اقترح عالم الرياضيات الفارسي محمد بن موسى الخوارزمي (الصفر) كأصغر قيمةٍ حسابيةٍ واستخدمه لاختراع علم الجبر في القرن التاسع، كما طوَّر الخوارزمي طُرقًا سريعة لضرب الأرقام وتقسيمها، والتي تُعرف بالخوارزميات أو اللوغاريتمات نسبة إليه. وهي عبارة عن مجموعة معادلات رياضية يمكن بها حل الكثير من المسائل الغامضة، ثم بمرور الزمن وتراكم العلوم، أصبح الكمبيوتر الذي بين أيدينا يعمل بنظرية الخوارزمي المعقدة، وبعبور بوابة القرن أصبح (فيسبوك) وغيره من التطبيقات الحديثة يستخدم ذات النظرية ليربط بها شبكة من العلاقات والصلات الاجتماعية حول العالم، دون أي فاقدٍ في الوقت أو الجهد، فهل فكّرت من قبل في خوارزمية (فيسبوك)؟

اقرأ أيضًا: خوارزمية فيس بوك تحاول أن تتشبه بالبشر

وكما تناولنا في الحلقات السابقة، وعرفنا أن هناك علاقات وروابط بين النظام السيكولوجي للعقل البشري وبين الطبيعة بمحتوياتها ونظامها الفلكي، وانتهينا إلى أن العقل لا يمكنه – على الأقل نظريًا – أن يتخطى عالَم الفيزياء بإرادته الحرة؛ لأنه محض نسيجٌ طبيعي يتشابك مع الأنسجة الطبيعية الأخرى في هذا الكائن الكوني العجيب، لكن يثور السؤال الآن حول خوارزميات العقل البشري، فما هي الخوارزميات التي تعمل بها عقولنا؟

ربما كانت معطياتنا حول العقل البشري حتى الآن تنحصر في مجموعة من العوامل تتشكل منها عقولنا مثل الإرادة والحظ والذكاء والذاكرة والفكر والوجدان مع بعض كيمياء المخ والألم، سواء كان سيكولوجيًا أو فسيولوجيًا. هذه حقيقة ولكن ليست كل شيء؛ لأننا لا زلنا نفتقد السبيل إلى تكييف العلاقات والروابط القائمة بين هذه العوامل وآلية عملها مجتمعة، ومدى احتمالية عملها مستقلة عن فيزياء الطبيعة؛ أو بمعنى آخر: مدى استجابة الكائن البشري للمؤثرات البيئية بصفة مستقلة عن مادته الوراثية، أو خضوعه لفيزياء بشرية من نوعٍ خاص؛ فالإنسان لديه إحساسٌ غريزي بالقانون والنظام حتى وإن شعر للحظاتٍ بتحرُره عن أي نظام. فقد يكون أمامنا عدة اختيارات بإمكانها تقرير مصائرنا، أو قرارات تتوقف عليها مصالحنا وربما حياتنا كلها، فهل أننا بالفعل نتحكم بإرادتنا الحرة في تقرير مصائرنا؟ أم أنها تتقرر حسب احتمالات الظروف البيئية المحيطة بنا؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى؟

البعض يقول بأن عقولنا غير الواعية هي ما يحدد مصائرنا وأقدارنا وتقرر متى نمرض ومتى نتعافى من المرض، وهي من يقرر متى تتجلى لحظاتنا الإبداعية، ومتى ننكمش في حالة من الكآبة لسببٍ أو بدون سبب، على اعتبار أننا كائنات تتوارث صفاتها الذهنية جينياً وتتشكّل بناءً عليها، وآخرون يرون أن الإنسان ما هو إلا نتاج التفاعل بين مادته الوراثية والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، فهي التي تشكِّل شخصيته بمؤثراتها.

في حقيقة الأمر، أن العقل البشري كائن متحيّز وغير مُحايد على الإطلاق، ولا يقوم في أغلب الوقت بوضع الأمور في نصابها أو اختيار الأشياء الصحيحة أو اتخاذ القرار بناءً على اعتباراتٍ موضوعية صادقة أو في صالحنا طول الوقت! بل إن هناك عوامل أخرى داخلية تؤثر عليه بطريقة مباشرة تشبه السحر وتجعله مُنجذب تجاه شيءٍ دون الآخر وبلا مبرر معقول، وكأنه مُنخدعٌ أو مغيّب، ثم يكتشف بمرور الوقت وبدون دعمٍ أو إرشادٍ خارجي أنه كان مخطئًا! وقد تطول الفترة أو تقصر، فهي دائرة يعود العقل خلالها ليكشف نفسه ذاتيًا، ويراجع خطواته وقراراته وفيما أصاب وفيما أخطأ، أو لنقل إن العقل يعمل دائماً على إعادة تدوير أفكارنا ومشاعرنا وآلامنا وأفراحنا، وقد ينقلب على نفسه لينتقد أفكاره وتصرفاته ويستهجن مشاعره في وقتٍ لاحق بعدما كان مؤمنًا بها ومتيّما. فلسنا ذوي قدرة للسيطرة على عقولنا وتوجيهها كما نتحكم بعقولنا في حواسيبنا الآلية هذه، وليست عقولنا تتصرف في أمورنا بما تقتضيه الضرورة طول الوقت؛ فلها جَدولها ومسارها الخاص. ولسنا قادرين أو حياديين حتى في تبرير تصرفاتنا طول الوقت، بل إننا فقط أحياناً نكون مقتنعين بما نفعل أي نجده منسجمًا مع هوانا أو نجد أفكارنا متوافقة مع قناعاتنا السابقة ومتوافقة مع واقعنا، وأحيانًا أُخرى نشعر أن تصرفاتنا سبقت وعينا. ومن هنا نلقي بعبء الإثبات على جوانب أُخرى لا ندركها من عقولنا، كانحراف المزاج النفسي أو الحظ، أو بفعل قوى ما وراء الطبيعة من عوالم لا يمكننا إدراكها بأدوات البحث. لكننا لم نتوقع لحظة أن تكون تلك القوى المؤثرة علينا من وراء الطبيعة هي ذاتها عقولنا نحن.

اقرأ أيضًا: تساؤلات لا يزال العلم يجهلها عن العقل البشري

إذ إن التعرّف على وجهة الإرادة الضمنية للإنسان ليس بالأمر الهيّن في ظل تعدد العوامل التي يتشكَّل منها العقل واختلاطها بالمؤثرات الداخلية والخارجية؛ مما يؤدي إلى اغتراب النتائج وعدم وضوح الرؤية، وخاصة إذا ما تركزت دائرة البحث حول مسألة الاضطرابات العقلية والإبداع؛ فقد باتت تثير حساسية لدى الباحثين من فرط البحث فيها دون الوصول إلى نتيجة مُرضية، حتى صار الباحثون مشتتين بين فريق يبحث في آلية العقل البشري في حالته السوية، حول الذكاء والفكر والذاكرة، وفريق يبحث في العوارض الاستثنائية والاضطرابات النفسية التي تصيب العقل فتجعله ينحرف عن مساره الطبيعي، وفريق يبحث في البيولوجيا العصبية، وفريق يبحث في المؤثرات البيئية والطبيعة الفلكية حول الإنسان، وفريق آخر يبحث في الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بالإنسان، أو إذا قلنا فريقٌ يبحث في الطب النفسي وفريقٌ يبحث في علم النفس المعرفي والسلوكي، وما بين هذه وتلك تبدو الرؤية غامضة، لأنها في النهاية هي جميعها أنشطة عقلية يقوم بها عضو واحد هو ذلك العضو القابع في جماجم البشر. حتى أن بعض الباحثين يرفض تسمية الاضطرابات النفسية بالأمراض ويحبذ تسميتها بالآلام النفسية، ربما لأنه على قناعة بأن هذه الآلام لا تمثل خللًا في العقل، وإنما صورة طبيعية من صور التفكير والشعور، ومن هنا بدأ البعض يبحث عن مدى أهمية الاضطرابات النفسية وعلاقتها بالإبداع والعبقرية، الاكتئاب وفائدته على خبراتنا الحياتية. لكن ربما إلى الآن لم يفكر أحد في الاستفادة منها باعتبارها مدخلًا لدراسة العقل البشري في حالته السوية.

اقرأ أيضًا: الجانب المظلم للإبداع.. كيف حوّل فنانون أمراضهم العقلية والنفسية إلى تحف فنية؟

يقول الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس ما زالت الرؤية غير واضحة بالنسبة للأسباب الرئيسية للأمراض العصابية، وما زلنا نفسر الأسباب بنظريات مختلفة، ومدارس متنافرة، لكن البرهان العلمي لأيّ من هذه النظريات لم يثبُت بعد وإن تعددت الأسباب. ويرى أن الأسباب يمكن تلخيصها في نظريتين، الأولى؛ هي النظرية التكوينية التي تعتمد على العوامل الوراثية فسيولوجيًا. والثانية؛ هي النظرية البيئية التي تعتمد على دراسة الظروف الاجتماعية المحيطة بالإنسان، مثل نظرية أريك فروم Eric from التي تقوم أساسًا على أن علم النفس لا معنى له إذا خرج عن الإطار الأنثروبولوجي والفلسفي. وغيره سولفيان الذي تتلخص نظريته في فكرة التشكُّل الحضاري (acculturation) حيث يرى أن بناء الشخصية النهائي هو نتاج التفاعُل مع الكائنات الإنسانية الأخرى. وقد سبق ابن خلدون هؤلاء في إرساء قواعد هذه النظرة الفلسفية للإنسان، حيث يقول في مقدمته: إن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه.

وهناك آراء أُخرى لا تؤيد أيًا من النظريتين بانفراد، وإنما تذهب إلى الدمج بينهما وأن لكلٍ منهما دوره وتأثيره المتبادل بين البيئة والوراثة على الكائن البشري؛ بما يعني أن الإنسان عبارة عن خليط من العوامل الوراثية التي اندمجت وتفاعلت مع المؤثرات البيئية المحيطة به. وهناك اتجاه آخر يرى أن تصرفات الإنسان وأفكاره ومشاعره تأتي من فيزياء الطبيعة الفلكية؛ فهي حقاً فيزياء بعيدة جداً لكنها وثيقة الصلة بالإنسان.

ويتعلق هذا الأمر بنقاش وجدال قديم، يُسمى الطبيعة الوراثية في مواجهة التنشئة أو التربية الاجتماعية، فبعض العلماء، مثل ستيفن بينكر، يقول إننا جميعًا وُلدنا مع تأثيرات جينية وراثية تبسط نفوذها وتأثيرها على طبيعة الناس النفسية.

هذه الفكرة تتعلق بنفي وإنكار العلماء لفرضية « اللائحة البيضاء»، والتي تشير إلى أن العقل لا يوجد لديه صفات فطرية، وأن معظم – إن لم يكن كل – المزايا الفردية لدينا هي صفات مكتسبة اجتماعيًا. فهل تساعد دراسة التوائم المتماثلة على ترجيح أي من الفكرتين، فهم قد انفصلوا مرتين؛ مرة عند الولادة الأولى من البويضة بعد تخصيبها، ومرة عند الولادة الثانية وانخراطهم في مجالٍ اجتماعي مختلف. وهل من الممكن معرفة أين تبدأ آثار الجينات وأين تنتهي، لاسيّما وأنها إما أن تكون عُززت أو قُمعت من قبل الخبرات الاجتماعية المكتسبة، وما نعتقد أنه يحدث من عملية تنشيط أو تثبيط للجينات والصفات الوراثية، وفقًا للظروف البيئية.

اقرأ أيضًا: إلى أيهما سينحاز العلم.. الجبر أم الاختيار؟

وإن كانت النظرية الحديثة في التحليل النفسي تتجه إلى تفاعل مقوِّمات الجينات الوراثية للإنسان مع المؤثرات البيئية المحيطة به، ووقفت عند تحديد النسب التي تتدخَّل بها هذه العوامل في وضع المسار العقلي الذي يسلكه الكائن البشري في التكيُّف مع الطبيعة. ولجأ الباحثون إلى دراسة التوائم المتماثلة للتحقق من تلك النسب، باعتبار أن الأصل الوراثي متطابق بينهما، بحيث يبقى الاختلاف راجعًا إلى الظروف البيئية ومؤثراتها.

لكن حتى في هذه الحال، فإن التطابق الجيني بين التوائم المتماثلة والتي نتجت عن انشطار بويضة واحدة، لم يتحقق فعلاً، بل إن مقدار الاختلاف الجيني بين التوائم المتماثلة عند فحصها مجهريًا هو ما سبب بذات القدر اختلافًا خارجيًا في مظاهر الحياة الاجتماعية وإن ظهر كمؤثر طبيعي للبيئة، إلا أنه في حقيقة الأمر اختلافًا وراثيًا.

وكانت نتيجة هذا الاختلاف والشقاق الجيني بين التوائم أن انفصل كل فرق وأوى منفردًا إلى ركن من الرحم. وهذا الاختلاف الوراثي أدى بدوره إلى اختلاف اجتماعي عند ترجمة المحتوى الوراثي في الحياة، ما جعل كل عقل منهما ينتقي مجاله الاجتماعي مستقلًا عن قرينه. وربما كان الفحص الدقيق للمحتوى الوراثي للتوائم المتماثلة كفيلًا بإبراز تلك الاختلافات في معدلات النشاط الهرموني لكلٍ منها؛ فقد تختلف التوائم المتماثلة في صفاتٍ وراثية ظاهرة، غير أننا نرى أنه إذا لم يكن بينهما اختلاف وتنافر جيني ولو بنسبة ضئيلة، لما انشطرت البويضة من البداية وانفصلت كما تنشطر وتنفسخ الحياة الزوجية عند اختلاف الطبائع، ولأكملت رحلة نموُّها كجنين واحد ملتصق متوحّدٍ، إذ إن الاختلاف الوراثي هو ما سبب انقسام الخلية الواحدة إلى كيانين منفصلين مستقلين كليًا أو جزئيًا، لكن أحدًا لم يفكر في سبب انشطار هذه البويضة مبكرًا. ومن هنا لا يجوز افتراض التطابق الوراثي في التوائم المتماثلة، ومن ثم لا يصلح هذا الافتراض معيارًا للفصل بين المؤثرات البيئية والوراثية على حياة الكائن، أو معيارًا للمفاضلة ما بين نظريتي التشكّل الحضاري الاجتماعي والنشأة النمطية الوراثية؛ إذ إن الأثر البيئي على الكائن هو ذاته حبلٌ موصولٌ من طبيعته الوراثية.

إذ من الملاحظ أن العلماء والباحثين في علم النفس وبخاصة سيجموند فرويد وعالم الاجتماع العربي ابن خلدون قد اعتمدا النظرية الإنثربيولوجية كأساسٍ لبناء الشخصية الإنسانية، واعتبرا أن الإنسان وليد النشأة والعادات والأعراف الاجتماعية المحيطة به، ربما لأنهم لاحظوا تماثل أو تشابه الشخصيات في كل مجتمع، فالمجتمع المدني له عاداته وأعرافه وتقاليده، والمجتمع القروي له عاداته وأعرافه وتقاليده المختلفة، وكل مجتمع على مدار عصور التاريخ وتتابُع الحضارات له أعرافه وتقاليده، ومن ثم عند متابعة الباحث لنشأة الطفل في كل مجتمعٍ على حدة، يتبين له أن كل إنسان هو ابن مجتمعه وهو وحدة منسجمة ومتكافئة ومتلائمة مع الطبيعة والظروف الاجتماعية للمجتمع الذي نشأ فيه، فيرى الباحث أن الإنسان ليس مجرد كتلة وراثية انتقلت من الأب إلى الابن ولكن هناك علاقات أخرى تربطه بالمجتمع ككل، ومن هنا يجد الباحث أن مجرد انتقال الكتلة الوراثية من الأب غير كافٍ وحده لتفسير الشخصية الإنسانية، وهذا ما يدفع الباحث إلى اعتبار الإنسان وليد النشأة الاجتماعية أو نتيجة اندماج الأثر الوراثي مع المؤثر البيئي.

لكننا إذا وضعنا في الاعتبار كون المجتمع بأكمله هو كائن فيزيائي يتشكل في جملته وفق مسار عقلي معين؛ بمعنى أن هناك شعوب ومجتمعات بجملتها تكون في قمة موجة وجدانية شاعرية خلال مرحلة معينة من مراحل التاريخ، وهناك شعوب ومجتمعات أخرى تعيش في قمة موجة فكرية، وغيرها مجتمعات تعيش في مرحلة الهبوط العقلي، بما يعني أن هناك مجتمعات بأكملها تعيش أجمل مراحل العمر المجتمعي ومجتمعات أخرى تعيش حالة من الاكتئاب الجمعي، وبالتالي إذا جاء تشكيل شخصية الطفل بما يتلاءم مع ظروفه الاجتماعية وعادات وتقاليد مجتمعه، فهذا لا يعني أن هذه الطفل قد اقتبس شخصيته من أفراد مجتمعه المحيط به بقدر ما يعني أن الطفل قد ورث ذات المنظومة الوراثية الذهنية التي يحملها كل أفراد المجتمع؛ لأنه بطبيعة الحال كل مجتمعٍ تآلفت ثقافته وعاداته وأعرافه وظروفه المعيشية هو في الحقيقة يحمل مادة وراثية واحدة، حتى وإن كانت هناك اختلافات تفصيلية وحصرية بين أفراد ذلك المجتمع.

وبالتالي عند محاولة تغليِب إحدى النظريتين الفسيولوجية والأنثربيولوجية على بعضهما، فيجب ألا ننسى أن المجتمع بأكمله يحمل ذات المادة الوراثية وليس مجرد ثقافة مشتركة، ويحمل عقلية واحدة وبملامح مميزة وتنتقل هذه الملامح وراثياً بين الأجيال المتتابعة لهذا المجتمع، وبالتالي لا يصح أن نحاول تقييم النظريتين على أساس أن المادة الوراثية التي تشترك بين الآباء والأبناء فقط، دون باقي أفراد المجتمع. فالقواعد الوراثية لا تنحصر فقط بين سلالات الشعوب النوردية والزنجية والقوقازية أو المنغولية فقط، بل إن بداخل كل مجتمع مهما كان صغيرًا هناك قواعد وراثية مشتركة تميزه، فالمادة الوراثية لسكان المدن تختلف حتمًا عن المادة الوراثية لسكان القرى الريفية مثلًا، بل إنه حتى داخل شعبٍ من الشعوب إذا بحثنا في القواعد الوراثية المشتركة سنجد أن كل مدينة وكل قرية تشترك في قواعد وراثية تميزها وتنتقل وراثيًا بين أجيال هذه المجتمعات، إذ إن المادة الوراثية ليست فقط مادة حصرية بين الآباء والأبناء؛ وذلك ببساطة لأن الإنسان كما قلنا هو كيان فيزيائي وأن العقل لا يتم تغذيته خارجيًا بأفكار أو مشاعر، وإنما هو يعمل طول الوقت على تخليق أفكاره ومشاعره وظروفه الخاصة به ذاتيًا، وأن العقل لا يمكن التأثير عليه إلا من خلال تدخل العناصر الطبيعية والمواد الكيميائية التي هي في الأصل من بين عوامل الإنتاج العقلي في الدماغ مثل العقاقير والمخدرات وكافة المواد التي يمكنها التأثير على العقل، فكيمياء المخ هي صانعة الفكر.

وبالتالي فإن أفراد مجتمع من المجتمعات يتعرضون لذات الظروف المادية الموجودة في بيئتهم وهي التي تؤثر على عقولهم وعلى المادة الوراثية التي يحملها أفراد هذا المجتمع، إذ إن المادة الوراثية تتأثر بفعل العوامل الطبيعية مثل الضوء والحرارة والبرودة والغازات والأبخرة السارية في الهواء والمواد الكيميائية والعناصر المختلطة بالماء والغذاء، فالمجتمع الذي يعيش على ألبان الإبل ستختلف عقليته بفعل ما تحتويه هذه الألبان من مواد مؤثرة بشكلٍ مباشر على المخ، وكذا المواد الطبيعية في النباتات التي يتغذي عليها والتي يدخل معظمها في تصنيع العقاقير والأدوية، وكذا معدلات الإشعاع الذري، بل والطبيعة الكيميائية المكوّنة للبيئة بوجهٍ عام، هذه العوامل تتدخل في معدلات نشاط الجينات الوراثية وتعمل على تنشيط جينات دون أخرى وبالتالي تنشيط هرمونات معينة دون أخرى، فهي تعمل بشكلً مباشر على تنشيط جين معين وتثبيط جين آخر كما أثبت ذلك عالم البيولوجيا ماكن ويل ورفاقه من خلال الدراسات التي أجروها على ديدان البلاناريا والتي أشارت نتائجها إلى أن الذكريات يتم تخزينها في خلايا المخ العصبية على هيئة تغيرات جزيئية في بروتينات الخلايا العصبية، وقد أثبت ذلك خلال التجارب التي أجراها على ديدان البلانريا عند تعريضها للضوء تتمدد وعند الصدمة الكهربية تنكمش.

وفي الحقيقة هذه ليست ذكريات تم تخزينها على هيئة تغيرات جزيئية، بقدر ما هي تغيرات وراثية فسيولوجية مكَّنت الكائن من التكيُّف مع تغيرات الطبيعة ومؤثراتها البيئية، هذه التغيرات تمثّلت في عملية تفاضُل بين القواعد الوراثية من حيث نشاطها وفاعليتها في حماية الكائن وتمكينه من التكيُّف مع محيطه البيئي. وأيضًا التجارب التي أُجريت على الأرانب ذات الفراء الأبيض من خلال وضع وتثبيت كتلٍ من الثلج على ظهرها، حيث تحوّل لون فراء الأرانب إلى اللون الأسود وهو الأكثر ملائمة لمقاومة انخفاض درجة الحرارة الناشئ عن وضع الثلج على ظهر الأرانب، وهو ما يعدّ تأهيلًا وتعديلًا وراثيًا ذاتيًا من أجل التكيّف مع الظروف البيئية المؤثرة في حياة الكائن.

هذه الكائنات تغيرت صفاتها الوراثية بما يتلاءم مع عناصر الطبيعة ومؤثراتها المادية الفزيقية، وبالتالي يصبح أفراد مجتمعٍ من المجتمعات مشتركين في مادة وراثية واحدة وبمواصفات موحدة دون أن تنتقل هذه المادة الوراثية من فرد إلى آخر في ذات المجتمع أو من عائلة إلى أخرى ولكن بفعل تعرض أفراد ذات المجتمع لمؤثرات طبيعية موحدة من شأنها التأثير على المادة الوراثية للكائن. وهذا ما يعني أن انتقال المادة الوراثية ليس محصوراً بين الآباء إلى الأبناء وليس هو السبيل الوحيد في التكوين الجيني، بل هناك طريق آخر لانتقال المادة الوراثية وانتشارها بين الأفراد، لكن هذا الطريق لا يعتمد على الانتقال المادي للجينات الوراثية بين عائلات مختلفة ولكن يعتمد على انتقال الصفات الوراثية دون المادة الوراثية ذاتها؛ وذلك يتم من خلال تعرض الأشخاص لعناصر ومؤثرات بيئية طبيعية تساهم في انتشار الصفات الوراثية بين أفراد مجتمع ما أو بين العائلات في هذا المجتمع من خلال توحيد الجينات النشطة في أفراد هذا المجتمع والتي تساعدهم على التلاؤم والتكيّف مع الطبيعة المناخية والفيزيقية للبيئة التي يعيشون فيها، فالمجتمع ليس مكوّنات ثقافية أو فلسفية، ولكنه كيان فيزيائي من الطبيعة ويتعاطى مع معطياتها ويستجيب لمؤثراتها الفيزيائية ويتشكل بما يتلاءم معها. والأمر لا يتوقف على حدود مجتمعٍ من المجتمعات، بل إن أصحاب المهنة الواحدة تتشكل مادتهم الوراثية وفقاً للظروف التي يتعرضون لها أثناء مباشرتهم لهذه المهنة.

وبالتالي قبل أن نبحث إمكانية اكتساب الإنسان لمهارات وسلوكيات اجتماعية من أفراد مجتمعه، فلابد من البحث أولًا عن مدى اشتراك أفراد هذا المجتمع في ذات الصفات الوراثية، طالما كانت الأفكار والسلوكيات والنشاط الذهني بوجه عامٍ ينتقل وراثيًا. أي لا بد أن نضع الحدود النهائية أولًا لكل ما يمكن أن ينتقل وراثيًا بين الأجيال المتعاقبة، ثم نضع الحدود النهائية لما يمكن أن نتعرض له من تأثيرات البيئة الاجتماعية على (العمليات العقلية – الإبداع – الاضطرابات النفسية) على حد السواء ونكتفي بمجرد النظر إلى الجانب السلوكي وحده، وهذا ما يرسخ دعائم النظرية الفسيولوجية ويهدم مبررات النظرية الأنثربيولوجية التي يتمسك بها أصحاب الفكر الفلسفي. فليس مجرد كون الشخص يمارس عادات وسلوكيات مجتمعه أن يكون قد اكتسبها بالتعليم والممارسة والاختلاط، بل إن هذه الصفات الاجتماعية مشتركة وموروثة.

والأمر لا يتوقف على منشأ الاضطرابات العصابية فقط، بل إنه يدور حول النظام العقلي بمجمله وما يعترض مساره من انحناءاتٍ عرضية أو اضطرابات مرضية تخرج بالفكر عن مساره المعتاد، وكذلك حالات الإبداع باعتبارها خروجًا عن الصف النمطي المعتاد وقرينًا بالاضطرابات العقلية؛ فإذا افترضنا صحة نظرية الوراثة الفسيولوجية، فهل بإمكانها تفسير ديناميكية العقل البشري برمته في حالة الاستواء العقلي والإبداع والاضطرابات العقلية أيضًا؟

وإذا رشحنا نظرية التكوين الأنثروبولوجي الفلسفي، فهل ستعجز عن تفسير الاضطرابات العقلية وتفسير حالة الإبداع وآلية عمل العقل في حاله الاعتيادية؟ إن ذلك هو ما نراه حقيقة واقعية تختبئ خلف ظواهر مزيفة؛ ذلك ببساطة لأن تأثيرات البيئة المحيطة بنا مهما تعاظمت فلن تصل إلى درجة بناء عقلٍ كامل إذا كان دورها في الأصل قائم على مجرد افتراض التأثير عليه في سبيل التكيُّف معها، غير أن هذه التأثيرات البيئية المفترضة تأتي متأخرة جدًا بعد اكتمال البناء العقلي؛ لأن الطفل يولد بعقلٍ سليم متكامل وإن كان ينقصه بعض التجارب والخبرة بالحياة، ويبني أفكارًا وينسج مشاعر وسلوكيات جاهزة وكاملة بنمطٍ غريزي قبل أن يدخل أثر البيئة على الطفل، فطالما أن العقل ولد مكتملًا بأفكاره وتصرفاته، فكيف يدخل أثر البيئة عليه؟ هل يدخل أثر البيئة في مجرد التشكيل والتلوين الخارجي لهذه التصرفات والسلوكيات؟

حتى وإن كان الأمر كذلك، فلا يعني ذلك تأثير البيئة على البنية السيكولوجية للعقل وصناعة الفكر والإبداع أو الاضطرابات النفسية. فكيف ينشأ الإبداع من رحم الإحباط واليأس وفي ظروفٍ بيئية غير مواتية له، وكيف ينشأ الألم النفسي والاكتئاب في ظل ظروفٍ بيئية لا ينقصها سوى الاستمتاع بها؟ وكيف يخرج إنسان مبدع وناضج فكريًا في مجتمع متخلفٍ فكريًا وسلوكيًا، وكيف تُولد الثورات في عقول آحادٍ من أبناء المجتمع الواحد الذين يعيشون ذات الظروف الاجتماعية وينهلون من ذات الموارد الفكرية؟ وكيف يخرج أخوَان شقيقان لأسرة واحدة، أحدهما مبدعًا والآخر غافلًا؟

بل كيف جاء عنترة ابن شداد الشاعر المرهف الحس والفارس المغوار من ذات الأمَة التي أنجبت شقيقه شيبوب وفي ذات الظروف البيئية الاجتماعية إذا افترضنا أن عقل الإنسان ابن البيئة التي نشأ فيها؟ فكيف جاء الأول شاعرًا مبدعًا وفارسًا مغوارًا بينما ظل شقيقه عبدًا يحدو الإبل! بالإضافة إلى أن تلك النظرية لن تكون مقنعة في تفسير كافة الاضطرابات العقلية التي يتعرض لها الإنسان.

غير أن خبراء الطب النفسي سيكونون أوَّل من يلوِّح اعتراضًا على هذا الافتراض لما يعانونه من مصاعب في علاج الأمراض النفسية في ظل تمسك المريض بمرضه وإصراره الضمني على أن يكون ويظل مريضًا بفكر معين وشعور معين هو على قناعة به، بل عند معالجة الوسواس القهري مثلًا، فقد ينقلب ويتحوَّل إلى لونٍ آخر من الاضطراب، وكذلك ما يتجلى من قدرة للعقل على التعافي من الأمراض البدنية أو الاستسلام لها.

فلو كانت العقلية الإنسانية وليدة النشأة الفلسفية والمؤثرات البيئية لأمكن لأطباء علم النفس معالجة هذه الحالات المرضية بمجرد النظر إلى الظروف البيئة التي تسببت فيها دون النظر إلى ما يعانيه المريض من ألم بسبب تفكيره وشعوره القهري. ولن يكونوا في حاجة إلى السهر لإقناع المريض بالإقلاع عن مرضه والتخلِّي عن وساوسه وتخليص نفسه من آلامه، غير أن معظم هؤلاء المرضى يقررون أن آلامهم نابعة من داخلهم وليست بفعل البيئة أو أنه ليس هناك ما يؤرق مضاجعهم في حياتهم الاجتماعية سوى آلامهم الذاتية التي تجري في دمائهم مثل السموم، وعلى الطرف الآخر من الطاولة فليس الإبداع متعلقًا ببيئة مبدعة، بل قد يأتي في ظل ظروف بيئية قاتلة لكل إبداع كما جاء الشاعر العربي الأصيل أبو الطيب المتنبي من بيئة اجتماعية تتخلى عنه وترفض الاعتراف به إنسانًا حرًا وذا قيمة، ومع ذلك تربّع على عرش الأدب العربي مخلفاً مئات القصائد ودواوين الشعر لازالت تناطح السحاب مغنىً ومعنى مبنىً لغويًا.. بالإضافة إلى أن الآلام الجسدية (النفس جسمية) لن تجد لها تفسيرًا من البيئة المحيطة؛ إذ أن العضو المتألم يكون سليمًا ومعافى، فهو فقط يجسد صوت العقل الذي يصرخ ألمًا.

فلا بد عندما نضع نظرية تفسر لنا آلية العقل البشري أن تكون قادرة على تفسير العقل في ظروفه الطبيعية السوية وفي ظروف الاضطرابات العقلية والنفسية وتفسر الإبداع والعبقرية في الوقت ذاته؛ لأن هذه الظواهر جميعها نتاج عضوٍ واحد هو العقل القابع في جماجمنا.

يُتبع ..

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًا وبدنيًا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد