كُنّا في الحلقات السابقة قد بدأنا حديثنا حول خوارزميات العقل البشري، وعرفنا أن خوارزمية فيسبوك تحاول أن تتشبه بعقولنا، وكوّنّا فكرة عن آلية التفاعل بين المؤثرات البيئية المحيطة بالكائن البشري مع محتوياتها العقلية ونتيجة هذا التفاعل، وما زلنا في حوارنا الجدلي بين النظرية التكوينية التي تعتمد حصريًا على العوامل الوراثية فسيولوجيًا في تشكيل عقله وثقافته، والنظرية البيئية التي تعتمد على دراسة الظروف الاجتماعية المحيطة بالإنسان، والتي تقوم أساسًا على أن علم النفس لا معنى له إذا خرج عن الإطار الإنثروبولوجي والفلسفي، والتي تعني أن بناء الشخصية الإنسانية هو نتاج التفاعُل مع الكائنات الإنسانية الأخرى في المحيط الاجتماعي.

وما زلنا في طريقنا لإثبات انفراد النظرية التكوينية بهذه المهمة، حيث إن الكائن البشري ما هو إلا منظومة وراثية تنتقل من جيلٍ لآخر محمولة على جيناته الوراثية، وكما سبق وأوضحنا أن انتقال الصفات الوراثية بين الأجيال لا ينحصر في الصفات الوراثية المادية مثل لون الشعر والعينين والبشرة، وإنما يمتد إلى الصفات الذهنية والقدرة العقلية ونوعية المحتوى الفكري والعاطفي للإنسان، مع التأكيد على أن انتقال هذه المادة الوراثية بين الأجيال لا يعني تكرار صناعتها بذات الصفات النمطية للشخصية، لأن استنساخ المادة الوراثية في حد ذاته يتجاوز عملية تكرار التصنيع إلى حالة النمو المستمر، أي التجدد في أغصان شجرة وكل غصنٍ هو مرحلة إنمائية لغصنٍ سابق عليه وتنمية وتكملة له وليس تكرارً لذات المرحة.

والأمر في واقعه ليس بحاجة إلى إثبات، بقدر ما هو بحاجة إلى جلاء. ذلك أن أفكارنا ومشاعرنا وميولنا النفسية ذاتها لا تعدو كونها نتيجة لنشاط هرموني؛ فالكائن الذي يبدأ تشكيله من سلسلة من النيوكليوتيدات تُشكل سلسلة من الجينات، وهي بدورها تشكل سلسلة من الكروموسومات في ضفيرة كبرى هي الحمض النووي، وخلال عمليات الانقسام والتمايز والتخصص – وتمايز الأحماض الريبوزية – مما يُشكِّل في النهاية خطوط إنتاج لبلايين المركبات الكيميائية تشكل في مجملها مجمّعات من العمليات الحيوية التي تشكل في النهاية كائنًا حيًا، له أفكار وسلوكيات غريزة تتوالد تلقائيًا كنتيجة للعمليات التي تتم على خطوط الإنتاج هذه. ويعتمد النشاط الذهني (مجمل العمليات العقلية) على نشاط هرموني يحث على إنتاجه الحمض الريبوزي، وبالتالي فإن منظومة الغدد الصماء في جسد الكائن لا تؤثر فقط على أدائه الفسيولوجي، بل إنها تشكل نشاطه السيكولوجي كاملًا. فمثلًا من حيث الغريزة الجنسية للكائن (وهي بطبيعتها فكر وشعور وسلوك على التوازي) تعتمد على معدل إفرازه لكميات معينة لنوعية معينة من الهرمونات أكثر من اعتمادها على الإثارة الجنسية الخارجية للكائن حتى وإن جاء نشاط هذه الغريزة في ظرف متزامن مع وجود إثارة خارجية في المحيط البيئي.

 وإن كان الأمر يعود ليدور في فلك النسبية للتساؤل حول ما إذا كانت الإثارة الهرمونية الداخلية هي السبب المباشر، أم أن الإثارة البيئية الخارجية هي السبب المباشر أم هما معًا؟ وإذا نظرنا من جانب المؤثر البيئي الخارجي باعتباره موقع الراصد كما يقول أينشتاين، سنصل إلى نتيجة مُفادها أن حالة الإثارة الجنسية التي تعرض لها الكائن هي نتيجة مباشرة للمؤثرات والمحفزات البيئية الموجودة في بيئته، مثل ظهور الأنثى من نوعه، وإذا نظرنا إلى الجانب الداخلي للكائن ومعدل النشاط الهرموني الجنسي له – باعتباره موقع الراصد – سنتوصل إلى نتيجة مُفادها أن ازدياد معدلات إفراز الهرمونات الجنسية هي السبب المباشر في تلك الإثارة، وأما إذا نظرنا للأمر من موقع حيادي بين الاثنين، سنتوصل إلى نتيجة راقصة في المنتصف، أي اشتراك كلا المؤثرين الداخلي والخارجي في الأثر على قدم المساواة، لكن في واقع الأمر لا يمكن الركون على اشتراك مؤثرين منفصلين عن بعضهما بأية حال؛ فإما أن يكون المؤثر هو الهرمون الداخلي للكائن، وإما أن يكون مجرد الصورة المثيرة الخارجية في البيئة المحيطة به، وهذا ما يحتم علينا ضرورة البحث في القوة المحركة فعليًا وتحديد مصدرها. ويمكن التثبّت من ذلك من خلال التلاعب بكلا العاملين؛ معدل النشاط الهرموني، ومعدل وجود الإثارة في البيئة المحيطة بالكائن، ومن ثم متابعة نتيجة هذه التلاعب وأيهما يأتي بنتيجة.

فإذا تم استئصال الخلايا المنتجة لهرمون معين أو تم حقنها بمزيد من الهرمونات المُنشّطة، فإن فكر الكائن ومشاعره وسلوكياته ستتأثر وتتغير بمقدار التغيُّر الذي حدث لمعدل إفراز تلك النوعية من الهرمونات، وهذا ما يُرسي قاعدة مُتعارف عليها مسبقًا، وهي أثر الهرمونات الجنسية على حالة الإثارة للكائن، مع الوضع في الاعتبار أن هذه النتائج ستظهر في كل الأحوال (سواء وجدت مؤثرات خارجية أو لم توجد).

 وفي التجربة الثانية، سنحاول التلاعب فقط في مسببات الإثارة البيئية الخارجية، وسنجد أنها تتعلق على معدل النشاط الهرموني من عدمه. أي أن عوامل الإثارة الخارجية تتوقف على وجود أو عدم وجود نشاط هرموني داخلي ولا تنفرد هي بذاتها بتشكيل غريزة الكائن، بينما معدلات النشاط الهرموني الداخلي لا تتوقف على حالة وجود أو عدم وجود إثارة خارجية، بل وتنفرد بذاته بتشكيل غريزة الكائن، وهذه ما يقطع بأن المؤثر قادم فقط من النشاط الهرموني؛ فلا يمكن أن يكون عقل الكائن فاعلًا ومفعولًا به في ذات اللحظة. بل إن التلاعب في معدل النشاط الهرموني أدى إلى تحويل جنس الكائن كليًا من ذكر إلى أنثى والعكس، بينما ذلك مستحيل حدوثة بمجرد التلاعب في مظاهر الإثارة الخارجية، وهو ما يقطع بأن ما يشوبها من تأثير فعلي هو محض زيف صورة ظاهرة لحقيقة خفية.

فإذا كان قد أمكن تحويل جنس الكائن من ذكر إلى أنثى والعكس، اعتمادًا على تنشيط الإفراز لنوعية من الهرمونات وتثبيط نوعية أخرى، فإنه يعد ممكنًا تحويل الكائن البشري بين الإيمان والإلحاد بالتأثير على هرموناته بالتبعية، أو على الأقل جعله يتبنى أفكارًا ذات طبيعة معينة بذاتها، أو كما تفعل المخدرات والمواد الكيميائية بالعقل، أو غرس أقطاب كهربية في الدماغ. فإن ذلك ينُمُّ صراحة عن أن الفكر والوجدان يتم إنتاجهما بالهرمونات، ففي حالة خصاء الذكور، يتعطل جانب من الفكر وجانب من الميول الوجدانية، وفي حالة ختان الإناث تتعطل وظائف سيكولوجية فكرية ووجدانية نتيجة تغير نشاط فسيولوجي، وكذلك في عمليات التحوُّل الجنسي للخناس، نجد أن العقلية ذاتها بما بها من أفكار ومشاعر وجدانية تتحدد طبيعتها اعتمادًا على كم ونوعية الهرمونات التي يتم إفرازها في جسم الكائن أو حقنه بهرمونات معينة مثل الأدرينالين أو الدوبامين أو الإستروجين، أو حتى غرس واستزراع الخلايا المنتجة لهذه الهرمونات، وكذلك يتغير شعوره الوجداني وفكره وسلوكه عند حقنه بمادة مخدرة أو مسكنة للألم أو منشطة أو مثبطة من نوع ما، وكذلك الغازات الحربية وغازات الهلوسة والأدوية المستخدمة في العلاج النفسي، أو العلاج بالضوء والتأثير على الفكر وحثه على السير في اتجاه دون آخر. وكذا عند زيادة أو نقص الشحنات الكهربية في الجهاز العصبي للكائن يتغير فكره وسلوكه.

فطالما كان كل جيل من الكائنات يقتبس صفاته القياسية من أسلافه، وطالما كان كل جيل يستقي مقوماته الذهنية والنفسية من آبائه، وطالما كان كل جيلٍ يقتفي أثر من سلفه في سلوكياته وتصرفاته ويتبع وسائله في إشباع حاجاته وغرائزه، وطالما كان عقل الكائن يعمل وفق نظام دقيق، فإن هذا النظام لا بد وأنه قد استمد دعائمه من المادة الوراثية التي تنتقل من جيلٍ إلى آخر، كما لو كان فيلمًا تصويريًا يتم استنساخه مرات ومرات، ومهما تنوعت تلك النسخ العديدة، فلن تختلف بأية حالٍ عن أصلابها.

فالغريزة مثلًا، وهي ظاهرة بيولوجية تتمثل في نشاط ذهني بحت يظهر في تشكيل التصرفات والسلوكيات التي يمارس بها الكائن حياته بطريقة تلقائية وذاتية بدون تعلُّم أو اكتساب لخبرات، بل إنها تنبع في نفس الكائن بطريقة فطرية غريزية يُولد مجبولًا عليها دون أن يبرز أي مهارة في محاولة اكتسابها. فالطيور تتكاثر وينمو كل جيل ليمارس حياته بالطريقة ذاتها التي اتبعتها أجيالها السابقة، فيخرج الطائر ليبحث عن المأوى والمأكل من تلقاء نفسه بالطريقة ذاتها التي اتبعتها الطيور من نفس النوع عبر آلاف السنين في ممارسة حياتها، فالطائر الصغير بمجرد أن يصل إلى مرحلة عمرية معينة، يندفع غريزيًا لبناء عُشه بالكيفية الهندسية ذاتها التي يتبعها النوع دون أن يكتسب أي مهارة أو خبرة بالخطأ والممارسة. فمملكة النحل، مع ارتفاع أعدادها في الخلية الواحدة، تعمل في نظام غاية في الدقة والبراعة، تتحرك أسرابًا منظمة ذهابًا وإيابا (سلوك إرادي برغم انتقاله وراثيًا)، وتعمل في تعاون تام وتنظيم وتقسيم للعمل بانتظام على بناء مستعمراتها بما يشبه ناطحات السحاب، قبل أن يدرك الإنسان آلية بناء تلك المستعمرات الهندسية. فيقول تعالى: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون (68/النحل). إذًا، فهذه الآلية التي تتبعها تلك الكائنات في حياتها، تنتقل من جيل إلى جيل كصفات وراثية ذهنية، مثل كافة الصفات الوراثية الملموسة في جسم الكائن الحي.

وقد نجد في نوع من الحيوان طابعًا متبعًا في حياته ينتقل من جيل إلى آخر، بطريقة غريزية تلقائية مثل الجنس وغريزة الشراسة والافتراس، فهذه الصفات كافة، والتي تعرف بالغريزة، تنتقل من جيل إلى جيل بالوراثة الجينية، وهي ليست صفات وراثية ملموسة، وإنما هي في حقيقتها نشاط ذهني بحت تنتقل شفرته من جيل إلى آخر محمولة على ذاكرة الحمض النووي لكل نوع. فمثلًا غريزة الشراسة والافتراس في بعض الحيوانات الضارية، ليست صفة مادية وملموسة، وإنما هي نشاط ذهني يدفع الحيوان إلى اتخاذ سلوك معين وبطريقة معينة تلبية لحاجاته، فهذا السلوك والتصرف ليس صفة مادية، وإنما نشاط ذهني معنوي (فكر وشعور) انتقلت قواعده بالوراثة من جيل إلى جيل عبر شفرات الحامض النووي ليتم تنفيذه على مدار حياة الكائن، فإذا أجرينا تجربة بسيطة تتمثل في احتجاز أحد الحيوانات الشرسة في مكان منعزل منذ ميلاده، سنلاحظ بعد فتره ظهور سلوكيات افتراسية على الحيوان، رغم أنه لم يختلط بغيره من الحيوانات كي يتعلمها ويتقنها بالممارسة والتمرين. وكذلك، بعد مضى فترة أخرى تظهر الرغبة لدى الحيوان في ممارسة الجنس وبطريقة طبيعية سليمة، رغم أنه لم يختلط بغيره من نوعه كي يتعلم تلك التصرفات والسلوكيات الغريزية المسيطرة على إرادته، وإنما ظهر سلوكه في الوقت المناسب تعبيرًا عن حاجاته النفسية الداخلية، وترجمة مباشرة لمراحل نظامه العقلي، فتشكلت إرادته في التصرف بمجرد نضجه فسيولوجيًا؛ ما أدى إلى إفراز هرمونات جنسية خلقت فيه أفكارًا ورغبات هي في حد ذاتها نشاط ذهني.

فالعقل البشري لا ينتقل من جيل لآخر كصفحة بيضاء وإنما مملوءة بالخبرات التي تتفتح أزهارها في أوقات محددة تدريجيًا. فالنظام العقلي هو خط إنتاج يرتكز على قواعد الحمض النووي ويخرج وحداته الإنتاجية باستمرار بقدر ما تتوفر له المواد الخام (هرمونات وإنزيمات) وتبقى القوالب الإنتاجية ثابتة، وقد يتغير ويتجدد المنتَج بحسب مقدرا التغيُّر في المواد الخام المتاحة.

إذًا الفكر والوجدان باعتبارهما مضمون النشاط العقلي ينتقل وراثيًا بين الأجيال المتعاقبة لنوعٍ من الأنواع؛ فقد لاحظ العلماء أنثى الجرذ الأبيض بمجرد أن تضع صغيرها، تسعى تلقائيًا لاحتضانه وتهيئة المناخ الملائم له، وتقوم بقضم الحبل السري، هذه المهارة والخبرة لم تكتسبها أنثى الجرذ، ولكنها ورثت الفكر والسلوك والتصرف الملائم كما ورثت غريزتها الجنسية والأمومية، وباقي مكوِّناتها الفسيولوجية والسيكولوجية التي تُشكِّل في مجملها كائنًا بيولوجيًا.

أضف إلى ذلك أن الطفل قبل بلوغه مرحلة التمييز أو النضج العقلي الذي يسمح له بانتقاء أفكاره وعقلنة الأمور في محيطه الاجتماعي، فإن عقله يكون في حالة من الإبداع التلقائي المستمر، فكثيرًا ما يبهرنا الأطفال بتصرفاتهم وأفكارهم التي لم يسبق لهم بها عهد واقعي، ومن غير المنطقي في ذات الوقت القول باستقاء هذه التصرفات والأفكار من المحيط البيئي جملة؛ ذلك لأن الطفل لا يكون مدركًا أصلًا لنتاج عقله، وغير واعٍ بمضمونه، إنما أتت أفكاره وليدة الغريزة التلقائية دون محاولة منه للتفكير أو التقليد لتصرفات من حوله، فالطفل يباشر ويقلّد أفكار وتصرفات أبواه قبل أن يعاصرها في واقعه.

ففي واقع الأمر لو دققنا النظر في تصرفات الطفل وأفكاره وتصوراته وخيالاته سنجدها نابعة من عقله ذاتيًا دون استقاء من بيئته الاجتماعية المحيطة، فتصرفاته تأتي تلقائية ونتيجة آلية لعمل عقله وغالبًا ما لا تكون موجودة أو لها أصول في بيئته الاجتماعية المحيطة فهو يبتدع أفكاره من تلقاء نفسه دون تقليد لوالديه ، إذ إن أفكار الوالدين تكون كبيرة علي عقله وغير قابلة للهضم وهذا ما يعني – علي فرض التقليد والاقتباس – أن أفكاره ستأتي مجزأة غير مفهومة بقدر الفارق بين فهمه وفهم والديه لذات الفكرة، بل إن البيئة الاجتماعية المحيطة بالطفل من الأبوين والأخوة الأكبر تكون في أغلب الأحوال غامضة وغير قابلة للهضم بالنسبة له، ومع ذلك فهو يبتكر لغته وتصوراته بنفسه ويبتكر لُعبًا لم يرها في بيئته، ويبتكر طريقة ملائمة في اللعب تخصه، وتختلف طريقة الطفل في اللعب حسبما إذا كان ذكرًا أو أنثى دون أن تملي عليه بيئته ذلك وقبل أن يدرك حتى الفرق بين الذكر والأنثى .

غير أن هناك نوعية من الأطفال تظهر شخصياتهم بجلاء مستقلة ومختلفة كليًا عن شخصيات والديه، فقد يكون الوالدان من ذوي الطباع الهادئة الرزينة ويخرج الطفل داهية وخبيثًا وفاهمًا بشكلٍ تلقائي لأفكار معقدة وغير معلنة في سياسة المجتمعات والأسر داخليًا. وقد يتصادف أن تأتي أفكار الطفل وتصرفاته أكبر من وعي والديه ولا تخطر لهم علي بال بأي حال فيتعجبون منه ويشعرون أنه يتصرف بعقل أكبر من سنه. فهذه الأفكار نشأت في عقل الطفل ذاتيًا ودون تغذية خارجية لعقله من البيئة الاجتماعية المحيطة، وهذا ما يؤكد استقلالية العقل وعمله ذاتيًا ، فنحن مبرمجون على التفكير تلقائيًا وفق نظام عقلي محدد المسار حتي وإن اختلف عن ظروف الحال التي قد يعاصرها كافة الأفراد الموجودين في ذات الظروف.

ويتضح ذلك أكثر في حال وفاة الأب قبل ميلاد الطفل، إذ أحيانًا ما نجده نسخة مطابقة للأصل دون أن يكون بينهما أي تعاصرٍ زمني في الحياة. والتأمل في طبيعة تصرفات الطفل وأفكاره البريئة تقودنا حتمًا إلى الاعتراف بأنها وليدة الغريزة النفسية التي انتقلت له وراثيًا، وليست استقاءً من محيطه الاجتماعي. وطالما ورث الطفل منظومة من الأفكار والسلوكيات هي خليط من المادة الوراثية للأبوين، فمن الطبيعي أن تتشكل أفكاره وسلوكياته خليطًا مزدوجًا من أفكارهم وسلوكياتهم المعاصرة، فيكون الطفل بذلك قد اقتبس أفكار وسلوكيات أبويه وراثيًا وليس اجتماعيًا، ومن الطبيعي أن تظهر تصرفاته وأفكاره مشابهة لهم، لكن هذا لا يعني أنه اقتبسها اكتسابًا من واقعهم الاجتماعي، بل اقتباسًا من مادتهم الوراثية، وما يؤكد ذلك أن الطفل في كثيرٍ من الأحيان يباشر سلوكيات وتصرفاتٍ أبويه قبل أن يعاصرها واقعيًا. وهذه التفرقة الدقيقة هي منشأ الخلاف بين القائلين بنظرية التشكُّل الإنثروبولوجي والقائلين بنظرية الوراثة الجينية.

وهذا ما يؤكد أن النشاط الذهني للكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان ينتقل بصورة مُشفَّرة على وحدات الحمض النووي D. N. A. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا بعد؛ هو هل ينتقل النشاط الذهني كاملًا بالوراثة؟ بمعنى؛ هل تتخلق أفكارنا ومشاعرنا كافة على أساس القواعد الوراثية، أم أن بعضها يتخلّق على أساس وراثي وبعضها الأخر يتخلّق في عقولنا على أساسٍ آخر هو الظروف المعيشية المحيطة بنا؟ ثم يتناضل الاتجاهان بعد ذلك، يقاوم أحدهما الآخر ويتغلّب عليه أحيانًا ويخضع له أحيانًا أخرى؟ وكيف تتشكل الإرادة الحرة للكائن؟ فهل تنشأ كمحصلة ونتيجة لهذا التناضُل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تخضع معايير القوة لتأثير كلٍ منهما على الآخر إلى قواعد التنافس الحر؟ أم أن كلًا منهما محكومٌ بنظام؟ فإذا كان لكلٍ منها نظام يحكمه فتنتفي بذلك قواعد التناضل الحر، وتنتفي معه حرية الإرادة.

فطالما انتقلت قواعد الفكر والسلوك من جيل لآخر، فهذا يعني أن أفكار الكائن وسلوكياته تتخلق داخله تلقائيًا وفق نظام محدد، وبتوقيت وتنسيق محدد، كما لو كان فيلمًا تسجيليا. وهذا النظام يتمثل في الضفيرة الموجية لتيارات الفكر والشعور المتبادلة. وبقراءة تلك الشفرات، يصير بإمكاننا معرفة تلك الصفات الوراثية قبل تخليقها عمليًا بعد التعرّف على تفاصيل خط الإنتاج والقوالب الإنتاجية المرافقة له، أي عملية التخليق في مرحلة الأجنة. وهكذا الأمر بالنسبة لتصرفات الإنسان في حياته وقراراته وانفعالاته وسلوكياته وآلامه ومشاعره وأفكاره… إلخ. هي في واقع الأمر صفات وراثية يمكن التعرف عليها بقراءة شفرات الحامض النووي قراءة جيدة. فالنظام العقلي هذا محددة ملامحه وخصائصه ومساره بكل دقة على الحامض النووي إلى جانب الصفات الوراثية الملموسة، وإذا استطعنا قراءة شفرات الحامض النووي قراءة جيدة، فسيكون بإمكاننا معرفة تلك الصفات قبل بداية ترجمتها وتجسيدها عمليًا أو حتى أثناء وخلال المراحل التنفيذية في حياة الإنسان. ومن ثم يمكننا من خلال قراءة الخريطة الجينية والصفات الوراثية الذهنية للإنسان، يمكننا التعرف على مواصفاته القياسية وملامح هويته وأفكاره وميوله النفسية ورغباته واتجاهاته السلوكية والمراحل العمرية التي ستنحرف خلالها، وحتى مستوى الذكاء الذي سيحيى عليه، والمعتقدات الإيمانية التي سيتبناها عقله، كما لو كنا نرصد حركة القمر فلكيًا بحسابات دقيقة لمعرفة مساره خلال ظاهرة الكسوف التي ستتعرّض لها الشمس في العام القادم.

بذلك نكون قد وصلنا إلى نتيجة مفادها أن الكائن الحي ما هو إلا كائن فيزيائي نشأ من الطبيعة وخاض دورة حياته وفقًا لفيزيائها، وانتظم دوره في طابور التغيرات الفيزيائية في هذا الكون، باعتباره نسيجًا متحركًا مثل نسيج الدم في جسد الكائن، وإن بدا نسيج الدم حر الإرادة والحركة مقارنة بباقي أجهزة الجسم الراسية في أماكنها، أو كالرياح التي تتحرك من مكان إلى آخر بحرية ظاهرية، فيظل الدم خاضعًا لذات المنظومة الفسيولوجية للجسد رغم حريته الظاهرة، فليس كل متحركٍ حر الحركة، وتظل الرياح محكومة بقواعد الضغط الجوي ودرجة الحرارة. فقدرة الكائن على الحركة على سطح الكوكب لا تميزه عن باقي مظاهر الطبيعة وإن بدت مُقيدة وراسية في مواضعها. حيث بدأ تكوينه ونشاطه من نشاط حفنة من الذرات اشتركت في بداية خلق كافة الأنظمة، واستمرت عمليات تحوُّل الطاقة في بنيانه من صورة إلى صورة إلى أخرى، وفق البرنامج المفترض لكل نظام، ومسجل به بلايين البيانات والعمليات المشفرة في قوالب على خط الإنتاج، وهذا البرنامج يتم استنساخه بين الأجيال المتعاقبة، مثل استنساخ أقراص الميديا المضغوطة، مع ما للأحماض النووية من خصوصية تتميز بها عند الاستنساخ الذاتي نتيجة تعقد عملياتها الحيوية. إذ يندمج نظامان منها لينتج عنهما عدة بدائل متنوعة، وليس استنساخًا متطابقًا.

يُتبع..

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًا وبدنيًا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد