ما زلنا مع الفرضية المتطرّفة التي نود التحقق منها، وهي علاقة الإنسان بالطبيعة ومدى تبعيته للنظام الطبيعي من حوله باعتباره كائنًا فيزيائيًا وجزءً من الناموس الفيزيائي الطبيعي لهذا الكون، هذه العلاقة الأزلية تكشف عنها سلوكيات الكائن الإنساني، وكما تحدثنا في الجزء السابق من هذا المقال حديثنا حول السلوكيات الموسمية للإنسان وتغيراتها بالتزامن مع التغيرات المناخية والحركة الفلكية في هذا الكون. فلو نظرنا في حياة الشعوب على مدار التاريخ، سنلاحظ تكرار الموجات الحضارية عبر مئات السنين، وربما آلاف السنين في موجات تتعاقب عليها أجيال شعب من الشعوب، لتعيش سلسلة من الأجيال في قاع موجة حضارية، يتبعها سلسلة أخرى من أجيال ذات الشعب في قمة الموجة الحضارية التالية بالتبادل، حيث تتعاقب الموجات وتتعاقب الحضارات في شكل موجيّ منتظم، فما كان في القمة يومًا، لابد أن يهبط إلى القاع، وما كان في القاع، لابد أن يصعد إلى القمة، وبذلك تتعاقب الحضارات ما بين قمم وقيعان أو فترات ازدهار تعقبها فترات اضمحلال.

ففي منتصف القرن العشرين قام الأديب المصري الراحل أحمد باشا تيمور بالسياحة في نسيج المجتمع المصري في محاولة لرصد مسار الفكر الأدبي في شرائح المجتمع المصري، وبعيدًا عن التاريخ السياسي، فالأمم لا تكتب تاريخها الحقيقي بالنظر إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يحياها الشعوب في واقع الأمر، بل يقتصر كُتّاب التاريخ على رصد الحركة السياسية ويكتفون بالطواف حول الحكّام باعتبارهم ممثلين عن مجتمعاتهم، لكن تيمور باشا كان له رؤية مختلفة تمامًا؛ فذهب لتحقيقها في القرى والنجوع والضواحي المتناثرة على طول البلاد وعرضها، راصدًا الثقافة الشعبية والحِكَم والأقوال المأثورة والأمثال الشعبية المنتشرة في المجتمعات، فوجد أنها تختلف من شعبٍ إلى آخر ومن مجتمعٍ إلى آخر، ومن فترة زمنية إلى أُخرى، وفي مُجملها تُعبّر عن المزاج النفسي العام لكل المجتمع، تُعبّر عن حالته النفسية وميوله وإرادته ووعيه العام.

فكلما كان الشعب يعيش في تخلفٍ واضمحلال تشكلت ثقافته بما يبرر له واقعه ويجعله في مأمن من انتقاد نفسه، أي القناعة والرضا وقبول الواقع باعتباره النصيب وقِسمة القَدّر، وكلما كان الشعب يعيش حالة من الازدهار تشكلت ثقافته بما يعبّر عن تمرده على الفقر والخضوع.

 ففي مطلع هذا القرن كان الشعب المصري قد تعرض للاحتلال الانجليزي وانتشر الفساد والظلم الاجتماعي وسيطر الإقطاع على عناصر الإنتاج وكافة موارد المجتمع الاقتصادية، وبالتالي فلم يبق أمام السواد الأعظم من أفراد الشعب سوى تبرير الخضوع للظلم والذلّ والاستعباد والاستسلام للقهر لتحقيق الرضا والقناعة ومن ثم ضمان الحد الأدنى من الثقة بالنفس، وذلك يتضح من تحليل الأقوال الشعبية والأمثال الشعبية التي سادت هذه العصور، مثل (المكتوب مكتوب)، وهي نظرة إيمانية تجسد قوله تعالى: ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) 51/ التوبة، برغم كونها غير مُبررة عمليًا للأن يُلقي الإنسان بنفسه في واقعٍ مُزرٍ من الخضوع للذل والفاقة،حتى أننا نجد أن أجيال الآباء كانت تُعلّم أبناءها فلسفة الخضوع للذل والاستعباد بأسلوب مُقنَّع بغطاء فلسفي متمثل في الرضا بالنصيب، ولم يكن بإمكانهم أن يدركوا في حقيقة الأمر أن ما يغرسونه في أجيالهم ما هو إلا بزور الذل والقهر والخضوع للاستعباد.

وقد تمثل ذلك في تقديس الأقوال المأثورة والأمثال الشعبية التي لا تجد لها مكانًا إلا في عقلية  المجتمعات التي جَنَحت إلى الانحدار والاضمحلال والدِعة والكسل والخمول العقلي دون وعي، ومن أمثلة تلك الأقوال نجد: (امشي سنة ولا تخطي قَنا) و(مَن خاف سِلِمْ) وغيرها، مثل (القطار لن ينتظرك) بمعنى؛ إما أن تسير مع القطيع وإما أن تضيع؛ ذلك لأن الإرادة الجمعية والمزاج النفسي العام للمجتمع يتجها إلى الهبوط والانحدار العقلي.

ثم مع تَغيُّر المسار العقلي نحو الصعود تتطوّر الحركة الثقافية والاقتصادية في المجتمع ويبدأ الرقي الاجتماعي موازيًا لها، فتتغيّر نفسية المجتمع ويتخلص شيئًا فشيئًا عن مقدساته الشعبية البالية، ليحل محلها بعباراتٍ مُفعمة بالتحدي والإرادة على العمل والبناء والإنتاج.

ويبدو ذلك واضحًا جدًا في الفارق الشاسع بين المؤثرات التراثية والأمثال الشعبية التي احتفظ بها أجدادنا من بقايا القرن الماضي، وبين الثقافة التي تتبناها فئة الشباب المهووسين بالفكر والثقافة والانترنت وإرادة التحدي حتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير لعام 2011، وهي أوّل ثورة شعبية حضارية في تاريخ العالم تقوم على ثقافة الاعتصام والهتافات دون أن تتلوّث يد الثوّار بقطرة دمٍ واحدة، حيث تغيّرت تدريجيًا ثقافة المجتمع واتجه إلى الانتقال من العبودية والاستسلام إلى المطالبة بحقوقه في حياة كريمة. فالمجتمع ككلٍ يعيش حياة كائن واحد ونسيج مشترك تُخالجه أفكار متقاربة ومترابطة ومتناسقة مع بعضها كأفنان الشجر كما لو كان شخصاُ فردًا تدور حياته بين قممٍ وقيعان متبادلة.

وهذا ما يعني أن المجتمعات تعيش بجميع أفرادها ككائن حيّ واحد يعاني ذات الآلام أو يعيش ذات القدر من الحيوية والنشاط أو الكسل والخمول أو الحيوية والنشاط، ويعني أيضًا أن إرادة الشعب – الكائن الحي الواحد – تسير وفق نظامٍ سيكولوجي تحكُمه قوانين فيزيائية طبيعية وليس نظام الفوضى والاحتمال، وأن الشعوب مهما طالت فترات ازدهارها ونشاطها الحضاري فلا بد لها من فترات سكونٍ وخمولٍ فكري وحيوي، ثم بعدها تعود للاستيقاظ من نومها مرة أخرى، فليس هناك كائنٌ يقضي حياته مستيقظًا في وضح النهار طول الوقت وليس هناك كائنٌ يقضي حياته كلها في سكون الليل وخموله طول الوقت، بل يتعاقب الليل والنهار فتتعاقب نوبات النشاط ونوبات الخمول لكل كائنٍ، وهكذا الشعوب.

فلو تتبعنا الدراسات التي أجريت على التاريخ الاجتماعي للحضارة المصرية القديمة؛ سنلاحظ بوضوح مساره المتموِّج عبر التاريخ البشري، فقد انتقل المصري القديم من حياة الغاب والكهوف وتطوَّر تدريجيًا وارتقى حتى وصل قمة حضارية تربعت على عرش الحضارات المعاصرة لها. كانت العقلية الجمعية للشعب المصري متَّقدة وفي حالة من البريق الذهني ما أنتج إرثًا حضاريًا وثقافيًا عجزت عقول الأجيال اللاحقة عن استيعابه؛ إذ لم تتركز تلك النهضة في العمل والبناء والإنتاج والإبداع فقط في بناء الأهرام والقصور والمعابد والنقوش الجدارية والنظريات الهندسية، وتكوين وإدارة دولة بالمفهوم السياسي الحديث إداريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا، بل شملت حتى الرقي الاجتماعي بمفهومنا الثقافي المعاصر؛ حيث كانت المرأة تتمتع بكافة الحقوق السياسية والمدنية؛ حق الحرية وحق التعليم للإناث جنبًا إلى جنب مع الذكور وحق الإرث وحق التملُّك (ذمة مالية للمرأة ومستقلة عن الأب والزوج والأخ)، وحتى أدوات التجميل والعطور والمرايا ومساحيق العيون لم تنسها تلك الحضارة الخالدة.

في حين، مع متابعة حركة التطور التاريخي لذات الشعب المتحضر، ومع دوران عجلة الزمن تنهار تدريجيًا كل مظاهر التحضُّر والرقي، وتتحوّل إمبراطورية الفراعنة إلى مجرد مستعمرة فارسية ثم مستعمرة رومانية، وتتحوَّل المرأة – باعتبارها المؤشر الأكثر حساسية لرقي المجتمعات – تتحوَّل من إنسان كامل الحقوق إلى مجرد خادمة في بيت سيِّدها؛ الأب أو الأخ ثم الزوج أو الابن الأكبر، وتُنتزع من كافة حقوقها الإنسانية، بل وتنتقل بعد وفاة الزوج إلى عصمة ابن الزوج بالميراث.. وفي جانبٍ آخر، تتحوَّل السلطة الأبوية من دورها الرقابي القائم على النصح والإرشاد والتوجيه المعنوي في عصور الازدهار إلى سلطة نفوذ واستغلال واستعباد، يصير فيها حقًا للآباء قتل أبنائهم دون رقابة من القانون، ولهم حق استغلال الأبناء وبيعهم أو تأجيرهم مددًا زمنية للعمل بالسخرة لدى الأثرياء والإقطاعيين، بل تنتقل السلطة والنفوذ الأبوي إلى الابن الأكبر بعد وفاة الأب (فيما كان يُعرف بامتياز الابن الأكبر)؛ إذ تنتقل إليه ثروة الأب كاملة دون باقي الأخوة الأصغر منه، وينتقل إليه الحق في استغلال إخوته الصغار وبيعهم أو تأجيرهم بالسُخرة.

بل إن شعبًا من الشعوب خلال مراحل ازدهاره ورقيه الحضاري يتبني منظومة قانونية رسمية وعرفية راقية تعبر عن عقله الجمعي، تتمثل في منظومة الحِكم والأمثال الشعبية الشائعة بين أفراد الشعب وتعبّر عن ثقافته الحضارية ومزاجه النفسي العال، في حين أنه خلال مراحل الانهيار الحضاري، تنهار تلك المنظومة من الحكم والقيم والأمثال الشعبية والمبادئ الخُلقية لتعبر عن المزاج النفسي العكر وترسي مفاهيم الظلم والاستعباد ووتبرر الخضوع والاستغلال قرينًا بالرضا والاستسلام، بل وتنقسم المجتمعات إلى فئة تسود وفئة تُساد، وما بينهما تبقى المسافات شاسعة في صراعٍ مريرٍ على الحياة. ثم بمرور الزمن تنعكس الأوضاع، وما كان في القاع يصعد إلى قمة الحضارة، إن سعى إليها.

والأمر لا يتوّقف على الموجات العقلية الطويلة على المستوى الزمني الذي يشمل عصورًا فقط أو حضارات متوالية المد والجزر، بل إن كل شعبٍ من الشعوب وكل مجتمع هو عبارة عن كائن اجتماعي واحد مترابطة أنسجته في انسجام، بما يعني أن المجتمع بأسره قد يعيش حالة من الفرح متماثلة بين كافة أو على الأقل أغلب أفراد هذا المجتمع في مواسم أو مواعيد دورية مثل الأعياد الدينية والمناسبات القومية، فهي موجة يعش فيها كافة أفراد المجتمع ذات الظرف النفسي، وكذلك في حال النائبات والحوادث القومية المؤسفة.

 لكن الأمر ليس متعلقًا فقط بالأحداث والظروف العامة التي يعيشها المجتمع كتلة واحدة مترابطة أو متأثرة ببعضها، بل إننا قد نجد الاضطرابات النفسية ذاتها تشيع وتظهر آماراتها على أفرادٍ عديدين في المجتمع دون أن يكون هناك حدث معين أثّر عليهم ودون أن يكون ثمّة أي ترابط بين أفراد المجتمع؛ ففي منتصف القرن السابع عشر في أواسط أوروبا، انتشر مرضٌ نفسيٌ بشكل كبير بين مُختلف طبقات الشعوب؛ ألا وهو شعور المريض بأنَّه زجاجي، وأي احتكاك أو تعامُل جسدي مع الآخرين سيتسبب في تَكّسّره، وتَفتتّه إلى شظايا. سميت تلك الحالة فيما بعد بـــــ(متلازمة الزجاج)، أو (وهم الزجاج)، وكان أشهر من عانَى من تلك الحالة هو الملك «شارل» السادس ملك فرنسا.

وغيرها كثير من الأحداث المشتركة بين مجموعة من الأشخاص دون أن يكون بينهم أي رابط مادي أو معرفيّ، فأذكر خبرًا نشرته الصحف ذات يومٍ عن مدرسة حدث فيها حالات إغماء جماعي للطلاب الإناث فقط بالمدرسة دون سبب مباشر، وكما هو معروف أن الاضطرابات النفسية لا صلة لها بموضوع العدوى، فهي لا تنتقل بالعدوى، ولا شك أن حالات الإغماء المفاجئ هذه حي حالات هبوط حيوي سببه نفسي، ما يؤكد أن المجتمع كله عبارة عن كائن واحد يعيش حياة واحدة حتى وإن مارست كل خلية فيه نشاطًا منفردًا.

وحتى على مستوى الأفراد، فإن العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص تسير بنمط موجي منتظم ما بين مد وجذر؛ فالموجة هي الأساس الحركي لهذا الكون بكافة محتوياته، سواء تمثلت في حركة الإلكترون الذي يدور حول نواة الذرة في مسار موجي، باعتباره أصغر وحدات بناء الكون، وصولًا إلى الكواكب التي تدور في فلكها السماوي متموِّجة حول الشمس.

ناهيك عما تنسجه الخرائط الفلكية (horoscopes) حول علاقة الإنسان بالأبراج الشمسية وحركة الكواكب حول الشمس وحركة القمر وتعاقب منازله حول الأرض وتفاعلاته الفلكية مع باقي محتويا المجموعة الشمسية. وإلى الآن، فلا أحد بإمكانه التحقق من مدى تبعية الإنسان فسيولوجيًا أو سيكولوجيًا لتلك الهندسة الفلكية أو كيفية اندماجه في الطبيعة كوحدة فيزيائية لا تنفصل عنها. ولا أحد بإمكانه أن ينكر العلاقة الحتمية بينهم؛ ذلك لأن الأساس المعرفي الذي قامت عليه الخريطة الفلكية للإنسان هو محض ملاحظات لظواهر تواترت وتكررت ملايين المرات عبر آلاف السنين، وبالتالي، صار بإمكان العقل البشري رصد أنماط ثابتة ومتكررة وعلاقات وثيقة ومتزامنة يستخلص منها نتيجة ما أو حتى قرائن ربما تفسر تلك الظواهر الغامضة.

وإن كانت الملاحظة هي العامل الأساس الذي تقوم عليه كافة العلوم، إذ تقوم الفيزياء الفلكية إلى اليوم على جمع الملاحظات عن الظواهر المختلفة وتحليلها؛ إذ إن تكرار الظاهرة هو النافذة الوحيدة والأكيدة للتعرف عليها، لكنه إلى الآن لم يتكشّف بعد الأساس الذي تقوم عليه تلك العلاقة بين الإنسان والطبيعة من حوله. فهناك علاقاتٍ وثيقة وقائمة لارتباط أو تأثير المنظومة الفلكية على النظام البشري، بما يتجاوز التأثيرات الضوئية والحرارية للشمس وتقلبات المناخ، ليس من السهل إنكارها أو إثباتها في الآن ذاته، وليس شرطًا أن تقوم تلك العلاقة المنسجمة بين الكيانات الطبيعية على عنصر السببية والتأثير أو التأثُّر بمعاييرنا الكلاسيكية؛ فقد تقف تلك العلاقة عند حدود التزامن نتيجة وقوعها جميعًا تحت تأثير عنصر ثالث لا زال غائب عن إدراكنا البشري.

فمنذ قديم الأزل، لاحظ الإنسان تغيُّر سلوكياته وتصرفاته وأفكاره ومشاعره بصورة دورية موسمية منتظمة، فقد وضع قدماء المصريين خريطة للأبراج وإن اختلفت في نظامها عن الخريطة الفلكية للأبراج في عصرنا الحالي، كونها قد تم تقسيمها زمنيًا وتسميتها وفقًا للآلهة عندهم، فتم تقسيمها على مدار السنة إلى اثني عشر برجًا (فترة زمنية)، يحمل كل منهم اسم إلـــــــه، حيث ذهب اعتقاد الفراعنة إلى أن كل إلـــــه ينزل من السماء ليسكن الأرض خلال فترة معينة من السنة، ويهب كل من يولد في برجه سماته الشخصية وقدراته الذهنية ومهاراته المعرفية وما فوق الطبيعة (لاحظ: البحث يدور حول الطبيعة السيكولوجية للإنسان مباشرة). لكن حساب هذه الأبراج كان معقدًا للغاية ولا علاقة له بالأبراج الفلكية أو حركة الشمس والكواكب. مع أنهم اكتشفوا خريطة الأبراج الفلكية وتوقيتها بدقة بالغة كما يتضح من الجدارية الرائعة والفريدة على سقف معبد دندرة الفرعوني بأسوان، لكنهم لم يربطوا أي علاقة بين الإنسان وتلك الخريطة الفلكية. وكانت خريطة الأبراج البشرية لديهم تقوم في أساسها على رصد القسمات والملامح الشخصية للإنسان وتقلباته النفسية مع تقلبات المناخ الموسمية لا حركة الأبراج الفلكية؛ بما يعني بجلاء أن الفراعنة أدركوا أن للعقل البشري نظام يستقل به عن الفوضى، ولعدم قدرتهم على تحديد ماهية هذا النظام، علّقوا ما عجزوا عن تفسيره بظهور الآلهة على فترات زمنية معينة، فتمنح من يولدون مع ظهورها صفاتهم وقسماتهم النفسية؛ ربما لأنهم برعوا في علم الفلك والهندسة والفن واللاهوت، فلم يقتنعوا بالخلط بين ما هو فلسفي وما هو علمي هندسي أو فلكي.

وعلى الجناح الآخر، حاولت الحضارة الإغريقية رسم معالم الخريطة الفلكية للإنسان بما يتزامن مع حركة بعض الأجرام السماوية التي تمكنوا من رصدها ومتابعة حركتها في الأفق، وقد استمد الإغريق أسسها من الحضارة البابلية وواصلوا البحث فيها حتى وصلت إلى النظام المعروف حاليًا للخريطة الفلكية.

وخلاصة القول، أنه من غير الممكن تجريد الإنسان من علاقته بالطبيعة، أو إنكار العلاقة بين النظام الفلكي والنظام الحيوي أو البيوفيزيائي على سطح هذا الكوكب بما فيه الإنسان حتى ولو كانت مجرد عملية تزامن بين متغيرات كل منهما. لكن يبقى السؤال: كيف تتشكل تلك العلاقة وعلى أي أساسٍ تقوم؟ وهل تتوقف حدودها عند ظاهرة الضوء وتعاقب الليل والنهار أو الصيف والشتاء وتغيرات الضوء والحرارة أو حتى الجاذبية المغناطيسية والموجات الضوئية غير المرئية أو الموجات الثقالية لهذه الأجرام؟ أم أنها تمتد إلى أبعد من ذلك لتربط بين حياة الإنسان وأفكاره وسلوكياته وأقداره وحركة الكواكب والنجوم ومجموعات الأبراج الفلكية باعتبار كل هذه أنسجة الكائن الكونيّ المتشابكة في منظومة عملٍ متكاملة؟

وتلك العلاقة المرتقبة، حتى وإن كانت غير مفهومة عمليًا إلى الآن، فليس من السهل دحضها إن ثبتت نظريًا على الأقل. فإن عالم الفيزياء إسحاق نيوتن عندما وضع قوانين الجاذبية التي تفسر حركة كواكب المجموعة حول الشمس وتفسر قوة جذب الأرض للأشياء، لم يقدم أساسًا عمليًا تقوم عليه الجاذبية، ولم يقدم تفسيرًا علميًا منطقيًا لما أسماه وقتها بالجاذبية. فهو فقط افترض وجود قوة جذب متبادلة بين تلك الأجرام السماوية وبين الأرض وما حولها، دون أن يقدم الأساس العلمي الذي بني عليه فكرة الجاذبية، فكانت الجازبية بالنسبة له مجرد افتراض. ومع ذلك، كانت المنظومة القانونية التي وضعها نيوتن تفسيرًا لحركة الكواكب صائبة وكفيلة بكشف ما تبقى من الكواكب التي لم تُعرف بعد وقتها. أو على أقل تقدير تنبأ بوجود كواكب أخرى غير التي كانت معروفة في عصره بافتراض وجود قوى جاذبة لم يتحقق نت طبيعتها، وأرسى لنا مبادئ الفيزياء الكلاسيكية التي لازالت تناطح السحاب حتى يومنا. غير الإلكترون الذي يدور حول نواة الذرة، لم يكن له وجود مادي في حسابات العلماء، بل كان فقط محض افتراض رياضي إشارة السالب (–) يفسر به العلماء طبيعة خصائص الذرة، وبمرور الوقت تحوّل هذا الافتراض الرياضي إلى حقيقة واقعية بعدما أجريت عليه التجارب المعملية. وهذا ما يعني أن العلماء اكتشفو الإلكترون بالنظر إلى الأثار المترتبة عليه والتي تحتم وجوده قبل أن يتحققوا عمليًا من وجوده الواقعي.

وهذا ما يؤكد أن أن العلاقات الكامنة بين أنسجة الكون حتمًا ستطفو قوانينها الرياضية على السطح يومًا ما، بحيث يمكننا تفسير سيكولوجية العقل البشري كجزء عضوي حيوي في فسيولوجيا الكائن الكونيّ. وهو ما يعني حتمًا عدم قدرة العقل البشري على تخطي عالَم الفيزياء الطبيعية بإرادته الحرة.

فالكائن البشري وما حوله من محتويات الطبيعة كافة، تشكل جميعها نسيجًا كونيًا تتناغم حركته دون أن نعرف أيها المحرك الفعلي للآخر، فالبشر عمومًا يميلون إلى ربط الأشياء المتزامنة باعتبار أحدها سببًا للآخر. لكن يبقى التناغم والتزامن في حركتها جميعًا، كما لو كانت كافة أنسجة الكون المتعددة والمختلفة تعمل متزامنة، مثل جوقة موسيقية تعزف فيها عشرات الآلات سيمفونية كونية شديدة التنسيق والتناغم، دون أن يكون الجيتار سببًا في تحريك الكمان للعزف متزامنًا معه على ذات النغمة، ودون أن يكون العود الشرقي سببًا في تحريك القيثارة للعزف على ذات النغمة، بالرغم مما بينهما من تناسق وتناغم يُشعر السامع والرائي بأن أحدهما سببًا للآخر، لكن الحقيقة تتجلى في عصا المايسترو التي تُحرِّك الجميع للعزف على ذات النوتة.. هكذا الكون بكافة محتوياته وأنسجته الطبيعية.

يُتبع..

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًا وبدنيًا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات