يبدو أن الطريق الأمثل لفهم العالم الواسع من حولنا، تبدأ بالبحث في دواخلنا أوّلًا، برغم أن الأمر برمته يفوق
قدراتنا البشرية؛ فهناك شيءُ آخر في داخلنا أوسع من العالم المحيط بنا، ولا يمكننا الوصول إليه ومنعه من التحليق، لكن على الإنسان أن يحاول البحث والفهم بقدر ما يستطيع؛ فليس بإمكانه أن يدرك الكون وهو جزء منه.

وهناك حِيَلٌ فكرية وطرق افتراضية يتبعها العباقرة في التفكير من أجل الوصول إلى الحقائق الغامضة، فبعض الظواهر الطبيعية مثل الرياح لا تُرى، لكنها تُعرف بآثارها، فلا يمكن الاستدلال على حقيقتها بالطرق العادية. ومن بين هذه الحيَل التي يتبعها العلماء نظرية الواقع الافتراضي؛ حيث يضع العلماء صورة افتراضية ديناميكية لظاهرة غامضة مثل الإلكترون، بحيث يمكن من خلال هذه الصورة الافتراضية، تفسير النتائج والآثار المترتبة الظاهرة في الواقع، حتى تمكن نلز بور من وضع نموذج افتراضي للذرة يتشكل من سحابة حول الذرة تدور فيها عدة جسيمات دقيقة حول النواة مثل الكواكب التي تدور حول الشمس. وقد تبين فيما بعد صحة هذا الافتراض واكتشف العلماء أن هناك جسيمات تدور حول النواة هي الإلكترونات التي تدور في مساسارت دائرية مثل الكواكب السيارة حول الشمس، وكان يُرمز إلي الإلكترون بإشارة سالبة تمييزًا له عن البروتون، لكن احتفظ الإلكترون بالرمز الافتراضي السابق له، وما زال إلى اليوم يُرمز إلى الإلكترون بالإشارة السالبة ويُرمز إلى البروتون بالإشارة الموجبة كمقابل له، برغم أنه ليس هناك أي علاقة بين هذه الإشارت والجسيمات التي تمثلها، فقط هذه الإشارت نشأت في مرحلة التنظير الافتراضي قبل أن يصبح هذا التنظير حقيقة واقعية.

وكما بدأنا في حلقاتنا السابقة حول خوارزميات العقل البشري، وعرفنا أن أيّ لُغزٍ علميّ لا بد وأنه له حل، بل إن مجرد اعتباره لغز، فهذه لا يعني إلا افتقادنا للتصور الحقيقي له، وقد تساعدنا تقنية الواقع الافتراضي هذه في فهم حقيقة النظام الفزيائي للعقل البشري وآلية عمله، وهل تعمل عقولنا بشكلٍ آليٍّ كامل ومستقلٍ عن المؤثرات البيئية المحيطة بنا، أم أن أفكارنا وتصرفاتنا هي محض استجابة ورد فعل لهذه المؤثرات؟

فمثلًا لو افترضنا فرضا جدليًا أننا أخذنا شخصًا من بيننا ووضعناه في الفضاء الخارجي بعيدًا عن عالمنا وأفكارنا ولغاتنا والمؤثرات البيئية المحيطة بنا، فهل نتصوّر أن عقله ينفصل عن عالمنا ويعيش أفكاره وتصرفاته وفقًا لإيحاءاته الداخلية وكأنه؟ أم أنه سيتفاعل مع التغيُّر الذي حدث في بيئته؟ فأنا أتصور أنه سيعيش حياته كما لو كان بيننا، يتأثر ويشعر بما نشعر به، وينفعل كما ننفعل له ويفكر كما نفكر نحن، وستأتي تصرفاته وسلوكياته وأفكاره بشكلٍ آليّ منفصل عن محيطه الفضائي كما لو كان يعيش في مجتمعه الطبيعي بيننا، ولن يتفاعل مع فضائه الخارجي، ولن تأتي تصرفاته وسلوكياته استجابه لما يدور حوله في الفضاء، ولكن فقط استجابة لما يدور بداخل عقله هو.

هذا الافتراض يبدو غريبًا جدًا وقد نجده فقط في أفلام الخيال العلمي، لكن ألا يعتبر هذا الافتراض جزءًا مشابهًا لما يحدث لنا في أحلامنا التي نعيشها أثناء نومنا كل يوم؟

فما يحدث في أحلام النوم من حركة وكلام وانفعال جسدي متناغم مع الحالة العقلية في الحلم، هي نموذج واضح للافتراض الجدلي السالف طرحه، وهي خير دليل على أن العقل مبرمج للعمل ذاتيًا حتى لو انفصل عن واقعه والظروف البيئية المحيطة به، بل إن العقل لا يعمل على التطبُّع مع الطبيعة المحيطة به ومؤثراتها، ولكن يتكيف مع تكوينه ونظامه النفسي الداخلي فيكون أقرب الشبه لمكوِّنات الطبيعة، فكل عقل يبحث عن الظروف الطبيعية التي تحاكي تكوينه الداخلي، ولا يتغير هو ليحاكي الطبيعة من حوله ولا يستجيب لمؤثراتها بأية حال، بل يراهاه كما يريد هو حتى وإن اختلفت رؤيته عن الواقع، وهذا ما يعني أنه لن يحدث تطابق بين مساره العقلي ومحيطه البيئي.

وهذا الافتراض يساعدنا على فهم كافة الظواهر الغريبة التي تقع لبعض الأشخاص من حين لآخر مثل حالات الجنون والجنون المؤقت وحالات الصرع ومتلازمة اللكنة الأجنبية ومتلازمة الرجل الموهوب وغيرها من عمليات التحوُّل العقلي المفاجئ بعيدًا كل البعد عن المؤثرات البيئية. فهؤلاء الأشخاص يبدون كما لو كانوا يعيشون في عالم منفصل عن عالمهم وبيئتهم الاجتماعية المحيطة بهم، بل كثير منّا يعيش هذه الحالات بصفة عارضة ويومية دون أن يدرك حقيقة انفصاله عن عالمه، فتختلف بذلك انطباعاتهم وانفعالاتهم كما لو كانوا يعيشون أضغاث أحلام، فالعقل بإمكانه تخليق الأفكار والمشاعر والتصورات والآلام والوقائع والأحداث بصورة مستقلة ومنفصلة عن الواقع تمامًا كما في أحلام النوم وأحلام اليقظة، والعقل يعمل بذات الآلية ليل نهار مثل القلب وكافة أجهزة الجسم الدائمة النشاط، والفرق فقط يكمن في أن معدل النشاط الذهني يعلو نهارًا ويهدأ ليلًا فتنكمش مظاهر التجسيد الخارجي لنشاطه دون أن تتغير آلية عمله، وعندما ينكشف نشاطه نهارًا، تنتعش عمليات التجسيد الخارجي لنشاطه الداخلي وينكشف ويتحقق معه الانسجام والتنسيق الرباني مع حركة الطبيعة وتغيراتها. فدورة الحياة العقلية للكائن ما هي إلا حلم طويل نسبيًا، وكل كائن يحمل برنامجه الذاتي ويعمل مستقلًا وموازيًا لأنظمة أخرى حوله في الطبيعة، حتى وإن بدت علاقات من التزامن والتنسيق بين تلك الأنظمة، فليس شرطًا أن تكون السببية قائمة بالفعل، ولا يعني حدوث أحداث ما في توقيتات متزامنة أن هناك علاقة سببية تجمع بينها، وإن كان البشر يجدون ذلك مريحًا للعقل.

ولذلك فقد يصاب شخص بنوبة إغماء ويستيقظ ليجد نفسه يتحدث لهجة أو لغة غير لغته وكأنه دخل فقرة جديدة من حلمٍ جديد، كما يحدث في متلازمة اللكنة الأجنبية، أو يفكر في أمور غريبة تختلف عن واقعه، وكل ما حدث في هذه الحالة هو تبادل موجي، بحيث اختفت موجة تحت خط الصفر وانبثقت فوق الخط موجة جديدة بملامح جديدة ومختلفة اختلافًا جذريًا عن قرينتها، وقد تكون الموجة الجديدة مشوّهة عند مقارنتها بالسابقة، وقد تكون مرحلة إبداعية إذا ارتفعت الموجة عاليًا، وفي كافة الأحوال فهي تحمل نوعًا جديدًا من الفكر، وكل جديد فهو إبداع، بغض النظر عن كونه حلالًا أو حرامًا أو منتج ومفيد للبشرية أو غير ذي جدوى فكل جديد هو إبداع للعقل أيًا كانت جدواه، حتى وإن كان مجرد خواطر جنونية. فكافة هذه المظاهر تدل بجلاء على أن العقل البشري بإمكانه أن يصنع فكرًا وشعورًا مستقلًا من داخله وفق نظامه السيكولوجي لا كرد فعل أو استجابة للمحيط البيئي.

 فالعبرة هنا ليست بكون المخ قد أصابه حالة مرضية أم لا، ولكن بقدرته على صناعة أفكار ومشاعر وتصورات وخيالات لا علاقة لها بالمحيط البيئي حتى وإن كان مصابًا، فهي نابعة كليًا من داخله، فما بالنا لو كان معافىً، بما يعني أنه ليس بحاجة إلى تغذية خارجية، فهو يصنع رؤيته للحياة كاملة بصورة آلية تتوافق غالبًا من الصورة الظاهرة دون الحاجة إلى نظرية التعليم والتعلّم أو التدريب، لكن أحيانًا ما تختلف هذه الصور والرؤية الذهنية عن الواقع، وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد بإصابة المخ بحالة مرضية، لكن في واقع الأمر فالحالة المرضية ليست في أداء المخ ذاته بقدر ما هي في الانسجام والتوافق بينه وبين الواقع. فالغالب أنه طول الوقت يصنع صورًا مشابهة لواقعنا، ونادرًا ما يصنع صورًا مختلفة عندما ينحرف مساره فتنكشف حقيقته بأنه هو الذي يصنع رؤيتنا للحياة، وليست الحياة هي التي تملي عليه صورتها.

اقرأ أيضًا: 10 اضطرابات دماغية تشوه منظور صاحبها عن الواقع

أيضًا نوبات الصرع والجنون وانفصام الشخصية التي قد تصيب بعض الأشخاص تتبع ذات الآلية، وليس من المنطقي أن نعتقد بقدرة العقل على خلق أفكار ومشاعر وسلوكياتٍ كاملة في حالة مرضه ثم نؤمن بعجزه عن صناعة مثلها إذا كان صحيحًا، فما يحدث هو مجررد تغيير في برنامج عمل المخ، ولا يفسره إلا حركة الأمواج التبادلية التي تنتقل من مرحلة إلى أخرى، فتنقله من فكرة لأخرى أو من اعتقاد لآخر، وقد يكون هناك اختلاف جذري بين تلك المراحل، وقد ينحصر الاختلاف في مجرد التنوّع من موجة فكرية إلى أخرى وجدانية أو العكس. ولو أمعنّا النظر في أحلام اليقظة، سنجدها بشائر انحراف لمسارات الأمواج الفرعية عن طريق الانسجام والتوافق مع الواقع، وكأن الشخص يعيش أوقات خارج عالمه الواقعي لينسجم مع عالم وظروف مختلفة يصنعها له عقله.

بل إن الأشخاص العاديين جدًا، قد يصابون بنوبات خروج عن مسار التوافق والانسجام مع الواقع، لكنها قصيرة زمنيًا. وليس شرطًا أن يكون الانسجام مع الواقع انسجامًا كليًا أو انعدامًا كليًا، بل يكون له درجات متفاوتة، فأكثر الأشخاص انسجامًا مع واقعهم، هم العاشقون للحياة والحب والعمل والإنتاج والنجاح، القانعون بظروفهم المعيشية، الراضون عن أنفسهم، الذين يرون لمحة جمالية في كل شيء حولهم. وفي المقابل يأتي عدم التوافق والانسجام بدرجات من التمرد والنفور والغضب، ثم يتزايد تدريجيًا إلى أن يصل إلى النظرة السوداوية للحياة وانعدام قيمتها، بل إن الإنسان أحيانًا يجد نفسه معارضًا وناقدًا لنفسه ولكل شيء حوله، لكل الأفكار والتصرفات، وظروف الحياة دون مبرر موضوعي إلا حالة الصراع بين موجاته الفكرية ونظيراتها العاطفية. وأكثر الأشخاص من حيث عدم الانسجام مع الحياة هم المجانين، فالمجنون ليس مريضًا، ولكن عقله يرسم له رؤية مختلفة للحياة عن الصورة التي ترسمها عقول باقي الناس من حوله.

إذًا النشاط الذهني بوجه عام، هو صناعة ذاتية داخلية للعقل، وهو عبارة عن صفات وراثية تنتقل من جيل إلى جيل على شفرات الحامض النووي. وهذا ما يحدث في الإنسان بالطبع، فالعقل البشرى بنظامه السيكولوجي المُعقّد هو صفة وراثية تنتقل من جيل إلى آخر على شفرات الحامض النووي دون أي أثر لمؤثرات خارجية، مع الوضع في الاعتبار أن عملية الانتقال من جيل لآخر ليست نَسخًا أو تكرارًا لذات المنتج، ولكن تنمية وزيادة في نمو الكائن بفروعه وأغصانه وأوراقه (هذا الكائن هو المجتمع البشري).

فالعقل قادر على بناء أفكاره وتشكيل سلوكياته وتصرفاته طبقًا لشفراته الوراثية بغض النظر عن محيطه البيئي، وهو نظام أتوماتيكي كامل، ويعمل بشكل تلقائي منذ لحظة ميلاد الإنسان، دون أن يتكئ على مظاهر الطبيعة وتغيراتها ليبدي استجابته وردود فعله تجاهها حسب ظروف الموقف ومقتضى الحال، فهو يحيا مُغمض العينين عن محيطه الطبيعي، برغم الانسجام والتناسق الدقيق بين استجاباته وردود فعله على مؤثرات الطبيعة ومتغيراتها. فالأطفال حديثي الولادة لا تبدأ سلوكياتهم وتصرفاتهم غير منسجمة مع محيطهم الاجتماعي، فقد نجد الطفل ينظر في اتجاه بعيد، ثم يبتسم أو يبكي أو ينفعل دون انسجام مع الواقع ودون استجابة لمحيطه الاجتماعي، وكأنه يعيش في عالم منفصل عن عالمنا، أو ما يسميه العلماء العمى العقلي، ثم يحدث التوافق والانسجام بمرور الوقت، حتى يصل الطفل إلى مرحلة النضج العقلي أي تنسجم أغلبية تصرفاته وأفكاره وردود أفعاله مع مؤثرات الطبيعة، وبرغم ذلك فلا تخلو حياته من لحظة ينفصل فيها عن واقعه وينقطع خيط الانسجام لحظاتٍ، ثم يعود ليلتئما مرة أخرى. أي أن العمى العقلي لا يفارقنا بمجرد تجاوز مرحلة الطفولة، وإنما يستمر معنا مدى حياتنا، لكن بصورة متقاطعة ونادرة، كمثال ما يحدث في ظاهرة أين أشيائي وتتزايد هذه الظاهرة في حال الاضطرابات النفسية.

ولو افترضنا اختلاف النظام الوراثي للإنسان عن سائر الكائنات نظرًا لتميّزه عنها بالوعي، فإن هذا الافتراض لا ينفي عن الإنسان طبيعة الوراثة الذهنية للعقل؛ ذلك أن الله جل وعلا قال في كتابه العزيز: أمم أمثالكم. أي أن كافة الكائنات تتمتع بعقل تختلف قدراته نسبيًا عن العقل البشري، وإن اتبع ذات الآلية والكيفية خلال دورة حياته، غير أن كافة الكائنات لديها قدر من الوعي بذاتها حسب درجة رُقيها العصبي، والأشخاص الأغبياء والذين يتصرفون ويفكرون بطريقة تقترب إلى الحيوانات، هم أيضًا يتمتعون بذات العقل الذي يتمتع به العباقرة، ولا فرق بينهم في طبيعة عمل العقل، إلّا في معدلات النشاط الذهني فقط. والإنسان يتمتع بقدرِ أعلى من الذكاء عن سائر الكائنات، ما ميزه عن غيره من الكائنات بالخطأ والإبداع، ومكّنه من بناء حضارته عبر العصور.

ونظرًا لأن الذكاء هو معامل المرونة في الفكر، فهو ما جعل الإنسان يبدو كما لو كان فوضويًا في سلوكياته وتصرفاته، يُخطئ ويصيب ويتعلَّم من أخطائه، مقارنة بسائر الكائنات التي تبدو مبرمجة ومجبولة على التصرف بطريقة تقليدية وغريزية، وهو ما فتح مجال الاختلاف بين البشر من حيث القدرات والمهارات الفردية، وفتح مجال الخطأ والإبداع في الآن ذاته. وإن كانت سائر الكائنات تبدو منظمة ومبرمجة في حياتها وتصرفاتها، فإن احتمالات الخطأ والإبداع تتدرّج نسبيًا حسب معدلات الذكاء في بعض الكائنات عن غيرها، مرورًا بأنواع القِرَدة والقِرَدة العليا، والتي تكاد تقترب من الإنسان، ليس فقط في بنيانها الجسدي، وإنما في سلوكياتها وتصرفاتها وطريقة ممارسة حياتها. فقد ثبُت بالملاحظة أن الغوريلا بإمكانه التعلُّم بالخطأ والممارسة، وأنها تتعاطف مع حيوانات أُخرى، أي أنها تعيش بمنظومة عقلية توازي العقل البشري. وإن كان الإنسان وهو الكائن الرئيس الذي يتربع على عرش المملكة الحيوانية، مخلفًا فروقًا شاسعة بينه وبين القردة العليا من حيث معدلات الذكاء، ومن ثم معدلات الخطأ والإبداع بالتبعية. وهذا كله، بطبيعة الحال، لا ينفي طبيعة الوراثة الذهنية للإنسان.

لكن ارتفاع معدلات الذكاء لدى الإنسان والذي يتسبب بشكل مباشر في الخطأ والإبداع على حد السواء هو ما جعل الإنسان يبدو وكأنه يكتسب مهاراته بالممارسة التي هي قرينة الخطأ والإبداع، ففي حقيقة الأمر فإن نظرية التعلُّم بالممارسة والخطأ والتدريب ما هي إلا زيف صورة ظاهرة للعقل تغطى ملامحه وهو يصنع أفكاره وخبراته بغطاء التمرين والخطأ والممارسة. وأبسط دليلٍ على ذلك هو متلازمة اللكنة الأجنبية، والتي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن العقل يصنع محتواه المعرفي ذاتيًا وبطريقة آلية دون الحاجة إلى تغذية خارجية من البيئة المحيطة، فنظرية التعليم والتعلُّم والخطأ والممارسة ليس بإمكانها تفسير ظاهرة اللكنة الأجنبية على أيّ حال، ولا يمكن النظر إلى العقل بمعيارين متوازيين أبدًا، فإما هو يصنع أفكاره وتصوراته ذاتيًا، وإما يكتسبها بالتعليم والتعلم من البيئة، وقد أثبتت متلازمة اللكنة الأجنبية فشل نظرية التعليم والممارسة؛ وبالتالي فلا يبقى إلا الجانب الآخر وهو مصدر القوة العقلية، فالعقل قادر على صناعة أفكاره وتصوراته ذاتيًا في كل الأوقات، وليس فقط عند إصابته بمتلازمة اللكنة الأجنبية.

وإن كان الجدل لا يزال ثائرًا بشأن ما إذا كان الناس يولدون بمواهب فطرية، أم يقومون بتنمية مهاراتهم من خلال التدريب والممارسة. فنحن نمارس نشاطًا ذهنيًا نحن مجبولون عليه بالفطرة، لكن العقل له طرق مختلفة يُخرج بها مواهبه، فقد تولد الموهبة في عقولنا سلسة تلقائية وكأنها منحة من الله، وقد تولد في عقولنا ولادة متعسرة، وهذا لا ينفي كونها منحة أيضًا. كل ما في الأمر أن أفكارنا تتخلق في عقولنا بصورٍ مختلفة، وفي كافة الأحوال فإن نظرية التعلُّم بالتمرين والخطأ والممارسة واكتساب المعرفة الإنسانية بوجه عام، تبقى مجرد سراب ولا تعني أبدًا أن العقل البشري قابل للتغذية خارجيًا على أية حال، لكنه يعمل على تخليق أفكاره ومعلوماته وخبراته بصيغٍ وصور مختلفة، فمنها ما يخرج عفويًا بصيغة الإلهام، حيث تنهمر علينا الأفكار والتصوُّرات في لحظات بريق ذهني قبل أن ندرك كيف تشكلت تلك الأفكار في عقولنا، ومنها ما يتشكل بروية وتحت وعينا، وكأننا نبذل جهدًا موجهًا فيه، فيوحي إلينا بطعم الإرادة والقصدية والسعي في الفكر والسلوك، ومنها ما يأتي بصيغة الاكتساب من البيئة الخارجية المحيطة بنا مقنّعًا ظاهريًا بصيغة الاكتساب والتعلُّم والممارسة، وفي تلك الصيغة الأخيرة، حيث المظهر العام يشير إلى أن المخ يمكن تغذيته خارجيًا بالمعلومات والمعارف، لكن الحقيقة تجافي ظاهرها تمامًا؛ لأنه حتى ظاهرة التمرين والممارسة حينما نمارسها فلا تخلو أفكارنا وتصرفاتنا من العفوية والتلقائية أو الموهبة، فهل أن ذلك يعني أننا قد اكتسبنا خبرة كاملة بالممارسة؟ دون أن يخالطها رزاز من الموهبة؟ أشك في ذلك كثيرًا.

لأنه لا تخلو لحظة في حياتنا من قدرٍ مهما كان ضئيلًا من العفوية والموهبة. فهل أن الموهبة خُلقت بداخلنا مُشرذمة ومُفتتة حلقاتها وفي الوقت ذاته تخرج شراذمها في اللحظة المناسبة وتنسجم مع مقتضيات الموقف الآني بكل دقة لدرجة أن وصفناها بالموهبة؟ هذا ما أشك فيه بقوة؛ لأنه في حقيقة الأمر لا يملك الإنسان ميزة التنسيق الدقيق بين منتجات عقله الواعية وغير الواعية، إذ هو لم يتعرف بعد على الأفكار والتصرفات التي تخلّقت دون وعيه، فكيف يملك قدرة التنسيق بينها وبين ما يدرك؟ وغير ممكن أن نتصوّر واقعيًا أن حبلًا مسلسلًا من الأفكار طيلة اليوم والليل، جاء بعض حلقاته باختيار الإنسان وبعضها الآخر مفروضًا عليه بقوة لا إرادية، ومع ذلك تكون كل حلقة في هذا الحبل تعرف مكانها وتوقيتها وكيفية التنسيق والانسجام والتناغم مع ما قبلها وما بعدها من الأفكار والمشاعر! دون أن يحدث اختلاف أو تصارع زمني بين ما هو عفوي وما هو إرادي؟ إن هذا الترتيب والتنسيق الدقيق زمنيًا ونوعيًا وكيفيًا وكميًا بين ما هو إرادي وما هو عفوي تلقائي، لا يعني إلا أن الحبل كله خُلق بذات المواصفات القياسية، وإن اتخذت بعض حلقاته لونًا ظاهريًا مختلفًا مهمته أن يوحي إلينًا أن بعض حلقات الحبل صُنعت يدويًا وتحت أعيننا وبعضها صُنع آليًا دون وعينا.. وفي ظل افتقاد الإنسان القدرة على التنسيق بين ما هو آليّ وما هو يدوي الصُنع من بنات أفكاره، تبقى الحقيقة المطلقة التي يعجز الإنسان عن إدراكها، وما زال يرفض الإقرار بها، وهي أن أفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا جميعها آلية الصنع.. أي أن العقل غير قابلٍ للتغذية خارجيًا، ولكنه يُخرج منتجاته في صورة مُعطيات مكتسبة من البيئة الخارجية، وهذا يُضاف إلى سجل الصور الذائفة للظواهر العقلية، وهذا ما جعل العالم الكبير جولجي يقول: إنك لن تستطيع أن تُعلّم شخصًا ما أي شيء، فقط بإمكانك أن تساعده على يرى هذا الشيء بداخله. You can’t teach a man anything, you can only help him to find it inside himself.

فالعقل يعمل على تخليق المعلومات والأفكار بصورٍ شتى، سواء كانت في صورة خاطرة تلقائية، أو في صورة أستاذ يلقيها عليه، أو في صورة خبرة ذاتية يكتسبها، لكنه على أيَّة حال، لا يجيد إلا ما يجد له شغفًا داخليًا في نفسه، وهذا الشغف هو ما ينسجه المسار الموجي المتقلّب للعقل. وتعتبر ظاهرة التعلُّم التي يتميز بها النوع البشري من أوضح الصور المزيَّفة للعقل كما ظاهرة الوعي وحرية الإرادة؛ إذ إنها توحي بأن العقل يتم تغذيته خارجيًا من خلال التواصل مع العالم المحيط به وقدرته على امتصاص المعرفة واكتساب الخبرة، هذه القدرة ذاتها تخضع لمزاج العقل وشغفه بمجالات الحياة، وحتى في منتصف الصورة الظاهرة لامتصاص العقل معرفته واكتساب خبرته من العالم الخارجي، نجد لحظات لا تخلو من العفوية والتلقائية النابعة من داخله. فالعقل هو الذي يصنع داخليًا تلك المعلومات والخبرات في صورٍ شتى؛ وهذا يعني أن الحمض النووي لكل إنسان مُسجل عليه شفرات بكل ما سيكتسبه وما سيتعلّمه وما سيكتشفه من حقائق علمية وما يخترعه في حياته من تقنيات وأفكار، ولكل أجلٍ كتاب.

وهذا يشير بجلاء أن العقل يمارس عملياته العقلية بصورٍ ظاهرة لا تنمُّ بأية حالٍ عن حقيقة وجوهر تلك العمليات. فما يبدو لنا مكتسبًا قد يكون نابعًا من داخلنا بصورته المراوغة، وما يبدو لنا بحرًا من المياة في صحراء ملتهبة الحرارة قد يكون في حقيقته سرابٌ بعيد، وما يبدو اختياريًا وإراديًا بالنسبة لنا قد يكون مفروضًا علينا بقناعه الإرادي؛ لأن العمليات العقلية لا تظهر بصورتها الحقيقة، ولكن بصورٍ مُزيَّفة.

وهذا ما أيدته نظرية التكوين الفسيولوجي بالوراثة الجينية، لكننا لا زلنا في أمسّ الحاجة إلى التحقق؛ مما يثبت انتفاء الأثر البيئي على حياة الكائن، وأن العقل هو الذي يولّد ذلك الأثر الظاهري دون اعتبار للبيئة من حوله. ولن يتأتى لنا ذلك سوى من خلال البحث في الإرادة البشرية، والتحقق مما إذا كانت تتشكل وفق الظروف المحيطة بنا بصورة آنية وفورية، أم أن إرادتنا تتشكَّل وفق النظام الفيزيائي للعقل بغض النظر عن مقتضيات الموقف والظروف البيئية، أم أن إرادتنا الحرة ووعينا هو مجرد غطاء ظاهري لأفكارنا ومشاعرنا التي تخلَّقت على مسارٍ متموِّجٍ للعقل؟

يُتبع..

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًا وبدنيًا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد