاء وتعاسة.

يقص على أحد أصدقائه، طبيب يدعى فريد، سبب تعاسته – حاول جاهدًا معرفة سبب تعاسة سليم ولكنه فشل في البداية -. ومحاولاته في تغيير زوجته «فبشيء من الحكمة والصبر وطول الوقت، والمعاناة أستطيع أن أخلقها خلقًا جديدًا» ليجعل منها زوجة مثالية «بالمعنى الكبير لمفهوم الزوجة»، حسب تعبيره.

يناقش فريد سيالة ويروي على لسان سليم سوء عادات وتقاليد المجتمع، الذي كان ينظر للمرأة على أنها متاع ينقلونه من بيت والدها إلى بيت زوجها بدون أي مشاركة منها في صنع مستقبلها وحياتها القادمة واختيار من ستقضي معه باقي حياتها.

انصهار شخصية كل فرد من أفراد المجتمع في بوتقته حتى تختفي ويصير كل منهم نسخة من الآخر ومن لا ينصهر داخل بوتقته ويحاول أن يثور عليه يتأثر به ويترك به رواسب لا يقدر على التخلص منها، ويلقي الضوء على سبب تذمر بعض الرجال من زوجاتهم بسبب إهمالها نفسها بعد فترة قليلة من الزواج وترك المجتمع بصمته على شخصياته؛ حيث أي حديث أو طلب كانت لا ترغب به مريم كانت تُرجع سبب رفضها إلى أن والديها لم يفعلا ذلك.

كان كل فعل يجب على الفرد الإقدام عليه يُقاس مدى صحته بمن سبقونا وكأنهم المتحكمون في حياتنا حتى بعد موتهم.

حاول سليم الهرب من بوتقة المجتمع ولكنه وقع في نفس ما يعيب عليه المجتمع، في محاولته جعل من زوجته شخصًا يحمل نفس أفكاره وجعلها طيعة معه حتى يتناقش معها نقاش الواعين وتثور معه على عادات المجتمع وتحطمها.

لم يحاول أن يجعل منها شخصًا مستقلًا يحمل أفكاره الخاصة وآراءه – حتى وإن كان أخبر صديقه بذلك – ولكن ما كان يفعله عكس ذلك. كان يتشدق عليها بكثرة المطالعة وبأنها شخصية تافهة، لا رأي لها ولا يشغل بالها سوى أمور تافهة.

ولكن وقع في خطأ كان يجب تجنبه؛ وقع في حب فتاة محكوم على علاقتهم، في نهاية الأمر، بالفشل وكان يدرك ذلك جيدًا.

ربما ذلك يعد شكلًا من أشكال التطرف التي يلجأ إليها الإنسان حين لا يقدر على مواجهة المجتمع بتقاليده وعاداته الرافض لها، المجتمع الذي يظن أنه بذلك يحمي نفسه وينشر الفضيلة، ولكنه بالعكس ينتج مجتمعًا مفككًا، لا تستمر معظم زيجاته إلا خوفًا من الانفصال أو لأجل الأطفال.

ينتهي من قص سبب تعاسته على صديقه الطبيب، الذي أجل الزواج مرة أخرى بعدما استمع إلى قصة سليم لرفضه عادات المجتمع في الزواج، وبعد أن كان أجله مرارًا وتكرارًا مع إلحاح السيدة زينب لتجاوزه سن الشباب التي تعيش معه وتقوم على خدمته.

الرواية جميلة مكتوبة بأسلوب شيق لا يدعو للملل وبلغة جذابة تجلي بها إحساس الشاعر ورغبته في تحطيم تلك الأغلال المفروضة على كل فرد بالمجتمع حينها. أصابها بعض التكرار لرغبته تأكيد المعنى، رواية تعبر عن كل شخص على مر الزمن، رغم مرور ما يتجاوز خمسين عامًا من نشرها لأول مرة، كل شخص يقع أسيرًا لمجتمعه ويرغب في الثورة عليه، كتبت لكل عصر وكل مجتمع، لم تكتب لعصره أو لمجتمعه وحده.

مما يشجعنا نحن القراء على الانفتاح على كل الألوان الأدبية من مختلف بلداننا العربية وتسليط الضوء على أقلام يجهلها الكثير منا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد