ما زال الحبْل موصولًا بين الإنسان والطبيعة، حتى وإن تماهت ملامحه في زيف الصور الظاهرة. وهذا ما يصوره سيّدًا للطبيعة، وليس ابنًا تابعًا لها. فإذا كان الإنسان قد نبت في بطن الطبيعة وترعرع بقوانينها وفيزيائها الحيوية كما أوضحنا في المقال السابق، باعتباره نسيجًا حيويًا مرنًا يندمج في أنسجة الكون الأخرى، الكائنات والنبات والأرض والجبال والسماء والنجوم، لتُكوِّن جميعها كائنًا كونيًا ضخمًا هو عالمنا الذي نعيش فيه، إلا أن طبيعة التكوين الفسيولوجي لهذا الكائن الكوني بأعضائه وأنسجته المرنة منها والصلبة، لا تزال غائبة عن وعينا إلى اليوم، وما زالت النظرية العامة غير مفهومة وإن بدت ملامحها واضحة.

ولا تزال النظرية العامة بين الإنسان والطبيعة مثار جدلٍ، وليس لدينا علم حتى اليوم يُرسي مبادئه على دراسة الطبيعة الفيزيائية للإنسان سوى ما يتناقله المُنجّمون عن الخرائط الفلكية وحركة الكواكب والنجوم، دون أن يقدموا تفصيلًا دقيقًا ومقنعًا لما يقرؤونه في حركة تلك الأجرام وتغيراتها، وأثر ذلك على الإنسان، أو كيف يؤثر ذلك عليه، أو كيف يتأثر الإنسان بالخريطة الفلكية للأبراج، وماهية الروابط المادية أو الفعلية بين الإنسان والطبيعة. مع أن الله تعالى قد ربط بين حركة تلك الأنظمة الفلكية والزمن وحياة الإنسان على الأرض ورسالته فيها، فالله تعالى يقول في كتابه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)» النبأ. ونتساءل حول هذه الآية التي تمثل لغزًا كبيرًا، فلن يكفي الوقوف عليها بنظرة الواعظ وإنما بنظرة الفيزيائي الذي يلمح ما فيها من إشارة سريعة لمن يعقلون أن هناك ارتباطًا غير قابلٍ للتجزئة ما بين محتويات الطبيعة (الأرض والجبال والكائنات الأزواج وحركة الشمس والقمر والأرض وظاهرة تعاقب الليل والنهار) والإنسان باعتباره نسيجًا حيويًا مندمجًا فيها.

وقال تعالى أيضًا: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ» (187/ البقرة). فماذا ربط الله بين مواعيد الصيام وديناميكية الحركة الطبيعية في هذا الكون؟ هل ترى أن ذلك جاء من باب الصدفة وخرج من باب العبادة؟ فمعنى ذلك أن الله تعالى أباح للمؤمنين الأكل والشرب ليلًا حتى يتبين لهم (أي يتيقن) طلوع الفجر. والمراد من الخيط الأبيض النهار، والخيط الأسود الليل. ليبدأ الصيام مع هذا التوقيت الدقيق، بداية شروق الشمس وظهور ضوئها في الأفق. وهي حكمة أراد الله بها أن يقرن بين حياة البشر على سطح الأرض وحركة الطبيعة حولهم، وكذلك أمر باستمرار الصيام حتى غروب الشمس أي اختفاء ضوئها عند المغيب، فهي إشارة سريعة لا تخلو من حكمة أرادها الله. بل إن الله أمرنا بصلاة الفجر مع أوَّل ضوء للشمس، وحدده موعدًا لبدء الصيام، وأمرنا بصلاة المغرب مع آخر ضوء للشمس وحدده موعدًا لكسر الصيام، وأمرنا بصلاة الظهر مع تعامد الشمس في كبد السماء وعند عبورها خط الزوال بدقة متناهية، فلماذا هذا التوقيت بالذات؟ وهذا التساؤل ليس من مهام رجال الدين والوعاظ وإنما من مهام علماء النفس والفيزياء الأكثر تشويقًا بعد.

هذا بغض النظر عن الانسجام والتزامن الدقيق بين تعاقب فصول السنة مع تبدّل طبيعة العقل الفكرية والوجدانية بصورة موسمية، وتغيُّر أفكاره وسلوكياته وتصرفاته على هذا الأساس في تناغم مع باقي أنسجة النظام الحيوي، النباتات والأشجار، ما هو موسمي منها وما هو حولي أو معمِّر، والكائنات الحية وبخاصة الثدييات منها. وغيرها كثير من الظواهر الحيوية التي تنسجم مع حركة الطبيعة على عقارب ساعة بيولوجية واحدة.

وإن كان النظام الحيوي بالكامل على سطح هذا الكوكب يمارس حياته في تواصل متناغم واندماج مباشر مع الطبيعة، خاصة نظامها الفلكي، دون أن ينفصل عنه. فإذا بدأنا بمملكة النبات، سنجده يتأثر، بل يكون تابعًا للتغيرات المناخية والمنظومة الفلكية من حيث طبيعة نمو الكائنات الدقيقة والنباتات والأشجار الموسمية التي تزدهر خلال فصول معينة من السنة دون أخرى، فالأشجار التي تزدهر في فصول الصيف وتسقط أوراقها في الخريف لتدخل حالة من البيات أو الثبات الشتوي، ثم تعيد الكرة من جديد في عام جديد، والأشجار التي تُزهر في الربيع وتُورق في الصيف، وأخرى تُورق في الربيع وتزهر في الصيف وتسقط في الخريف. فبلا شك أنها تتناغم مع حركة الطبيعة في نموّها بما يشبه حالة موجية منتظمة تصعد خلالها قمة وتهبط قاعًا كل عام بانتظام، وحتى هذه الأشجار في طريقة إثمارها، نجد بعضها يزيد نتاجها من الثمار عامًا ويقل عامًا، وفي طريقة نموها الخضري لا تسير معدلات النموّ في خط مستقيم، وإنما تتذبذب في نموّها أسبوعيًا بشكل موجيّ يكاد يتناوب ما بين حالة من النموّ السريع في المجموع الخضري تعقبها حالة من السكون مقابل التسارع في النمو الجذري، ثم نموّ يتبعه سكون متبادل، وهكذا على فترات زمنية متساوية لا تكاد تتجاوز الأسبوع تزامنًا مع تعاقب النوّات المناخية وموجات البرد والحرارة، إذ يثبت عند الرصد الدقيق لبراعم تلك الأشجار أنها تزدهر أسبوعًا وتسكن آخر، وأن المجموع الخضري لهذه الأشجار يزدهر عامًا ويتكاسل عامًا آخر، وهكذا الإنسان.

وحتى طريقة النموّ ذاتها تختلف ما بين الليل والنهار من حيث تغير عملية الأيْض وتنفس النبات، إذ تتغير تلك الآلية بصورة تبادلية ما بين الليل والنهار، كما حالة النموّ السنوية التي تنقسم بين ازدهار في الصيف وسكون في الشتاء، أو ازدهار في الشتاء وسكون في باقي فصول السنة، ونباتات أُخرى تنظر إلى قرص الشمس في الصباح، وتدور مع حركته مثل دوَّار الشمس، وجميعها لا تنمو بمعزل عن ضوء الشمس المباشر، بل تحني سيقانها في كل اتجاه بحثًا عنه. فهي تعيش في تبعية كاملة للنظام الفلكي، أو على الأقل فيما يخص حركة الأرض حول محورها ودورانها حول الشمس.

وعندما ننتقل إلى مملكة الحيوان، سنجدها أيضًا لا تنفصل عن النظام الطبيعي؛ فهي تتزاوج بشكل موسمي منتظم في كثير من الأنواع بالتوازي مع فصول السنة، وبعضها يلجأ إلى البيات الشتوي في سبيل التكيُّف مع ظروف الطبيعة المناخية. وقد أثبتت التجارب العملية على بعض الطيور الداجنة، والتي لجأ فيها الباحثون إلى الإضاءة والإظلام مرتين خلال اليوم، بما يوحي إلى الطير بأن الليل والنهار قد تعاقبا مرتين متتاليتين خلال الأربع والعشرين ساعة، فتتغير دورته البيولوجية استعدادًا لوضع البيض مرتين خلال يومٍ واحد، بما يؤكد تبعية نظامه البيولوجي كاملًا للنظام الطبيعي. وتسير تقريبًا كل الأحياء في الطبيعة، من الكائنات الحية وحيدة الخلية وحتى الثدييات، بما في ذلك البشر؛ وفق دورة نشاط يومية على إيقاع الساعة البيولوجية. حيث يجري تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية في الثدييات عن طريق مجموعتين من الخلايا العصبية تسمى نوى التأقلم (SCN) تقع في منطقة ما تحت المهاد الأمامي. وقد حدد علماء الوراثة مؤخرًا مجموعة من الجينات التي تنظم نشاط نوى التأقلم، وبالتالي ينتظم إيقاع الساعة البيولوجية بين الثدييات والطبيعة، بما يؤكد حتمية الارتباط غير القابل للتجزئة وهو ما يدعم نظرية الكائن الكوني الضخم، الذي بدأ حياته بنظرية التمايُز الكوني.

وبالنسبة للكائن البشري، فمن المؤكد بداهة أن النظام العقلي للإنسان يعمل بطريقة مُتموِّجة، تتعاقب فيها نوبات الفكر والوجدان مع فصول السنة الأربعة، وخلال الأسابيع والأيام، وحتى خلال اليوم وأثناء الليل والنهار. ولابد أن الأنظمة الفسيولوجية والسيكولوجية للعقل تعمل بصورٍ موازية لأنظمة الطبيعة من حوله؛ فالكائن البشري ابنٌ بكر من أبناء الطبيعة وليس دخيلًا عليها.

وإذا كانت العديد من الثدييات تغير سلوكياتها حسب تقلبات الفصول الأربعة وتغيرات المناخ، فإن هذه التغيرات السيكولوجية تصبح أكثر وضوحًا على الإنسان وإن لم تُعرف إلا حديثًا، حيث وردت الإشارة إليها أوّل مرة عام 1980م في دراسة أجراها «نورمان روزنتان» أخصائي الأمراض النفسية والعصبية بالمعهد الدولي للصحة العقلية بولاية ميرلاند بالولايات المتحدة الأمريكية. ثم تتابعت الدراسات التي تناولت التغيرات الفسيولوجية للإنسان والاضطرابات النفسية وعلاقتها بالطبيعة والتغيرات المناخية.

وتشير الدراسات إلى أن لدرجة الحرارة المرتفعة تأثيرًا على المزاج وطريقة التفكير والقدرة على التعلم والاستيعاب واتزان السلوك، وبالتالي تؤثر على القدرة الإنتاجية والسلوكية. ففي دراسات أندرسون منذ عام 1987 وحتى عام 2002م، ودراسات العالمين بوران وريتشاردسون؛ تبين أن لدرجة الحرارة تأثيرًا على المزاج، ومن ثم على الأفكار والسلوك مؤدية إلى اضطراب المزاج والشعور بعدم الارتياح، وصعوبة التحمل أو الصبر، وقلة التركيز والاستيعاب مما يؤدي إلى زيادة حِدة المزاج والاندفاعية والعصبية الفائضة والتورط الانفعالي (emotional involving)، ومن ثم العنف لأي مثير حتى لو كان بسيطًا.

وخلُصت نتائج دراسات أخرى إلى أن زيادة نسب جرائم الأموال في شهور الشتاء وهي تتميّز بالبرود الانفعالي والهدوء في التفكير، بينما تزداد نسب جرائم الدم والعنف في شهور الصيف (في المجتمع ذاته) وهي بطبيعتها سلوك يقوم على
الحماس الانفعالي أو الثورة الجنسية بفعل النشاط الهرموني. حيث يسود الطابع الفكري في العقل خلال فصلي الشتاء والربيع، وتسود المشاعر الوجدانية والسلوك الانفعالي على العقل خلال فصلي الصيف والخريف، إذ يزدهر النشاط والحماس وتتوهج المشاعر والانفعالات الوجدانية خلال فصل الصيف تزامنًا مع ارتفاع درجات الحرارة واخضرار الشجر وإثماره، ثم تنطفئ تلك الموجة الوجدانية وتنكمش مشاعرنا ورُبما تكتئب خلال فصل الخريف تزامنًا مع تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف. فالإنسان ما هو إلا كائن من هذه الكائنات تنمو وتترعرع أوراقه في الصيف وتذبُل وتتساقط في الخريف.

أي أن هناك علاقة وطيدة بين الفكر والسلوك وطبيعة المناخ، فالإنسان ما هو إلا كائنٌ فيزيائي نشأ من الطبيعة وما زال حبله موصولًا بها وتتناغم سلوكياته وتصرفاته مع حركتها.

والأمر لا يتوقف عند حدود الدراسات الإقليلمة للجرائم أو السلوك البشري بوجه عام، بل هناك الكثير من الدراسات الأخرى عن نوعية السلوك البشري وتغيراته استجابة للتغيرات الموسمية في فصول السنة المختلفة، حتى أصبح هذا النمط من الدراسات شائعًا بين المتخصصين في علم النفس المعرفي والسلوكي. لكن الإنسان لن يرى نفسه كائنًا موسميًا مهما تقلَّبت أهواؤه وتغيرت سلوكياته وتناغمت مع حركة الطبيعة.

وعند النظر في طبيعة العقل البشرى على مدار السنة، باعتبار العقل هو النسيج المُميَّز في الكائن البشري، وعليه تتحدد طبيعة الحياة، سنجده يصعد قممًا ويهبط قيعانًا فكرية ووجدانية مع تموُّج فصول السنة الأربعة؛ نجد نوبة فكرية باردة تتبدى ملامحها مع بداية فصول الشتاء في ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، وتستمر في الزيادة حتى تصل إلى قمتها في نهاية فصل الشتاء في مارس (آذار) من كل عام. ومع بداية فصل الربيع تعاود تلك الحال الفكرية الباردة انكماشها وهبوطها من القمة حتى تصل نهايتها في يونيو (حزيران) من كل عام.

وبالمقابل، تتبدى نوبات وجدانية عاطفية انفعالية مع دخول فصل الصيف، وعند صعودها إلى قمتها في سبتمبر (أيلول) تخلق حالة من النشاط الوجداني خلال فصول الصيف تقابلها حالة انكماش وجداني تتبدى ملامحها في رحلة الانكماش والهبوط خلال فصول الخريف، وغالبًا ما يكون الانكماش الوجداني في الخريف هو الملحوظ بأعراضه المعروفة كمقابل لفورة النشاط الانفعالي في الصيف.

وأما الانكماش الفكري في فصل الربيع، فلا يكون ملحوظًا غالبًا، لأن أعراضه تظهر بصورة فكرية مجردة وباهتة أو باردة، وليست شعورية انفعالية لامعة. فالانكماش الفكري يتمثل في بطء الفهم وكثرة التفكير والتأمل والفضول أو تحدي العقبات والخسائر المادية غالبًا. وعلى العكس من ذلك الانكماش الوجداني الانفعالي يتمثل في الأعراض المشهورة مثل الحزن والاضطرابات الوجدانية والغضب والمواقف المُحرجة والشعور السلبي بالنقص والدونية والشعور بالذنب والتقلّب في المشاعر أو المَلل والكسل والخمول. وهذه الأعراض لا تظهر بوضوح إلا مع تطور حالة الانكماش العاطفي إلى حالة الاكتئاب العاطفي، وهي الحالة القصوى لتوتر المزاج الوجداني خلال عملية الهبوط الحاد من القمة إلى القاع خلال فصول الخريف من كل عام. ومن هنا تتشكل الملامح النفسية للكائن البشري بأطوارٍ تتابَع وتتواتر بتواتر الفصول الأربعة، وكل فصل فيها تميزه عن غيره من الفصول حفنة من المظاهر السيكولوجية والفسيولوجية التي تتبدى على الكائن أيًا كان جنسه أو نوعه.

 وكما أن هناك كائنات بشرية تتغير أطوارها السيكولوجية بتغيُر فصول السنة، فهناك كائنات بشرية أخرى تتشكل حياتها كاملة بصورة أقرب الشبه بملامح فصلٍ معين من هذه الفصول.

فقد نجد شخصًا يعيش حياته كاملة عبارة عن مرحلة اكتئاب مزمِن كما لو كانت حياته كلها فصلًا من فصول الخريف، ونجد شخصًا تتشكل حياته مضطربة متقلبة المزاج بعنف كما يتقلب المناخ في شهر أمشير من كل عام، ونجد شخصًا آخر تسير حياته في منحدر مستمر من الأزمات المادية والانهيارات كما لو كانت فصلًا من فصول الربيع، وآخر تنتعش حياته على خط مستمر كما لو كانت فصلًا من فصول الصيف، فيظل صاعدًا إلى القمة مزدهرًا وجدانيًا خطوة بخطوة، ونجد شخصًا تتشكل ملامح حياته كاملة بلون البرود المادي مثل فصول الشتاء، وآخر تتشكل حياته بلون الانفعال المتأجج دائمًا مثل فصول الصيف، وهكذا.

والأمر لا يتوقف على المنظومة السيكولوجية للكائن، بل إن المنظومة الفسيولوجية للكائن أيضًا، دائمًا ما تسير خيوطها مشدودة على أوتار الطبيعة، تهتز باهتزازها وتسكن بسكونها، وتتناغم بحركتها وتتألم بتوترها. فالنظام البيئي الذي يعيش فيه الكائن، هو جزء من المنظومة الطبيعية، تتداخل جميع عناصره في تشكيل المنظومة الفسيولوجية للكائن، بما يجتاحها من عوارض نفسية وصحية تتمثل في نوبات ألم أو اكتئاب أو ثبات تصيب الكائن، ونوبات قوة وحيوية ونشاط، تبادلها نوبات ضعفٍ وخمولٍ وإرهاق. وكثيرة هي الأمراض التي تتبدى ملامحها بصورة دورية وموسمية تتناغم مع حركة الطبيعة، مثل أمراض الحساسية الموسمية، وحيث تبدأ خيوطها من الجهاز المناعي للكائن، إذ لا تستمر منظومة عمله على خط مستقيم، وإنما بصورة اهتزازية تعلو نغماتها أحيانًا وتضعف أُخرى، ومن هنا يبدأ الألم في التسلل إلى جسد الكائن، سواء تزامن معه عرض مادي أو لم يتزامن.

وجدير بالإشارة أيضًا أن العلاقة بين النظام السيكولوجي للعقل والطبيعة، تشبه العلاقة الأزلية بين العقل والجسد البشري؛ فإذا كانت أفكار الإنسان وسلوكياته وانفعالاته تتغير منسجمة مع تغيرات الطبيعة وتقلبات المناخ، فإن حالة الجسد البشري من الصحة والاعتلال أو الحيوية والنشاط والحماس تتناغم هي الأُخرى مع حركة العقل البشري ومزاجه.

فكل عضو من أعضاء الجسد يتقيّد وظيفيًا وبشكلٍ مباشر بمزاج العقل. والسمة البارزة في كلتا العلاقتين؛ علاقة العقل بالطبيعة وعلاقة الجسد بالعقل، أنه يجمعهما قاسَم مشترك، وهو أن كلًا منهما يعتبر استجابة لنداء الآخر.

وفي حال توتر تلك النوبات العقلية تظهر ملامحها متمايزة مع فصول السنة فيما يُعرف بالاضطرابات الموسمية «Seasonal affective disorder S. A. D»، وهي نوع من التغيرات النفسية والسلوكية التي توازي تتابع الفصول الأربعة مع حركة النوبات الفكرية والشعورية المتبادلة، حيث تظهر بعض ملامح لتغيرات نفسية مثل كآبة الشتاء التي تستمر خلال فصلي الشتاء والربيع، والنوع الآخر الذي يلازم الحال العاطفية وهو ما يعرف بالكآبة الصيفية، والتي تتبدى ملامحها خلال فصل الصيف أو نهاية الربيع لتستمر خلال فصلي الصيف والخريف، مع ملاحظة أن النساء أكثر عرضة لتلك الاضطرابات الموسمية. وإن كانت الحقيقة أن النساء ليست أكثر عرضة لتلك الاضطرابات الموسمية، لكنهن أكثر شفافية ولمعانًا؛ بسبب غلبة الحس الوجداني على نظامهن العقلي.

يُتبع…

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًا وبدنيًا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد