على ما يبدو أن موقع «ساسة بوست» ما زال يصرّ بقوةٍ على تغذية الربيع العربي بمزيدٍ من ورود الياسمين كل يوم، يشُق طريقه أبيًا شامخًا يتخطى كل الحُجُب دون كلل، لا يلقي بحجرٍ على كل كلبٍ ينبح، يسعى فقط لتغذية وتوحيد قوة العقل العربي. فقد فاجأني بعنوانه البليغ المُعبّرٍ بصدقٍ عن نظرية التمايُز الكونيّ، بديلًا عن نظرية التطوُّر، ولم يكن يخطر لي على بال.

وكما شرحناها في الأجزاء السابقة من هذا المقال على التوالي، فلو تصوَّرنا أن النظام الحيوي على سطح الكوكب بدأ عبارة عن بذرة لجنينٍ كونيّ (مثل الزيجوت)، وبدأت عمليات الانقسام المتتالية قبل أن تبدأ عملية تمايُز الأنسجة الكونية؛ أي أن الخلية الأم يزداد حجمها؛ فتنقسم إلى خليتين متماثلتين، ثم هاتين الخليتين تنقسمان بدورهما إلى أربع، ثم الأربع خلايا تنقسم إلى ثمان ثُم 16 ثم 32، وهكذا، وبعد مرحلة الانقسام الأوُّليّ هذه تبدأ مرحلة التمايُز الكوني، وهي تخصص مجموعات من الخلايا واستقلالها بصفات وخصائص وظيفية مُعيّنة، بحيث تتخصص مجموعة من الخلايا في تكوين نسيج عصبي ذكي ومجموعة أخرى في تكوين نسيجٍ عظاميّ صلب ومجموعة أخرى تتخصص في تكوين نسيجٍ جلديّ خشِن ومجموعة أخرى تتخصص في تكوين نسيجٍ دمويّ سائل وغيرها تتخصص في تكوين نسيج الأظفار والشعر.

مع أن كل هذه المجموعات كانت قبل مرحلة التمايُز خلية واحدة ذات حمضٍ نوويٍّ واحد وغطاء خلويٍّ واحد وسائل بلازميّ تسبح فيه جميع عُضيات الخلية بحرية، ثم بعد انتهاء مرحلة الانقسام الأوّليّ وبداية عملية التمايُز، تخصصت كل مجموعة خلايا في تكوين نسيج مختلف فسيولوجيًا عن سواه، فخرج منها نسيج الكبد والكُلا والعظام والدم والأظفار والشعر وأكثر هذه الأنسجة رُقيًّا وتعقيدًا هو نسيج الدماغ العصبيّ.

هذا بالضبط ما حدث عند بداية خلق الكون؛ إذ بدأ الكون كله خلية كونية ضخمة، ثم تتابعت عمليات انقسامها حتى تضخمت الكتلة الجنينية للكون، ثم بدأت مرحلة التمايُز الكوني؛ حيث تخصصت مجموعات خلوية في تكوين أنسجة كونية مختلفة ومستقلة برغم ترابطها وظيفيًا، فجاء نتيجة هذا التمايُز والتخصص في الأنسجة نسيج صلب مثل الجبال والأحجار والمعادن، ونسيج سائل مثل البحار والأنهار ونسيج طري مثل النبات ونسيج أرقى مثل مملكة الحيوان، ثم كل نسيج منها انقسم انقسامات عدة وخاض مرحلة تمايُز مستقلة، ولذلك نتج عن النسيج الطري عدة أنسجة مختلفة هي أنواع النباتات والأشجار، ونتج عن النسيج المرن عدة أنواع من الأنسجة الحيوانية، هذه الأنسجة الحيوانية تباشر وظائف فسيولوجية متقاربة؛ لأنها في الأصل نسيج واحد، حتى وإن تنوّعت صفاته، فخلايا نسيج الكبد ليست متماثلة وخلايا، نسيج الكُلى ليست متماثلة، وإنما تصنّف جميعها تحت مجموعات نوعية، وهكذا النسيج الحيواني المرن تمايز وتخصص إلى مجموعات نوعية خلال مرحة التمايُز جاء من أكثرها رقيًا الكائن البشري.

وكل نوع من الأنواع الحية يمثل نسيجًا في جسد هذا الكائن الكونيّ الضخم وله خواص فسيولوجية تختلف عن غيره من الأنسجة، لكنها تتكامل مع باقي الأنسجة كي تستمر حياة الكائن الكوني بالشكل المرسوم له قدريًا، ولذلك نجد لدينا تنوّع تدريجي في الأنسجة، وتمايز من حيث التكوين الفسيولوجي، فمن هذه الأنواع ما يمثل نسيج القلب، ومنها ما يمثل نسيج الدم، ومنها ما يمثل نسيج العظام، ومنها ما يمثل نسيج المخ، وهو بطبيعة الحال أكثر هذه الأنسجة رقيًا وتطوُّرًا لأن وظيفته هي العقل، ولهذا يباشر دور الإدارة والسيطرة على باقي الأنسجة التي تنحصر وظائفها، إما في ضخ الدم، أو في توفير الغذاء، أو هضمه ونقله للأنسجة الأخرى، وغير ذلك من الوظائف البسيطة مقارنة بإدارة العقل. برغم أن هذا النسيج الدماغي نشأ وتمايز عن ذات البويضة المادة الوراثية التي تميزت عنها كافة الأنسجة الأقل منه رقيًا وتطوُّرًا.

فالواقع يؤول إلى أن بداية الخلق جاءت متزامنة نتيجة تضخم خلية كونية جنينية ثم انشطارها إلى مجموعات من الخلايا الجذعية المتخصصة دون حدوث أي تغيّر وراثي، وأحد هذه المجموعات الخلوية الجذعية الكونية المتمايزة شكّل فيما أنسجة مختلفة فسيولوجيًا عن الخلية الكونية الأصلية قبل انقسامها خلال المرحلة الجنينية للكون، فنتج بعد عملية التمايُز أنسجة سائلة، مثل البحار، وأنسجة صلبة، مثل الجبال، وأنسجة طرية ومرنة، نباتية وحيوية بذات الكيفية التي تتشكل بها الأنسجة في المرحلة الجنينية للكائن الحي.

وبهذه الصورة، تكون ظاهرة الحياة قد عادت مع نظرية الخلق إلى أصلها، وهو الجنين الكونيّ الأوّل، والذي نشأ عن انشطار المادة الأولية لهذا الكون، مُخلّفًا أنسجة عديدة، كان من بينها النظام الذري، والنظام الفلكي، والنظام البيولوجي. وهذه الأنظمة برغم انفصالها الظاهري، إلا أنها تتكئ على بعضها مُشكلة أنسجة حيوية مختلفة لكائنٍ ضخمٍ هو الكون. بعضها مرن والآخر من صلابة العظام لتكوِّن جميعها كائن كوني، هو الآخر تنبض فيه الحياة. ومع اختلاف التكوين الفسيولوجي لكل نسيج بما يلائم وظيفته ودوره، إلا أنها تتحد جميعها في جسد كائن كوني تختلف نظريته الفسيولوجية العامة، عن النظرية الفسيولوجية الداخلية الخاصة بكل نسيج على حدة.

ففي جسد الكائن يختلف التكوين الفسيولوجي لخلايا نسيج الكبد عن خلايا نسيج العظام عن خلايا النسيج الدماغي، وبرغم ذلك تتحد جميعها لتكوِّن كائنًا واحدًا لا يمكن استمرار حياته عند فقد أحد تلك الأنسجة. وهذا ما يُفسّر تكامل النظام الحيوي على سطح الكوكب، إذ إن هناك كائنات مُتطفلة وكائنات مُعيلة، ولو افترضنا انقراض نوع ما من الحشرات بالطبع سيحدث خلل بيولوجي في التوازن البيئي على سطح الكوكب.

فإذا كان الإنسان قد خُلق بداية من نسيج الأرض، أو نبُت منها ودبّت فيه الحياة بأمر من الله، وصار منفصلًا ظاهريًا عن وحدات بنائه المادية، وبمجرد وفاته يتحلل ويعود إلى عناصره الأولية الستة عشر في التربة. فدورة حياة الكائن البشري هذه لا تشكِّل سوى إحدى العمليات الحيوية التي يمارسها الكوكب لتستمر حياته، وهذه العملية الحيوية لا تنتهي بمجرد موت الكائن وانتهائه، بل تستمر متحوِّرة في صورٍ مختلفة طورًا بعد الآخر، مثل عملية الإحلال والتحلل الطبيعي لمحتويات التربة أو التحجر الحفري لمحتوياتها من النبات أو الحيوان أو التحلل البترولي أو التغيرات الجيولوجية المستمرة وتَشكُّل الصخور الرسوبية والجبال الرسوبية والبركانية عبر الزمن.

وموت إنسانٍ أو نفوق حيوانٍ على سطح الكوكب لا يعني أكثر من موت خلية متجددة في نسيج الدم أو الجلد لهذا الكوكب. هذه عمليات حيوية تتم على مستوى الكوكب مُشكِّلة خلايا متعددة في أنسجة متنوِّعة ومترابطة، سواء كانت تلك الأنسجة مرنة أو صلبة، ثابتة أو متحركة، متجددة باستمرارٍ أو غير متجددة، وإن بدت منفصلة ظاهريًا عن باقي أنسجة الكون. فهذا الكوكب بما فيه ومن فيه مجرد خلية حية في نسيج في غصن في سديم من شجرة كونية هائلة. وهذا التصوّر ليس جديدًا، فقد وُجد في الأساطير والميثولوجيا القديمة. إذ كان الهنود والإغريق قديمًا يؤمنون بأن الأرض كائنٌ حيّ يبذل جهده لمساعدة الكائنات التي نبتت منه، وإخراج ما تحتاجه من ماء وغذاء ومصادر للطاقة! وطرحه علماء وكتّاب خيال علمي على مدى عقود، وعلى ما يبدو أن العلم قد استهلّ طريقه في البحث عن شواهد حقيقية لإثبات صحة هذا الاعتقاد.

وهناك تجربة قام بها علماء فرنسيون أثبتت أن للصخور حياة من نوع غريب؛ فالذبذبات الكهربائية فيها تتفاوت خلال أوقات اليوم. . فهي ساكنة في الليل وهادئة في الصباح ونشيطة قرب الظهر وهو ما يمنحنا فهمًا جديدًا لقوله تعالى «تُسبَّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم (44/ الإسراء). وفي الحقيقة هناك آيات كثيرة يخاطب بها الله الأرض ككائن حي أو على الأقل مخلوق يشعر ويحس مثل قوله تعالى متحدثًا عن ذاته وعن السماء والأرض: «ثم استوى إلى السماء وهي دُخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين.( 11/فُصَّلت)، وقوله تعالى«وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حَبًا (33/يس).

ولو تأملنا حال الأرض جيدًا لاكتشفنا أنها تتصرف ككائن حي (يملك صفات الحياة التي يدرسها علم الأحياء)، وتملك ميزة التجدد والتأقلم وتقبل إنبات الزرع وتحليل وهضم البقايا الحية وبلع المياه بما يشبه عملية الهضم والامتصاص التي يقوم بها الجهاز الهضمي لدى الكائن. ولها القدرة على الاحتفاظ بالمياه والموارد والثروات الطبيعية، التي توفرها مخزونًا غذائيًا ومصدرًا للطاقة يشبه الكبد في جسد الكائن الحي، بل تقوم بعمليات القيء البركاني والطفح البترولي والمائي لتفريغ جوفها من حين لآخر بما يشبه عمليات الإخراج والتعرّق والرشح والطفح الجلدي التي يمارسها الكائن الحي لإخراج ما تراكم من كرات الدم البيضاء الميتة بعد مهاجمتها لمكروبٍ ما. ولديها القدرة على الحركة والدوران والاهتزاز حول نفسها وحول الشمس بسرعة تفوق سرعة الكائن الحي. ولديها القدرة على حماية نفسها من الأشعة الكونية الخطيرة، من خلال طبقة الأوزون التي تحيط كل محتويات الكوكب وتعمل كغشاء واقٍ ضد العدائيات الخارجية.

وحتى غلافها الجوي يحمي الأرض من الأشعة الخطرة والصخور والنيازك الشاردة عن مساراتها، حيث تنعكس الأشعة الخطرة في الفضاء وتحترق الصخور الفضائية بفعل احتكاكها بجزيئات الهواء قبل وصولها سطح الكوكب، هذه الحماية الذاتية التي يوفرها الكوكب لذاته أقرب الشبه بنظام الحماية الذي يعتمده كل كائن حي، مثل الجلد أو القشور والأصداف والهياكل الكلسية التي تغطي أجساد الكثير من الكائنات، أو حتى الجدار الخلوي المحيط بكل خلية حية. وحيث يتكوَّن الغلاف الجوي للأرض من عدة طبقات تعادل طبقات الجلد في الكائن الحي، بالإضافة إلى حركة المد والجزر البحري وحركة الأمواج المائية والتيارات البحرية، وقدرتها على تدوير المياه بين البحار والأنهار والجداول وخزاناتها الجوفية وينابيعها السطحية، وبين السحب والأمطار لتغذية مناطق من جسدها، بما يشبه الجهاز الدوري في الكائن الحي. وحركة الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض باختلاف درجات الحرارة، بما يشبه عملية التنفس لدى الكائن الحي بتغيير الهواء لإعادة توازن العناصر المكوِّنة له.

وإذا اعتبرنا الكائن الحي يتميز عن سواه من أنسجة الطبيعة، فهو في الحقيقة يشبه التكوين الفسيولوجي لكوكب الأرض؛ إذ يحتوي جسد الكائن الحي على أنسجة صلبة وراسية في أماكنها مثل العظام، وأنسجة أُخرى سائلة ومتحركة، مثل الدم، وأنسجة مرنة وثابتة مثل الكبد… إلخ. كما يحتوي جسد الكوكب على أنسجة صلبة وثابتة مثل الجبال، وأنسجة سائلة متحركة، مثل الأنهار، وأنسجة مرنة وثابتة مثل النبات، وأنسجة مرنة ومتحركة مثل الحيوان. وكل منها يقوم بدورٍ وظيفي محدد لتكتمل منظومة حياته، وإن اختلفت عن باقي الحيوات طبقًا لاختلاف كل كائن ودور كل نسيجٍ فيه.

فهذه العمليات، هي في مجملها عمليات حيوية يمارسها الكوكب ذاتيًا، بل إنه قادر على انتقاء مصادر الغذاء والطاقة الضوئية التي توفرها له الشمس مستبعدًا الأشعة الخطرة منها. وحتى حين تمر الأرض بظروف سلبية تعالج نفسها من آثار التلوث والكوارث البيئية وتصدر قبل حدوث البراكين والزلازل ذبذبات كهرومغناطيسية تشعر بها كائناتها الحية، فتهرب من مواقع الخطر! مثلما يبعث العضو المريض بإنذارات الألم إلى الدماغ في الكائن الحي ليتخذ رد الفعل المناسب في سبيل الوقاية من الخطر. هذا النظام الحيوي لكوكب الأرض بما فيه من ثروات وكائنات تتطفل وتتغذي على محتوياته، أقرب الشبه إلى كائن حي يعيش على سطحه وفي أمعائه ملايين من الفطريات والبكتريا والفيروسات وحتى الديدان الطفيلية التي تعيش متطفلة في أحشائه، كما يعيش هو متطفلًا على الكائن الأكبر، وهو الكوكب الأرضي.

وبالنظر إلى الكيان الكوني ككلٍ، نجد الفضاء متسعًا متشعبة خلاياه ومتنوعة أنسجته ووظائفه. ما بين مجرات ونجوم وكواكب وأجرام مختلفة، وكلُ يجري في فلك إلى أجل مُسمى. وما النظام الحيوي على سطح هذا الكوكب سوى أحد تلك الأنسجة الكونية المرنة، وكل نسيج منها له تكوينه الفسيولوجي الذي يتلاءم مع وظيفته في الحياة. وليس دخيلًا عليها أو مميزًا عنها، حتى وإن بدت مظاهره كذلك، لكن النظرية الفسيولوجية لهذا الكائن الكوني لم تتشكّل بعد في صورة ذات معنى.

إن الكيان البشري لا يتشكَّل بمقتضى تبعيته للطبيعة كأحد الأنسجة المكوِّنة لها، أو محاذاته لها أو بمجرد اندماجه في نظامها الفسيولوجي. بل هو نسيج فيزيائي يتحد مع كافة الكيانات الفيزيائية الأخرى، لتكوِّن جميعها حركة الكون ودورة حياته باعتباره كائن فيزيائي ضخم. وليس معنى أن الإنسان كائنٌ بشريٌ عاقل، أنه كائن غير فيزيائي أو منفصل عن النظام الفيزيائي للطبيعة أو أن لديه القدرة على التحرر منها ومغالبة قوانينها وطباعها، بل تُسيره ذات المنظومة الطبيعية التي تُسيِّر النظام الفلكي والنظام الذري والنظام الحيوي. ومن نافلة القول، أن يكون هو أعظم تلك الأنظمة الطبيعية؛ لأن الله تعالى يقول: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون. (57 /غافر).

فالفيزياء البشرية تنبثق من فيزياء الطبيعة، لكنها لا تزال محجوبة بظلالها وصورها المُزيّفة وقوانينها المفقودة.

والكائن البشري ليس تشكيلًا فلسفيًا من الظروف الاجتماعية المحيطة به، كما ذهب أنصار النظرية الإنثروبولوجية، سواء كانت ظروف اجتماعية أو طبيعية أو عوامل مناخية أو غيرها، وإنما هو كيان فيزيائي نشأ من الطبيعة وجاء متناغمًا معهًا ومندمجًا فيها. وإن كانت القاعدة العامة للكيان البشري على سطح الأرض تؤسس لها النظرية الفسيولوجية بحسٍ واقعي، من حيث الخصائص الذهنية والعضوية، ومنشأها الأصل هو الوراثة الجينية، حيث تنتقل الصفات البشرية من جيل لآخر محمولة على جينات وراثية مثل اللون والشكل والطول أو القصر، وكذلك الصفات الذهنية، مثل طبيعة الشخصية والميول النفسية فكريًا ووجدانيًا. حيث تتأسس النظرية الفسيولوجية للإنسان على كونه كائنٌ بيوفيزيائي تتناسخ أجياله وتتشكَّل وفقًا للمحتوى الوراثي (D N A)، وأن الجينوم الوراثي هو الذي يتحكم في الكيان البشري بالكامل بما في ذلك المكوّنات العقلية والسمات الشخصية، دون أن يكون للطبيعة والظروف الاجتماعية المحيطة به أثر عليه، فهو يتجاوب مع هذه الظروف وفقًا لاستعداداته النفسية الداخلية، لا وفقًا لطبيعة هذه الظروف.

وفي المقابل، ترى نظرية التشكُّل الحضاري أن الإنسان وليد تشكيلة متناغمة من العوامل البيئية والظروف الاجتماعية المحيطة به، وعلاقاته بالكائنات البشرية الأخرى. وبناء على هذه العوامل تتكوَّن شخصيته وتتشكل طريقته وسلوكه في الحياة وكيفية التعامل والملاءمة معها، لكن الاتجاه الغالب في علم النفس، هو الذي يتبنى اتحاد النظريتين معًا، وهو ما لا نراه واقعيًا بأية حال.

ذلك لأن التمعُّن في طبيعة النفس البشرية وتتبُّع مسار العقل يقودنا حتمًا إلى التفسير البيوفيزيائي الذي يعتمد على النظام دون الفوضى والاحتمال.

لكن السؤال الآن، يتمحور حول الروابط الفسيولوجية الواصلة بين تلك الأنسجة الطبيعية وبعضها، بين الإنسان وأنسجة الطبيعة الأُخرى، بين الإنسان وتعاقب الليل والنهار والفصول الأربعة وتبادل الأبراج الفلكية في كبد السماء، وإن كان من الصعب إثباتها في الوقت الحالي، إلا أنه بإمكاننا الوقوف على مظاهر التزامن والترابط بين تغيرات الطبيعة والتغيرات الفسيولوجية والسيكولوجية في الكائن البشريّ، برغم أن ظاهرة التزامن الحادثة بين تغيرات الإنسان النفسية ومظاهر الطبيعة ليس حتمًا أن تكوِّن الدليل المباشر على تبعية الإنسان للطبيعية، أو ارتباطه بها؛ فقد يكون هناك عامل غائب يُحدِث تلك التغيُّرات بالتزامن بين النظامين، وليس شرطًا أن يكون أحدها سببًا للآخر، أو مؤثرًا فيه أو متأثرًا به. وإن كان البشر قد اعتادوا على البحث عن أنماط ثابتة في الأحداث المتزامنة بجعل إحداها سببًا للآخر، إذا كان ذلك مريحًا للعقل.

لكن ذلك لا ينفي بأية حالٍ أن الكائن البشري هو نظام فيزيائي انبثق عن الطبيعة بأمر الخالق، ولا زال يتناغم متزامنًا مع نغماتها (تعاقب الليل والنهار والصيف والشتاء والأبراج الفلكية على عقارب ساعته البيولوجية) ويفرح ويتألّم موسميًا معها، ويتكامل مع باقي محتوياتها وعملياتها الحيوية، بحيث تتزامن تطوّرات كافة الأنظمة الطبيعية في هذا الكون (الإنسان والحيون والنبات والنظام الفلكي) وتتكئ بعضها على بعض متناغمة على عقارب الساعة البيولوجية الكونية التي يحيا بها كل كائن برغم استقلالها عن إرادته واختياره، بما يعني أن الإنسان ليس تابعًا للطبيعة، وإنما هو نسيج فيزيائي مندمج فيها كخلية حية في نسيج حيوي من أنسجة هذا الكون، وبما يعني أيضًا أن هناك مايسترو يضبط إيقاع الجميع على نغمة واحدة، حتى وإن عزفت كل آلة على وترها الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد