تهدف العملية التعليمية في العموم إلى تغيير السلوك الإنساني لدى المتعلم وتطويره نحو الأفضل، فالمنهج التعليمي يبنى على أهداف عامّة أغلبها سلوكي ونفسحركي، وكذلك الدروس التعليمية تبنى على أهداف تفصيلية معرفية وسلوكية ووجدانية، يسعى المدرس إلى تعزيزها أو غرسها في شخصية المتعلم.

وفي مجال التربية الأسرية فإن الأبوين يتطلعان دائمًا إلى تطوير وتحسين سلوك أبنائهم، ويبحثون عن الوسائل والأساليب التي تمكّنهم من غرس الأخلاق والقيم الفاضلة، ومعالجة ما يظهر في سلوكهم من عادات غريبة أو سلوك منحرف.

وتشير آيات القرآن الكريم إلى أن تغيير السلوك الإنساني يؤدي إلى تغيير واقع الإنسان، فإن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلا يتغير الواقع السيئ على مستوى الفرد حتى يغير ما بنفسه من جهل وتخلف وخمول، يقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]،كما أن الله عز وجل لا يصرف نعمة أنعم بها على أمة من الأمم إلا عندما يتخلون عن أسباب التقدم والتمكين (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الأنفال: 53].

إن تغيير السلوك الإنساني هو مهمة الأنبياء ورسالة المصلحين وهدف الأدباء والشعراء وغاية الفلاسفة وقادة الفكر، ولإحداث هذا التغيير يتبعون أساليب شتى وطرائق متعددة تسهم في تحقيق الأهداف التربوية والسلوكية، وفيما يلي سوف نتناول ثلاثة من هذه الأساليب التي يمكن أن يستفيد منها العاملون في مجال التربية والتعليم في تكوين شخصية المتعلم، كما يمكن أن يستفيد منها الآباء والأمهات في توجيه أبنائهم وتغيير سلوكهم:

أولاً: إثارة الدافعية

الدوافع هي محركات داخلية للسلوك تنجم عن حاجةٍ تستثير السلوك وتوجهه نحو تحقيق هدف معين، فالإيمان بالله عز وجل على سبيل المثال هو دافع لاتباع أوامره واجتناب نواهيه، وتشير كتب السيرة النبوية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى 13 سنة من البعثة في مكة لا ينزل عليه من القرآن إلا ما يتناول قضايا الإيمان، وإثارة الدافعية بأخبار الأمم السابقة، وأهوال القيامة والحساب والجنة والنار، وفي هذا تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام) رواه البخاري.

تسهم الدوافع في تنشيط السلوك واستدامته بعد أن يكون في مرحلة الاستقرار والاتزان النسبي، كما تعمل على توجيهه نحو جهة معينة، وبهذا تقود الفرد إلى انتقاء الوسائل لتحقيق وإشباع الحاجات، فالمدرس لا يفشل أبدًا عندما يمتلك القدرة على إثارة الدافعية نحو التعلم، ويمكنه أن يحقق ذلك في بداية الحصة الدرسية إما بسؤال مثير أو قصة محفّزة، وسوف يستغني الآباء عن الكثير من الأساليب التقليدية في التربية عندما يتمكّنون من إثارة الدافعية لدى أبنائهم نحو سلوك معين، ومن أجل هذا فإن الآباء والأمهات يحتاجون دائمًا إلى زيادة اطلاعهم في أساليب إثارة الدافعية، والابتعاد عن توجيه الأوامر التي يراها الأبناء غير منطقية ولا مبرر لها.

ولأن الأبناء يفضلون أن يسمعوا القصص من والديهم فإن الآباء والأمهات بحاجة إلى كمٍّ هائل من القصص الهادفة التي تملأ خيال الطفل وتكوّن سلوكه، وفي ثنايا القصة تتمُّ إثارة الدافعية لدى الطفل ليكتسب الأخلاق الفاضلة كالشجاعة والإقدام ومواجهة التنمر والاجتهاد والتعاون، ويبتعد عن الأخلاق الذميمة كالخداع والكذب والكسل والخمول.

ثانيًا: التحفيز

الحافز هو مؤثر خارجي يحرك شعور الإنسان ويجعله يسلك سلوكًا معينًا لتحقيق الهدف المطلوب، ويعدّ التحفيز من الوسائل المهمة في تنشيط وتوجيه السلوك وإثارة الدافعية نحو الهدف، وقد تكون هذه الحوافز ماديّة كالحوافز الاقتصادية، أو معنوية كالثناء والتقدير.

وتؤكد الدراسات التربوية أن الحوافز المعنوية تزيد من مشاعر الرضا لدى الأشخاص سواء كان ذلك في مجال العمل أو مجال التعليم أو في مجال التربية الأسرية.

وفي ظل موجة اليأس التي تخيم على كثير من الناشئة والشباب، فإن من أهم واجبات المربين سواء كانوا معلمين أو موجهين أو آباء وأمهات أن يبعثوا الأمل في نفوس الجيل ويوقظوا هممهم ويغرسوا فيهم روح التفاؤل والطموح، ولعل الحوافز المعنوية أهم من الحوافز المادية، لما لها من دور في التخفيف من وطأة الحياة، وبثّ الأمل في النفوس.

ثالثًا: التعلم

دل استقراء النصوص والواقع على أن الأخلاق تنقسم إلى قسمين منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، ومن هذه النصوص التي تدل على فطرية بعض الأخلاق ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» رواه مسلم.

فقد دل الحديث النبوي على فروق الهبات الفطرية الخُلُقية، وأن خيار الناس في التكوين الفطري هم أكرمهم خلقًا، وهذا التكوين الخلقي يرافق الإنسان ويصاحبه في جميع أحواله.

وكما أن هناك أخلاقًا فطرية، فإن هناك أخلاقًا يكتسبها الإنسان بالتعلم، فالتعلم له تأثير بالغ على حياة الفرد والمجتمع، بل عرّف بعضهم التعلم بأنه تغيير في السلوك يتسم بالاستمرار وبذل الجهد المتكرر حتى يصل الفرد إلى الاستجابة التي تحقق غاياته وترضي دوافعه.

ولذلك يهتم به جميع الأفراد من علماء وآباء وأمهات ومعلمين، رغبة منهم في التعرف والاكتشاف لكل ما من شأنه أن يسهم في تحسين وتطوير الحياة، إن التعلم هو المصدر الأول للسلوك المكتسب، ولذلك فقد أولاه علماء التربية والنفس اهتمامًا بالغًا من حيث نظريات التعلم وطرائق التعليم، وما زالت العلوم الإنسانية بحاجة إلى مزيد من الرعاية والاهتمام، لأن العلم الذي شطر الذرة ووصل بالإنسان إلى القمر، لم يتمكن من إنهاء المجاعات في العالم، كما يقف عاجزًا أمام توحش الأسلحة وإبادة البشر.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من الأساليب والوسائل التي تساعد في العملية التربوية وتكوين السلوك الإنساني يمكن الوصول إليها من خلال كتب التربية أو محركات البحث على شبكة الإنترنت، كما أن أسلوب الأمر والنهي الذي يتبعه البعض لم يعد مجديًا في تكوين شخصية الإنسان، وربما يؤدي به إلى الانطواء والعزلة، يقول ابن خلدون (ت: 808 هــ): «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحُمِل على الكذب والخبث، خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة، وصارت له عادةً وخلقًا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره، وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنساني, سلوك
عرض التعليقات
تحميل المزيد