«الغالبية تؤمن بأن أزمة الأمة في عقلها، ولكنني متيقن أن أزمتها في عاطفتها» – الكاتب

فدائمًا ما تكون الظواهر السيكولوجية، والأحكام السيسيولوجية، هي نتاج صراعات عميقة في النفس البشرية؛ فلا وجود لأي مظهر اجتماعي من العدم، إنما مصدر أي نشاط خلاق واع على ظهر هذه البسيطة، هو ناتج بالضرورة عن طاقات كامنة في النفس، ولا بد من العودة لأصول أية ظاهرة اجتماعية أو ذاتية؛ لنستطيع الحكم على نموذج ما.

ونرى أن هذه النقطة هي أساس لنقطة جدل فلسفي كبير؛ إذ إنني أتفق مع المدرسة التي تعتبر أنه من غير الممكن فصل أي نتاج عقلاني معرفي عن الصراع العاطفي الكامن في النفس، لذا برأيي من الصعب، والصعب جدًا، الحكم على بعض الأعمال التي تعمل ضمن حقل المعرفة أنها أعمال موضوعية، فالذاتية دائمًا ما تكون بصماتها واضحة على تلك الأعمال والنشاطات، فدائمًا هنالك قصور بكل ما يمكن تسميته موضوعي، سوى ما يصلنا من المطلق.

ولعل من أبرز ما يعجبني للاستدلال على هذا نص من رسالة الفيلسوف «هيجل» لمحبوبته أو زوجته، حيث يؤكد لها ما معناه «إن الكلمات لا تنقل ما يخالط كلماتي من مشاعر؛ فاللغة عاجزة عن نقل أو ترجمة ما بداخلي، وليس من الحقيقة والصواب أن تسمحي لنفسك بتخيل مشاعري، ولكننا نمارس ذاتيتنا في تفسير مشاعر الآخرين، ونضعها على أنها مشاعره أو أقواله، فلو طلب منها إعادة تفسير رسالته سيجد اختلافًا كبيرًا، وسيكتشف أن هنالك تفسيرات لمشاعر، ربما لم تكن موجودة، أو أن بعضها قد اختفى، مما يمكنه من القول، بعد الانتهاء من قراءتها شكرًا لك على رسالتك؛ لأن ما ذكرته ليس لي، لم أكتبه أنا!». فالذاتية والموضوعية جدلية كبيرة، وخصوصًا تعقيدات «كانط».

ونحن هنا لن ندعي أننا موضوعيون جدًا، ولكننا نحاول تأكيد ما نراه، من خلال معايير خلاقة، تسمح لنا بكشف الحقيقة، كبعض العلوم والتحليلات النفسية لبعض الظواهر، التي تسمح لنا أن نلقي الضوء على الأمور، كما لو أننا خارج كهف أفلاطون «علاقة مباشرة مع الموضوعات، وليس مع ظلالها الذاتية».

الهويات الثلاثية المؤسسة لانعكاسات الحالة النفسية

وهنا نمضي مع الثلاثية التي تعتبر المصدر الذي يغذي غالبية النماذج المتوافرة في واقعنا الحالي، وهي: الإنسان المتألم، والإنسان الضاحك، والإنسان القلق.

وإن ما أخطه في مقالي، هو نتاج تأمل عميق، وإسهاب لما جادت به عقلية المفكر «أحمد حيدر» في كتابه «إعادة إنتاج الهوية». وأسأل الله أن أوفق في ذلك.

ويدلي المفكر أحمد حيدر بقوله «المتألم إنسان شجاع، ومتفائل بطبعه، ومرارته جاءت من تفاؤله، وإقباله على الحياة، في حين إن الضاحك منغلق على ذاته، وهو لم يفجع بشيء؛ لأنه لم يغامر بشيء؛ إنه خارج الحياة، في حين إن المتألم في صميمها. الضاحك خسر الحياة؛ لأنه لم يجربها، وبقي هناك يقف خارج الزمن، في حين إن المتألم امتلكها بالتجربة والمعرفة الحقيقية».

والقلق درجة أعلى من الألم، فرغم طبيعة المتألم، إلا أن الألم بداية الانفصال عن الواقع؛ لأنه بداية تجاوز الواقع، والشعور بعدم كفاءته، وبداية تكوين رؤية ذاتية، تبيح له إصدار حكمه على العالم، فهو في مرحلة ما، لن يتجاوز الواقع فقط، إنما سيتجاوز ذاته، ويصبح خارج التاريخ، ويحاول العبث والتغيير، ولكن دون جدوى.

وكذلك الضاحك، الذي لا يرى في الحياة، سوى أنها مهزلة، فهو لا يتوقع منها أفضل من ذلك، وهو في حقيقة الأمر كالمتألم، تجاوز الواقع والتاريخ، وأصبح هناك يصدر أحكامه بمعايير خاصة، فرؤيته للحياة تجبره على تجاوز الواقع.

«وفي كلتا الحالتين تجاوز الواقع هو تجاوز للذات؛ لأنها بكل بساطة تفقد الذات فعاليتها، وتصبح غالبًا غائبة»؛ فالألم بهذه الرؤية يخلق التطرف والتشدد، وربما في حالات أخرى، التصوف، وكذلك الضاحك يخلق الملهاة واللامبالاة.

ولكن المتردد بين فكي هذا المدى، وهو «الإنسان القلق» الفاعل والمتحقق في العالم الذي يعلم تمامًا أنه لا يمكنه تجاوز هذين الحدين؛ كي لا يسقط خارج التاريخ، ولا يمكنه الاستسلام أو الانفصال عن هذا العالم المعطى، وهذا التردد بين فكي الهاوية، لا يعني أبدًا غياب الهوية، وعدم ثباتها أو ثبات عنوانها؛ لأنه في هذه الحالة التي أعتبرها من أرقى الحالات، وأكثرها نبلًا تتجاوز، الذات ذاتيتها الأنانية من أجل أن تحتوى هذا العالم، وتمتلكه، فالإنسان القلق غالبًا ما يشعر بفقدان «الأنا»، ودائمًا يرى نفسه بصورة هذا العالم، هو لا يحمل على ظهره هذا المعطى «العالم» فقط، إنما هو يجسده في حقيقة الأمر، فهو غالبًا ما يعبر عن هذه «الذات المركبة» بدلالة صامتة غامضة عميقة بعمق وغموض حالته، وهو دائمًا ما يذهب إلى الرمزية، كالتضحية بالذات؛ لإثبات قضيته، ورؤيته لهذا العالم «تضحية بالذات، وليست بالأنا، تلك الذات المركبة، التي امتزجت بصورة رؤيته للعالم»، هو ضحى بوجوده المحدود؛ لتعيش هذه الذات الأبدية»، وكثيرًا ما نرى هذا المشهد على أنه أسطورة؛ لأنه بكل بساطة تذوب الأنا، بتلك الذات المركبة «للأنا الشخصية»، فالموت بالنسبة له حياة أبدية لذاته، وهذا المشهد أقرب للأسطورة.

«فكما يقال لا يموت، من قتل من أجل فكرة» فكيف بمن استشهد؛ لأجل لا إله الا الله، وخطاب القرآن يوضح هذه الدلالة بقوله «بل أحياء عند ربهم يرزقون»، مات لأجل الله، والله هو الحي الذي لا يموت.

لننتبه، القلِق إنسان عاشق لذاته؛ فهذا الحب للذات «المركبة التي تجسد العالم» تجعله يراه كما يجب أن يكون، وهنا يصبح العالم غاية في ذاته، والإخلاص لهذا الحب ضرورة؛ ليعيش بين حدين فاصلين: «الضحك والألم»، ويبقي على ذاته، ضمن حيز حياته، ولكن الموقف الذي تتخذه هذه الذات للتعبير عن رمزيتها بالتضحية ممكنة، وهي أعلى درجات التضحية، ونراها كشعارات نموت، وتحيا قضية ما.

ولكن أرى من الحكمة الارتقاء بهذا المستوى إلى ما هو أكثر شمولية، بحيث تكون على مستوى العالم، حيث من الحتمي، عندها تصبح غاية الرمزية في التعبير عن الذات مطلب ثوري، لا أسطوري

والثورة هي نتاج المعقولية، بالتالي تتقبلها الجماهير بمنطقية، بعكس الأسطورية، التي غالبا ما يشوبها اللامعقولية، وتبقى نسبية، في حين إن الثورية أكثر قابلية نحو الشمولية، وقدرة لصياغة نماذجها.

انعكاسات الثلاثية على الواقع

يجمع الغالبية على أن «المغرر بهم» في الجماعات المتطرفة هم نتاج ألم ألمّ بهم من خلال العالم، مما جعل أسياد العالم، الفئة التي ترتكز عليها أجندات هذه الجماعات، التي ترفع شعارات خارجة عن المألوف والتاريخ «أسطورية»، وهذه الظاهرة هي نفسها التي تسمح للآخرين بالتعاطف مع المغرر بهم؛ فهم تحت سطوة الألم المتحقق من هذا العالم، «الأوحد أو ذي القطب الواحد»، وجدوا أنفسهم تلقائيًا لا يشعرون بأية إيجابية تجاهه، وهنا «انفصال وتجاوز لهذا العالم»، وهي حقيقة إنسانية ترقى إلى اللاإرادية؛ فالألم المتجاوز للاحتمال، ولطاقة الإنسان يجعله يقوم بردة فعل خارجة عن منطق الآخرين اللذين لم يتعرضوا لهذه الآلام، ولكن هنا نقطة جهل بتعاليم الدين يتم التلاعب بها من خلال أدعياء الدين، والاستبدال بها تفاسير تجعلهم يحطمون قيود حدود وموانع التطرف والتشدد؛ لتحقيق رؤيتهم لعالمهم الخاص، ويصدق بهم المثل «الجاهل عدو نفسه».

فهذا الألم الذي بدأ بفصلهم عن الشعور بالعالم الأوحد، خلق بداخلهم فراغًا كبيرًا يوجب عليهم إعادة إنتاج صورة العالم «الخاص بهم» مقابل العالم «العلماني الإمبريالي …» الذي يخالف ما يرونه هويته وصورته لهذا العالم بالنسبة لهم، فيتم تكفيره بالجملة، وهي فكرة حتمية ومبدأ طبيعي؛ إذ لابد من استبداله برؤية شمولية بالجملة لهوية هذا العالم؛ لتسد الشعور بالفراغ الذي يعتريهم، ويمكن رؤية هذا في صراع الأيديولوجيات، أو الصراع الطائفي، أو العرقي أو حتى القبلي.

وهنا أشير ألى أن هذه إحدى أزمات العالم الحديث، الذي يحاول أن يضع هوية وحدوية لهذا العالم، ويقضي على أي تمايز حضاري أو عرقي أو ديني، مما يجعل أية نظرية للإرهاب تؤسس في أجندتها لهوية إحلالية ضد هوية العالم.

«ففكرة الإرهاب العالمي هي صناعة العالم الحديث الذي سمح لنفسه عبر أيديولوجياته أن يضع هوية وحدوية لهذا العالم، بقوة وسطوة السلاح والقهر، فلا مفر مستقبلًا من ظهور حركات إرهابية تضع في حسابها محاربة العالم، أو دول تحاول أن تفرض هوية مميزة لها، وجميعها برجماتية ذاتية، وليست موضوعية: بمعنى أنها ترى العالم كما تريده، وليس كما يجب أن يكون»، وهنا يمكننا القول إننا كمسلمين وحدنا الموضوعيين بنظرتنا؛ لأنها بكل بساطة تنطلق من خلال أحكام وتشريعات سماوية مطلقة، وإذا ما وجد هنالك نظرة إنسانية جدًا، بالتأكيد لن تكون مختلفة عن تلك الدينية؛ لأنه ببساطة أكثر، هذه الأرض وجدت حسب قول الله تعالى للإنسان، وبشكل مؤقت، وهي دار اختبار، وليست دار قرار.

لا بد أن نقول إنه تم استثمار آلام الشباب العربي والمسلم، التي جاءت تحت وطأة الاستبداد والتعذيب، بصورة جيدة وعميقة، ولعل من دلائلنا سجن «أبو غريب» «فما هي تلك النفس تقبل أن تنتمي لهذا العالم، الذي جلدها، وأخذ بنشر صور لها، وهي عارية، ويمارس فيها أشد أنواع التنكيل»، فصادق من قال إن الاستبداد أساس الإرهاب، وكلاهما مجرم بحق هذا الوجود والإنسانية، ولن نطيل في هذا المشهد؛ كي لا يحسب أننا نتعاطف مع هذه الجماعات، غير أن الحقيقة تفرض علينا الإبحار في هذا المجال.

وكذلك الإنسان الضاحك ليس بأقل إجراما بحق هذا الوجود من غيره؛ فهو على الأقل، كما سلف، أجرم بحق الوجود، وحق نفسه؛ «لأنه بكل بساطة، تعتبر حقيقة وجوده رؤية موضوعية، وليست ذاتية؛ فالإنسان محدود ضمن حيز المعطى» فهو كما المتألم لا يملك لنفسه الحق في الانفصال عن العالم، وتجاوزه ليقف هناك، ويعبر عن رؤيته بالسخرية، وهنا لدي وقفة مهمة مع بعض المجرمين من هذا النوع، إذ لا أدرى كيف لهم بعد ما عرف بالانقلاب على الربيع العربي أن يتخذوا هذا الموقف، بعدما أريق الكثير من الدماء، وتحطم الكثير من الأحلام، بعدما كانوا في موقف «الإنسان القلق» المتردد بين حد الألم، وحد السخرية؟

أليس ما حصل ويحصل هو نتيجة ذلك الحب الذي نتج عن هوية مركبة، رؤية الذات بالعالم؟ وهذا الحب الذي جعلنا جميعًا نرى العالم كما يجب أن يكون، وليس كما نريده، ورؤيتنا للعالم كما يجب نابعة من إخلاصنا له، ولذاتنا على حد سواء، فهو الغاية والوسيلة؛ لتعيش هذه الذات، وشهداؤنا ضحوا بأنفسهم؛ لتعيش هذه الذات ضمن رؤيتها للعالم، كيف يجب أن يكون، وهنا نرى أن هذه العلاقة مع العالم أصبحت وسيلة لتحقيق الذات؛ فطلب الموت في سبيله بهذه الرمزية هو تخليد للذات، وتجسيد للقضية، خصوصًا إذا ما كانت أفكاره وشعاراته «مؤسلمة».

وهنا يجب علينا العودة «للإنسان القلق»، ذلك المتردد بين السخرية أو الضحك، والألم، فيجب عليه أن ينتبه لأدواته التعبيرية؛ لأننا رأينا كيف تم التلاعب بالبعض من هؤلاء من خلال إعلام الانقلاب على الربيع العربي، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ موقف ساخر من ظاهرة الربيع العربي، مما حدا بالإنسان القلق الذي يريد الحفاظ على مساحة هويته وذاته، أن يرد بموقف مقارب لهم، مما حصر مساحة كلا الطرفين ضمن إطار التهكم، فالأول يأخذه بأسلوب ساخر أقرب الى المهزلة، والآخر يعتبر موقفهم  كملهاة، ويدخل رؤيته بصورة المأساة؛ ليفند بها موقف الأول، وضمن هذا الجدل تصبح عملية قياس التوازنات ضربًا من السذاجة؛ فالأول يريد امتصاص الحالة الثورية، بزيادة طول مدة الصراع في التهكم. والآخر يمشي نحو المأساة، والتي هي في حقيقتها إفراغ الحالة الثورية من أصالتها وآلامها وقلقها.

عندها ومع الزمن تعود التضحيات لتكتسب رمزية أسطورية، لا ثورية ذاتية، لا جماهيرية.

ورسالتي الى كل إنسان قلق على مصير هذا العالم، عليك الإخلاص لذاتك المركبة، والإمساك بخيوط الحقائق؛ كفانا نفاقًا، وكفانا صناعة، واتباعًا للأصنام؛ فلكل من يدعي تجسيده لهذا العالم، نقول له: من أدواتك يمكن كشف هويتك، فمثلًا أدعياء الدين، وأدعياء الثقافة، هم جبناء منافقون، وليسوا أبدا قلقين؛ فهم دائمًا ما يكونون نقطة الضعف التي تتسبب في الانهيار؛ فهم يتخذون من خلال قناع «الإنسان القلق المحب لهذا العالم» أسلوبًا لبرجماتيتهم؛ ليحصلوا على دواء لعلاج أمراضهم النفسية، وتعويض ذاتهم «الأنا» الأنانية، بشيء من المديح، وإكسابها ثقة زائفة، أو أنهم متآمرون أحيانا؛ ليحققوا مكاسب شخصية؛ فهم غير راضين عن وضعهم، ويريدون أن يحققوا أسطورة تخلدهم.

«إن جغرافيا، ومساحة الإنسان القلق، لا تعيش فيها سوى ذات واحدة مركبة، محبة مخلصة قادرة على تحمل واقعها المرير، فأيما شخص حاول إقحام الأنا الأنانية، سيكون مكشوفًا أنه ينشد فكرة أسطورية، ونحن ننشد الثورية، أو بلفظ آخر «العمل الجمعي»، فضلًا عن أنه لا يصبر على هذا العيش، وفق هذه الذات المركبة، سوى المحب المخلص لهذا العالم؛ فهذا القلِق هو الوحيد الذي يرى أن الإنسان بحاجة للعالم، وليس لعالم، ففي الأولى هوية العالم نابعة من توازنات الوجود، فهي حقيقة موضوعية، وفي الثانية تغلب عليه رؤية ذاتية».

أرجو من جميع الإخوة التعليق، وتصويب ما ترونه خطأ؛ فهو أساس لما بعده، ودمتم، وأمتنا العربية والإسلامية بألف خير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد