يترجل الدكتور «خالد» من سيارته، يخرج سلسلة مفاتيحه المعدنية، تحدث صوتًا مميزًا، يبحث عن ذلك المفتاح الذي يعرفه جيدًا، وبالرغم من هذا يخطئ في تحديده دائمًا، يفتح الباب يلقي التحية على الجالسين، يضع المفاتيح حيث تعود أن يضعها ولا يجدها، يدخل إلى حجرته في آخر البيت، ويرمي بجسده على أقرب أريكة، يحاول أن يرتاح من عناء اليوم الطويل، تغفو عينيه قليلًا، وينام الجسد الذي تعب من السعي هنا وهناك.

يستيقظ من أحلام النوم المبهمة إلى تفكير اليقظة، يطالع الحوائط والأسقف وتدور أفكاره في فلك السؤال، لماذا أنا هنا؟ مع مَنْ أعيش؟ وأين أسكن؟ يسأل «أحمد» نفسه هذا السؤال، وهو يدرك جيدًا إجابته، ويعرف تفسيره، ولكنه سؤال متكرر، وإحساس متواصل، وشعور دائم.

إننا جميعًا نسأل أنفسنا ذلك السؤال المتكرر، نحاول أن ندرك حقيقة الواقع، وواقع الحقيقة، يا ترى ما ماهية تواجدنا المادي والمكاني والزماني؟ أو كما يقولون ما حقيقة التواجد في الزمكان؟

ترى ما هي الحياة الحقيقة؟ أهي حياة الأجساد وعوالم التواجد المادي التي نعيشها، وفيها نروح ونجيء ونسعى ونعمل؟ أم هي حياة الأرواح والقلوب والعقول؟ هل أرواحنا في ذات العالم ومع ذات الأشخاص؟ أم أن الأرواح في واد، والأجساد في مكان آخر؟

حكى الأستاذ «عبد الوهاب مطاوع» في كتابه «صديقي لا تأكل نفسك» عن أسطورة قديمة تقول: «إن الإنسان كان يُخلق على هيئة واحدة، ذكر وأنثى، في ذات الجسد وذات الروح، وحينما نزل إلى الأرض انفصل الاثنان، وتفرقوا في أرجاء الأرض، وحُكم على الإنسان أن يقضي عمره يبحث عن نصفه الآخر، ومن هنا شقي جل الناس، وتخالفت الأرواح والأجساد في معظم البشر، وقليل من قليل من يجد نصفه الآخر، ويعيش معه حياة سعيدة».

ويبقى السؤال؛ مع مَنْ نعيش؟ إلى مَنْ نشتاق؟ ومَنْ نفتقد؟ وما سر هذا الحنين الغامض في القلوب والأرواح؟ ما كُنْه هذا الفقد العميق؟ أهو للنصف الآخر الموجود في طرف الأرض البعيد؟ أم هو فقد الانفصال عن الأم في بدء الحياة حينما خرجنا إلى الدنيا من عالم الأرحام، وانقطع حبل الوصل بين القلوب؟ أم هو حب الأم وحنانها وحضنها الذي افتقدناه عندما كبرنا وشخنا؟ أم أنه فقد الأحباب حيث كانوا في عالم الغيب أو عالم الشهادة؟ أم هي غربة الإنسان الدائمة، وحنينه الذي يلازمه، وضعف روحه، وشتات ألمه؟

عندما كنت صغيرًا كنت أستغرب ممن يزورون المقابر في يوم العيد، وهو يوم فرحة وسرور وعيد، وكنت أجادل الكبار، بما ألممت من حروف الحديث الأولى، ولكني عندما كبرت أدركت أن الفرحة الحقيقة هي الفرحة مع الأحباب وبقربهم حيث كانوا، ولو كانوا تحت التراب في عالم الأرواح.

مع مَن تعيش أروحنا؟ أين تتواجد؟ هل المكان وحدوده هي حدود تواجدنا وحدود مشاعرنا وسياج أفكارنا وأحلامنا؟ أم أن المكان ليس له مكان؟ وأن الزمان ليس له زمان؟

كم من أسر يضمها بيت لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، وربما تلتصق أجسادهم، ولكن تتباعد أرواحهم تباعد الكواكب والأجرام في الفلك الفسيح! كم من أرواح غادرت أجسادها وتركتها مسوخًا، تتحرك وسط الناس وهي ملتصقة بأحبابها في أقصى الأرض!

أبلغ عزيزًا في ثنايا القلب منزله ** أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإن طرفي موصول برؤيته ** وإن تباعد عن سكناي سكناه
يا ليته يعلم أني لست أذكره ** وكيف أذكره إذ لست أنساه
يا من توهم أني لست أذكره ** والله يعلم أني لست أنساه
إن غاب عني فالروح مسكنه ** من يسكن الروح كيف القلب ينساه

(من روائع المتنبي)

كم من أناس يعيشون بيننا في عالمنا الصغير ولكن قلوبهم وأرواحهم في مكان آخر! ولست أدري أصحبة الأجساد أقوى؟ أم صحبة الأرواح؟ أمن يتحركون حولنا ويتكلمون ويتشاجرون ويغدون ويرحون هم عالمنا وصحبتنا؟ أم أن عالمنا في عالم آخر، وصحبتنا أناس آخرون؟ نصحبهم ونعيش معهم، ونفرح لفرحهم، ونتألم لألمهم، نخاطبهم ونتحدث معهم، ولسان حالنا يقول:

سلام على أرواحنا حيث كنتم.. سلام على أحلامنا حيث أنتم.. سلام عليكم دائمًا بخير دمتم!

ثم ماذا عن الفراق أو التفريق بين من اتصلت أرواحهم، وتواصلت قلوبهم، وتباعدت أجسادهم بُعد المشرق والمغرب، وبين من التقت أجسادهم وتباعدت أرواحهم وقلوبهم؟ أي الفريقين تَفرق؟ وأيهما التقى؟ أيهما يمكن تفريقه وإبعاده؟ وأيهما لا يمكننا أبدًا أن نفرقه أو أن نبعده عمن أحب واتصل والتقى وتواصل؟

ولست أدري هل كُتب على ابن آدم حظه من ألم الفراق حتى تضمه الأرض وهي أمه الحنون ضمة اللقاء بعد شوق الفراق الطويل في عالم خالٍ من الأمراض والأوجاع وهموم الحياة؟ أم حينما يلتقي أحبابه الذين سبقوه نزولًا من قطار الحياة إلى محطاتهم الأخيرة؟ أم حينما يعود إلى دار الخلود ويلتقي بمن يحب في دار القرار؟ أم هو الشوق والحنين إلى رؤية وجه الرحمن؟ ولست أدري أعندها نجد أحبابنا فيتوقف الحنين؟!

في داخل كل منا في أعماق الروح وأغوار النفس هناك من نحن لهم، ونشتاق إليهم دومًا، إنها الأرواح تآلفت حتى مع الفراق، أو اختلفت برغم اللقاء، لملمت أفكاري، وشتات نفسي، وأدركت سر الفقد والحنين؛ إنه التعلق بكل زائل، هو فقد قلوبنا التي لم تجد الله بعد، ولم تتخل عن كل حب دون حب الله، فتتألم بالفقد حتى تتخلى، فإن تخلت تحلت بحب الله، وامتلأت به، وأدركت الطمأنينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد