إذا كنّا نتساءل كل يومٍ، كيف بدأ الخَلقْ؟ وهو القائل جل وعلا: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ….(20/العنكبوت). فبداية الخلق جاءت من مكونات الطبيعة بفيزيائها الحتمية، والتي أهمها الذرات والعناصر، مثل الهيدروجين والأوكسجين والكربون والنيتروجين، والضوء (الطاقة)، كما أوضحنا في الجزء الأوّل والثاني من هذا المقال.. فمن هذه العناصر والمركبات، تكوَّن الأرشيف الوراثي من الجينات الوراثية (الأحماض النووية)، وعلى ضوئها تكوّنت الأحماض الريبوزية، وعلى ضوئها تكونت عُضيّات الخلايا وأغشيتها وجدرانها الخارجية شبه الصلبة، وتكونت من الخلايا أنسجة ومنها تكونت الأعضاء والأجهزة المختلفة لجسم الكائن. ولقد خلق الله كافة الكائنات الحية بالتوازي، وفي تزامنٍ، وتعاصرٍ مع بداية خلق الكون، عندما حدث التَّفَتُّتْ والانشطار الأوّلي (الانفجار الكبير)، وبالطريقة ذاتها تَشَكَّل النظام الحيوي منتجًا أنواعًا مختلفة مع اتحادها في الخصائص الرئيسة، إذ يقول جل وعلا: «سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون» (36/يس).

وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن أصل النظام الحيوي على سطح هذا الكوكب يعود إلى كيان بيولوجي واحد نتج عن اندماج عناصر الطبيعة في تكوينات بيوفيزيائية، تَعقّدت وتَضخَّمت وتنوعت عملياتها الداخلية والبينية؛ مما أدى إلى تحوُّلها إلى الصورة البيولوجية، وأدى التضخم إلى انقسامها بتطور مراحلها إلى ميلاد نسخٍ أقل حجمًا، لتعيد ذات العمليات مُطْلِقة ملايين الأنواع من الكائنات الحية بالتوازي، والتي جاء الكائن البشري على قمتها. كما تنقسم الخلية الجنينية في الكائن الحيّ منتجة العديد من الخلايا المتماثلة، ثم تبدأ عملية تمايز مجموعات الخلايا إلى الأنسجة المتخصصة على اختلافها برغم وحدة أصلها، فينشأ نسيج الكبد مستقلًا عن نسيج العظام وعن النخاع الشوكي وعن النسيج العضلي والبريتوني ليأتي النسيج الدماغي من أفضلها وأكثرها تعقيدًا، بالرغم من أنها جميعًا جاءت نتيجة تضخُّم وانقسام خلية أصلية واحدة (البويضة المُخَصَّبة أو الزيجوت)، بعد أن مرت بمراحل الانقسام الأوّلي والتمايز الخلوي.

فعلى ما يبدو أن الله جل وعلا عندما خلق الإنسان لم يخلقه منفردًا بصفاته البيولوجية أو بصورة مستقلة عن باقي أنواع النظام الحيوي، وإنما جاء خلقه لكافة الكائنات الحية مشتركًا في مرحلة من مراحل الخلق الأولى، ما يفسر اشتراك الصفات البيولوجية بين تلك الكائنات، وهذا ما قد يفسر لنا كم التشابه بين تلك الكائنات، رغم تنوُّعها واختلافها من حيث التنظيم الفسيولوجي. وذات النظرية في الخلق نجدها متمثلة في النظام الفلكي، حين انفَتَقَتْ الأرض والكواكب بأقمارها عن فضائي ضخم ضخم مُشكِّلة المجموعة الشمسية، ومجموعات شمسية أُخرى، ففي الأصل كان كيانًا فلكيًا غير متمايز في أولى مراحل الخلق، ثم بدأت مرحلة الانشطار وانفتقت وانبثقت عنه عُضيّات فلكية، أخذ كل منها مسارًا متمايزًا في دورة حياته، وبالرغم اختلافها من حيث السرعة وفلك دورانها الحيوي والمسافات البينية والتكوين الفيزيائي لكلٍ منها، إلا أنها تتشابه مع بعضها نظرًا لارتباطها بالكيان الأصل واتحادها في نظرية الانبثاق عنه وخضوعها للفيزياء الكلاسيكية والنسبية في الآن ذاته.

وكذلك الوضع مع النظام الذري الذي شكَّلت النواة محوره، وانبثقت عنها العديد من النظائر، تدرَّجت من حيث قوتها ومحتواها من الجسيمات وما يحيطها من سحائب إلكترونية، ليأتي الهيدروجين من أبسطها وأخفها وزنًا، وتأتي العناصر الثقيلة في قمتها وأثقلها وزنًا مثل اليورانيوم والتيتانيوم وغيرهما.

فلِكل نظام مادة أولية بدأ منها الخلق، ونظرية انشطار انطلق منها التعدد، وإن اختلفت مادة الخلق الأولية في النظام الفلكي عن النظام الذري عن النظام البيولوجي، وإن شكّل النظام الذري أساسًا لها جميعها، إلا أنها جميعًا تكاد تخضع لنظرية خلق. تتلخص في الانشطار أو الانقسام أو التفتت والتمايز بعد التضخم، ثم تضخم وانقسام وتمايز؛ ما يؤدي إلى ميلاد نظائر متعددة، يجمعها رابط واحد، هو التسلسل التدريجي في الصفات والخصائص.

وبعيدًا عن المنحدر الذي انزلق فيه دارون، وما ذهب إليه بنظرية التطوُّر من وحدة أصل الأنواع، وتطورها وراثيًا بالطفرات الجينية مُخلِّفة ملايين النتائج التي كان من بينها الإنسان بالانتخاب الطبيعي وصرع البقاء، وإن كانت تلك النظرية مرفوضة من النواحي الفلسفية والخُلقية وضعيفة الإسناد علميًا، إلّا أن لها أساس تقف عليه هو علاقات الترابط الفعلية في تسلسل تدريجي للصفات بين الأنواع تؤول ظاهريًا إلى فكرة التطور التدريجي. والحقيقة أنها فقط تسلسل تدريجي.

لكنّ هذه القرائن، وإن كانت قائمةً بالفعل، فيجب علينا إعادة قراءتها مرة أُخرى، لمعرفة ما تشير إليه. فهل تدل حقيقة على حدوث ظاهرة التطوّر التدريجي؟ أم أن ظاهرة التدرج في الصفات التي رصدها دارون لها تفسير آخر؟ فقد تكون مجرد تسلسل تدريجي في الصفات. وربما كانت نظرية التطور التدريجي بالطفرة، تمثل فقط أحد الاحتمالات المطروحة أمام ظاهرة التشابه والتسلسل التدريجي في الصفات بين الأنواع الحية، فهي قرينة عُرضة لمحاولات الإثبات، لكنها بالطبع ليست التفسير الحتمي المطروح أمام الظاهرة؛ لأنها مجرد قرينة بسيطة تقبل إثبات عكسها، والقرينة بوجه عام ليست تفسيرًا منطقيًا، وإنما مؤشرًا يرجِح أحد احتمالات متعددة. فالبشر عادة ما يميلون لربط الصور المتقاربة بفكرة تفسّر هذا الترابط؛ لأن ذلك يكون مريحًا للعقل.

غير أن دارون لم يتعرّض للشق الثاني من نظريته التي بناها على فكرة التطوّر بالطفرات الاحتمالية والانتخاب وصراع البقاء؛ لأن الطفرة الاحتمالية قد تأتي بنتائج مُزهرة وقد تأتي بنتائج مُظلمة، والنتيجتان تقعان على ذات المسافة الاحتمالية؛ لا يبرر ذلك فرضية الصراع والبقاء للأقوى، بمعنى أنه إذا افترض الأنواع السُفلى إلى العليا، أي تطور القرود إلى بشرٍ نتيجة الصدفة الاحتمالية، فكان ينبغي عليه تصوّر الوضع إذا تطوّر الإنسان عكسيًا إلى قرد مع استمرار قدرته على الصراع والبقاء، لأن الطفرة لا اتجاه لها، فهي تغيُّرٌ وراثيّ مُفاجئ قد يكون حركة للأمام وقد يكون حركة إلى الخلف.

ولم ينتبه مؤيدو التطوّر إلى أن قدرة الكائن على التكيُّف الذاتي مع البيئة كفيلة باجتيازه صراع البقاء دون الحاجة إلى طفرات وراثية؛ لأن الأرشيف الرواثي للكائن لا يعمل بالكامل طول الوقت وإنما يظل معظمه خامل وينشط وقت الحاجة إليه في التكيّف مع الطبيعة، وهو ما يطلق عليه الدارسون علم فوق الوراثة

أقرأ أيضًا : علم فوق الوراثة .. هل ينسف نظرية التطوُّر؟

«فما تزال المهمة الرئيسة للبيولوجيا التطورية التي تكمن في معرفة سبب التنوُّع الهائل بين الكائنات الحية، ومعرفة الروابط والصلات الخفية بين الأنواع والتي تنمّ عن تقاربٍ تواجَدَ حتمًا في العصور القديمة بين أنواع أحيائية تبدو الآن في قمة الاختلاف والتباين. فالأمر أشبه بملاحقة قصة تاريخية ليس لدينا إلا الفصل الأخير منها، ونحاولُ بكل جهدنا الاستقصائي معرفة الفصول الأولى المبكّرة من خلال معرفة أنساب الكائنات الحية الموجودة الآن».

اقرأ أيضًا: نظرية التطوُّر.. هل نحن مجبرون على الاختيار بين العلم والدين؟

وعلى ما يبدو أن ما قيل بشأن التطوّر التدريجي أو بالطفرة أو ما افتُرض حدوثه من انفجار أحيائي في العصر الكمبري بالتوازي مع نظرية الانفجار الكوني الكبير، ما هو إلا اقتراحات فرضية ومحاولات لتفسير هذا التنوُّع الرهيب في الأنواع الأحيائية مع التقارب الشديد في الصفات الورثية والخصائص فيما بينها، إلا أن فرضية الانفجار الأحيائي لم تأت بجديدٍ يخالف نظرية التطوُّر، سوى افتراض حدوث حالة من الثورة التطورية بين مرحلتين أحيائيتين لمجموعة من الكائنات البدائية تضاعف عددها بعد تلك الثورة التطوّرية، لكن الواقع يخالف ذلك كثيرًا؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه نظرية الانفجار الكمبري هو فكرة التطوّر ذاتها أي تحوّل مفاجئ في المادة الوراثية مع استمرار هذا التطوّر الوراثي ولو بنسبٍ بسيطة.

اقرأ أيضًا: لغز العصر الكمبري

لكن الواقع يؤول إلى أن بداية الخلق جاءات متزامنة نتيجة تضخم خلية كونية جنينية ثم انشطارها إلى مجموعات من الخلايا الجذعية المتخصصة دون حدوث أي تغيّر وراثي، وأحد هذه المجموعات الخلوية الجذعية الكونية المتمايزة شكّل فيما أنسجة مختلفة فسيولوجيًا عن الخلية الكونية الأصلية قبل انقسامها خلال المرحلة الجنينية للكون، فجاء من بينها أنسجة مرنة مثل البحار وأنسجة صلبة مثل الجبال وأنسجة رخوة نباتية وحيوية بذات الكيفية التي تتشكل بها الأنسجة في المرحلة الجنينية للكائن الحي.

إن السبب وراء نشأة نظرية التطور في الأنواع الحية، ليس راجعًا إلى طبيعة التسلسل التدريجي بين هذه الأنواع، وإنما يعود إلى رؤيتنا الفكرية للظاهرة؛ فكل ظاهرة طبيعية يمكن رؤيتها من أكثر من زاوية، فتظهر بتفاصيل مختلفة في كل زاوية مثل حجر النرد تُقلِّبه على الأوجه الستة فيعطيك ستة قراءات مختلفة مع أنه هو ذات الحجر لم يتغير، وظاهرة التسلسل التدريجي قائمة في كل مظاهر الطبيعة، وعرفتها الفيزياء الذرية قبل أن يعرفها علم الأحياء، ورصدها عالم الفيزياء الروسي مندليف، وحددها بدقة بالغة في الجدول الدوري للعناصر الذرية، كما رصدها دارون في كتابه: أصل الأنواع (species)، لكن مندليف قد اتبع منهجًا علميًا مكَّنه من التنبؤ بدقة بالغة بالخصائص الفيزيائية لبعض العناصر الذرية في الطبيعة، والتي كانت غائبة في عصره، ولم تُكتشف بعد، ووضعها طبقًا للتسلسل التدريجي في خصائص العناصر، وحدد أماكنها في الجدول الدوري، وحدد ألوانها وأعدادها وأوزانها الذرية بدقة بالغة. وعلى العكس ذهب دارون في دارسته للأنواع الحية مذهبًا علميًا انحرف قبل نهايته في اتجاه فلسفي خرج به عن مساره فجاء بنتيجة مغايرة.

فحينما يقول الله جل وعلا: إنّا خلقنا الإنسان في أحسن صورة. فلا يجب علينا القول بأن الله خلق الإنسان قردًا، وأن القرد تطور بالصدفة والطفرة الاحتمالية. أي أن خلق الله للإنسان لم يكن مُدرجًا ضمن الخطة الكونية! وهذا ينافي كل الرسالات السماوية، وينافي قوانين الطبيعة ذاتها.

فطبقًا للجدول الدوري الذي وضعه مندليف للعناصر الذرية، سنجد ظاهرة التسلسل التدريجي بين العناصر والفلزات، بداية من ذرة الهيدروجين التي تحتل المركز الأوَّل في الجدول مُسجلة بروتونًا واحدًا وإلكترونًا واحدًا يدور منفردًا حول النواة، كما وحيدات الخلايا في النظام البيولوجي، ثم تتدرج العناصر في الزيادة من حيث العدد والوزن الذري وتطوُّر الخصائص الفيزيائية على هذا الأساس، بداية من الهيدروجين والهيليوم والعناصر الخفيفة وصولًا إلى العناصر الثقيلة والمُشِعّة، دون أن يعني ذلك أن الهيدروجين تتطور عبر الزمن مُسجّلًا أرقامًا قياسية من الطفرات العشوائية حتى وصل إلى التيتانيوم واليورانيوم المشِعّ، فجميع العناصر لها ذات الأساس القاعدي وهو نواة تدور حولها مجموعة من الإلكترونات. وبرغم ذلك يبقى كل عنصر محتفظ بخصوصيته الفيزيائية، حتى وإن حدثت حالات من التزاوج بين العناصر (الفلزات مع العناصر الخاملة في الجدول الدوري) أو الاشتراك في تجمعات ذرية (الجليكوز مثلًا)، أو حالات من التهجين بين العناصر التي تؤدي إلى اكتساب عنصر ما الخصائص الفيزيائية لعنصرٍ آخر، أو إذا أمكن في عصرنا الحالي تحويل بعض العناصر إلى أخرى، كعملية انشطار ذرات اليورانيوم في الأفران النووية مُطلقة ذرات الهيدروجين، أو دمج ذرات الهيدروجين لتكوين الهيليوم، فهذه العمليات التحويلية تحتاج إلى ظروف خاصة وكميات هائلة من الطاقة لا توجد إلا في جوف الشمس، وغير متاحة على سطح الكوكب في ظروفه العادية، ولم تكن متاحة إلا عند بداية الخلق وانفتاق الأرض عن الشمس. ومن ثمَّ لا يمكن اعتبارها أساسًا تطوريًا لكافة عناصر الجدول الدوري اعتمادًا على الطفرة الاحتمالية والصراع بين العناصر والذرات على خلفية البقاء للأقوى.

وإذا سلّمنا بأن النظام الحيوي قد بدأ بالكائنات وحيدات الخلايا وتطوَّر تدريجيًا عبر ملايين السنين مؤديًا إلى ظهور كائنات أكثر تعقيدًا ورُقيًّا مثل الإنسان، فهذا يدفعنا حتمًا إلى اعتبار العناصر الأولية في الجدول الدوري مثل الهيدروجين والهيليوم قد تطورت بمرور الزمن حتى وصلت إلى العناصر الثقيلة مثل اليورانيوم بالطفرات الانفجارية أو الاندماجية.

وهذا الفرض بالطبع يحتم انتهاء المادة الأولية لكلا النظامين الحيوي والفيزيائي (الهيدروجين باعتبار نواته أساس النظام الذري، ووحيدات الخلايا باعتبار حمضها النووي أساس النظام الحيوي) إلى أحد احتمالين، إما أن تتلاشى على خط سير التطوُّر باعتبارها ليست الأقوى طالما كان البقاء للأقوى، وطالما كانت عُرضة للتطور بمرور العصور، وإما أن تتطور إلى الصورة النهائية، طالما كان التطوُّر ديدنُها، ولن تبقى على حالها، وهذا ما ينقضه الواقع العلمي. لأن كل كائن بطبيعته يمر بمراحل من التغيرات، لكنها لا ترقى إلى درجة انتقاله من نوعٍ إلى آخر، فيظل محتفظًا بخصائصه الأساسية، وتبقى تغيُّراته في حدود التكيّف مع البيئة فقط بما يجعل بعض جيناته تنشط أحيانًا وبعضها يخمُد أحيانًا لتفادي ظروف بيئية قد تعوق حياة الكائن.

فلا يعني الارتباط والتشابه الجيني بين الأنواع تطور كل نوعٍ عن الآخر، واستنساخه منه، بقدر ما يعني إنتاج الأصل لعدة بدائل مستقلة ومنفصلة بالتوازي مع بداية الخلق. فهذا التشابه والتسلسل التدريجي بين العناصر الفيزيائية والكائنات الحية لا يعني حتمًا خضوعها لنظرية التطوُّر التي طرحها دارون، قدر ما يعني وحدة النظام الطبيعي الذي مثّل المصدر الأصلي لنشأة تلك العناصر واختلافها وتنوعها وتدرجها على التوازي وليس على التوالي.

بل إن الأمر يتضح أكثر إذا تأمّلنا مراحل نمو الكائن الحي ذاته. إذ نجد كافة أنسجة الجسم قد نشأت نتيجة انقسام الخلية الجذعية للجنين (الزيجوت)، لتعطي بدائل لا حصر لها من الخلايا والأنسجة المتمايزة والمتخصصة بنظام دقيق، قد يكون أقلها رقيًا هي تلك الخلايا الصلبة مثل الأظافر والشعر، وقد يكون أكثرها تطورًا، تلك الخلايا العصبية المكوِّنة للدماغ. فكافة هذه الأنسجة تطورت على التوالي أولًا عن الخلية الجذعية (خلال مرحلة الانقسام الأوَّلي للبويضة). ثم بدأت مرحلة التطوُّر النوعي على التوازي (خلال مرحلة التمايز) وتميُّز الأحماض الريبوزية مؤديًا إلى تخصُّص الخلايا، ثم تضخُّمها وانشطارها مؤدية لنشأة نسيج كامل من نفس نوع كل خلية تميّزت، فتعددت وتخصصت الأنسجة دون أن يكون أحدها أصلًا للآخر أو مرحلة تطورية له، فجميعها تفرعت عن الأصل بنظام دقيق (وليس بالطفرات) فتنوَّعت وتعددت وتخصصت فسيولوجيًا بالتوازي واختلفت برغم وحدة الأصل الوراثي لها كما يختلف الإخوة لأب واحد.

ولأن عملية التمايز بين الأنسجة لا تتم بصورة مُطلَقة، وإنما يتخللها قدر ضئيل من عدم الكمال في التمايز، ولذلك نجد بقايا أنسجة لم تتميز كلية ولم تتطوّر إلى مرحلة النضج العضوي، وبقيت ضامرة خاملة، فمثلًا، نجد في جسد الذكر نسيجًا أوَّليًا للرحم لم يتطور بعد أو توقف نموه عند تمايز الجنين جنسيًا بمرور ثلاثة أشهرٍ من الحَمْل، ونجد أيضًا خلايا جذعية للثديين وحلمات الرضاعة، لكنها خاملة ولم تنمُ بعد. ونجد في الأُنثى بعض أعضاء الذكورة في وضع خامل أيضًا، مثل نمو الشوارب لدى الأنثى، ورخامة الصوت، فهذه الصفات تنشأ عن النشاط الهرموني بقدر نشاط الجينات الوراثية المنتجة له، ولا يعني ذلك أن أحد الجنسين كان أصلًا للآخر، أو مرحلة تطورية له. كما لا يعني وجود صفات مشتركة بين القرَدة والإنسان أن أحد النوعين كان أصلًا للآخر بقدر ما يعني أنهما شقيقان في مرحلة التخليق والتمايز أو يعودان لمادة وراثية أصلها واحد.

فلو تصوَّرنا أن النظام الحيوي على سطح الكوكب عبارة عن كائن واحد (مثل الزيجوت)، وكل نوع من الأنواع الحية يمثل نسيجًا في جسد هذا الكائن الحيوي، سيكون لدينا تنوع تدريجي في الأنسجة، وتمايز من حيث التكوين الفسيولوجي، فمن هذه الأنواع ما يمثل نسيج القلب، ومنها ما يمثل نسيج الدم، ومنها ما يمثل نسيج العظام، ومنها ما يمثل نسيج المخ، وهو بطبيعة الحال أكثر هذه الأنسجة رقيًا وتطوُّرًا لأن وظيفته هي العقل، ولهذا يباشر دور الإدارة والسيطرة على باقي الأنسجة التي تنحصر وظائفها، إما في ضخ الدم، أو في تخزين الغذاء، أو هضمه وغير ذلك من الوظائف البسيطة مقارنة بإدارة العقل. برغم أن هذا النسيج الدماغي نشأ وتمايز عن ذات البويضة المادة الوراثية التي تميزت عنها كافة الأنسجة الأقل منه رقيًا وتطوُّرًا.

هذا التصوُّر يساعدنا على فهم نظرية التخليق الأوّلي المشترك للنظام الحيوي على سطح الكوكب، ثم مرحلة التمايز بين الأنواع المشتقة عن هذا الأصل، والتي جاء الكائن البشري أكثرها رقيًا في مقام العقل المسيطر على باقي أنسجة النظام الحيوي. ولو تصوَّرنا مثلًا النظام الذري، سنجد هناك قسمات مشتركة للبنية الذرية في كافة العناصر، وهي النواة ومجموعة من الجسيمات التي تدور حولها، هذه البنية التحتية تمثل الأساس في كافة العناصر الطبيعية، برغم اختلافها وتنوعها، ويمكن القول إن كافة هذه العناصر تم اشتقاقها عن الذرة بتكوينها الأوَّلي البسيط، لكن ليس ممكنًا القول بأن الهيدروجين تطور إلى يورانيوم بانتظامٍ على درجات السلم؛ لأن ذلك يعني حتمًا أن يتطور كل جزئ هيدروجين خلال سلسة من المراحل حتى يصل إلى اليورانيوم، ثم ينشطر اليورانيم مكونًا ذرات لعناصر أخف وزنًا تعيد نموّها مرة أخرى لتصل مرحلة الشيخوخة وهكذا.

لكن هذا الفرض بالطبع غير عملي، لأن ذلك يعني أن كل عنصر في الجدول الدوري هو محض مرحلة تطورية في حياة الكائن الذري، بما مفاده: عدم بقاء عنصر على حاله وإنما انتقاله إلى ما يليه في الجدول بانتظام. وبرغم أن ذلك لا يحدث عملًا إلا أن فرضية التطور في النظام الحيوي لا تقوم على جدولٍ دوريٍّ مُسلسلٍ، وإنما تضع الطفرة أساسًا لها!

فالنظام الحيوي كاملًا قد مرّ بمرحلة التكوين والتخليق الأولي، والتي نتج عنها مادة جينية غير متمايزة، ثم بدأت مرحلة التطوّر على التوازي (مرحلة التمايز) والتي نتج عنها بدائل عديدة من أنواع الكائنات الحية المتمايزة فسيولوجيًا، بعد أن كانت في الأصل مادة أوَّلية واحدة، تفرعت عنها كافة أنواع النظام الحيوي، فصارت تلك الأنواع متشابهة ومشتركة في بعض الصفات الوراثية، وتعتمد كفاءة عملية التمايز هنا على درجة النشاط الهرموني الذي ميّز الأنواع عن بعضها، وهذا ما يفسر ظهور بعض الأنسجة الضامرة في جسد الكائن الحي، ففي جسد الكائن البشري مثلًا، سنجد الزائدة الدودية والعصعص والجيوب الأنفية واللوزتين والعضلة النابضة للشعر والعضلة المحركة للأذن وضرس العقل والعضلات الباسطة والثانية الهلالية بملتحمة العين والعضلة تحت الترقوية، هذه الأعضاء الخاملة في الكائن البشري نجدها نشطة وفعّالة في كائناتٍ أخرى غير بشرية. وغيرها من الأنسجة الضامرة أو عديمة الفائدة لدى كثير من الأنواع الحية؛ إذ لا يزال هناك قدر ضئيل من النشاط الهرموني مشترك بين العديد من الأنواع الحية بنسب متفاوتة، أو أن ذلك يعود إلى عدم اكتمال عملية التمايز بنسبة 100%،وهذا ما يؤكّد اشتراك ذات المادة الوراثية في جميع الكائنات الحية عند بداية الخلق وقبل مرحلة التمايز.

هذا الوضع يقودنا إلى إعادة النظر في نظرية الخلق، والقول بأن أصل النظام الحيوي واحد (أصل النظام البيولوجي) وانبثقت عنه كافة الأنواع الحيوية بالتوازي مُشكِّلة عدة ملايين من البدائل والنظائر أو الكتل الوراثية D N A (خلال مرحلة التخليق الأوَّلي قبل التمايز)، ولكن معدلات نشاط هذه التجمعات الجينية قد اختلفت وتنوعت خلال مرحلة التمايز، مما أدى إلى نشوء بدائل لا حصر لها من الكائنات، جعل الله الكائن البشري من أفضلها صورة ورسمًا وأداءً بيولوجيًا. وهذا ما يفسر اشتراك العديد من الصفات الوراثية والخصائص الحيوية بين الإنسان وكائنات أخرى أقل رقيًا، أو بين الكائنات وبعضها؛ فالأصل واحد، لكن الاختلاف جاء بالتدرُّج الأفقي على التوازي مُطلِقًا نظائر عديدة، وليس تطورًا رأسيًا على التوالي مُخلفًا سلسلة من الخطوات أو المراحل التطورية. أي قد تنطبق عليها بعض صفات الأخوة وليس الأبوة.

ولذلك يقول تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُممٌ أمثالكم. (38 / الأنعام). فهكذا لمَّح القرآن في إشارة سريعة إلى اشتراك الكائن البشري والكائنات الأخرى في كثير من الصفات البيولوجية. وقال أيضًا: «سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون» (36 /يس). . وهذا يؤكد أن كل الأنواع خلقت متعاصرة، وهذه إشارة أخرى إلى وحدة نظرية الخلق بين الإنسان وكافة الأنواع التي تمارس حياتها بطريقة ثنائية (Couplings) .

وكذلك النظام الفلكي كما النظام الذري يتدرج في الصفات؛ حيث تبدأ المجموعة الشمسية بكوكب عطارد وهو أقل الكواكب وأقربها من الشمس، يليه تدرجيًا كوكب المريخ، ثم الأرض، ثم كوكب الزُّهرة، وهكذا تدريجيًا، ولا يعني ذالك أن أحد هذه الكواكب تطور عن جرمٍ آخر بقدر ما يعني أنها جميعًا تطورت عن الشمس عند بداية الخلق في عملية تمايز أفقي على التوازي، وليس رأسي على التوالي.

وبهذه الصورة، تكون ظاهرة الحياة قد عادت مع نظرية الخلق إلى أصلها، وهو الجنين الكونيّ الأوّل، والذي نشأ عن انشطار المادة الأولية لهذا الكون، مخلفًا أنظمة عديدة، كان من بينها النظام الذري، والنظام الفلكي، والنظام البيولوجي. وهذه الأنظمة بالرغم من انفصالها الظاهري، إلا أنها تتكئ على بعضها مُشكلة أنسجة حيوية مختلفة لكائنٍ ضخمٍ هو الكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!