ما زلنا في محاولة استكشاف خوارزمية العقل البشري، وما زالت الرؤية غير واضحة بالنسبة لطبيعة عمل العقل البشري والأسباب الرئيسية للأمراض العصابية، وما تزال العلاقة غامضة بين الإبداع والاضطراب العقلي، وما زلنا نفسر الأسباب بنظريات مختلفة، ومدارس متنافرة، لكن البرهان العلمي لأيّ من هذه النظريات لم يثبُت بعد وإن تعددت الأسباب. كما يرى الدكتور أحمد عكاشة في كتابه «الطب النفسي المعاصر» أن الأسباب يمكن تلخيصها في نظريتين: الأولى، هي النظرية التكوينية التي تعتمد على العوامل الوراثية فسيولوجيًّا. والثانية، هي النظرية البيئية التي تعتمد على دراسة الظروف الاجتماعية المحيطة بالإنسان، مثل نظرية أريك فروم Eric from التي تقوم أساسًا على أن علم النفس لا معنى له إذا خرج عن الإطار الأنثروبولوجي والفلسفي. وغيره سولفيان الذي تتلخص نظريته في فكرة التشكُّل الحضاري (acculturation) إذ يرى أن بناء الشخصية النهائي هو نتاج التفاعُل مع الكائنات الإنسانية الأخرى. وقد سبق ابن خلدون هؤلاء في إرساء قواعد هذه النظرة الفلسفية للإنسان، إذ يقول في مقدمته: «إن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه». وهناك آراء أخرى لا تؤيد أيًّا من النظريتين بانفراد، وإنما تذهب إلى الدمج بينهما وأن لكلٍّ منهما دوره وتأثيره المتبادل بين البيئة والوراثة على الكائن البشري؛ بما يعني أن الإنسان عبارة عن خليط من العوامل الوراثية التي اندمجت وتفاعلت مع المؤثرات البيئية المحيطة به.

وقد تناولنا في الحلقة السابقة إدماجًا لهذه النظريات، وأما بالنسبة لهذا الاتجاه الأخير الذي يخجل من البوح صراحة بتأييد واحدة من النظريتين السابقتين بانفراد، ويرى الإنسان عبارة عن أصل بيولوجي وراثي يُعاد تشكيله بفعل المؤثرات البيئية والنشأة الاجتماعية، فهذا الاتجاه سيظل عاجزًا أيضًا عن تفسير العلاقة المباشرة بين تلك التأثيرات البيئية والنتائج المترتبة عليها؛ بل يستحيل عليه وضع الحدود الفاصلة بين كلا النمطين من التأثر على السلوك البشري؛ ذلك لأن المؤثرات ستختلف وتتعدد، والنتائج ستتناقض في النهاية، حتى وإن تصادفت تلك المؤثرات مع النتائج لبعض الوقت، إلا أنها ستعجز عن وضع الخطوط والضوابط العامة لمسار العقل والمؤثرات البيئية المحيطة به، بما يمكننا من التنبؤ بمدى وكيفية ونوعية الاستجابة العقلية لهذه المؤثرات، أو متى يقرر العقل أن يستجيب أو لا يستجيب؛ فالمعيار الوحيد لدقة الحسابات والنتائج هو مدى قدرتها على التنبؤ؛ إذ إنه كلما كانت الحسابات دقيقة جاءت النتائج دقيقة، وكذلك أمكن التنبؤ بنتائج على ذات الدرجة من الدقة. مثال: كلما كان مؤشر الوقود دقيقًا في حساسيته، أمكننا حساب كمية الوقود المتوفر بخزان السيارة بدقة، وبالتالي يمكننا التنبؤ بالمسافة التي ستقطعها السيارة بهذا القدر من الوقود بدقة بالغة قبل أن تتحرك السيارة.

فلا الإبداع ابن للبيئة، ولا الاكتئاب ابن للبيئة، طالما كان التنبؤ بأيهما غير ممكن اعتمادًا على معطيات الظروف البيئية، فماذا يُبقي العقل ابنًا لها؟ فالعقل البشري هو صفة وراثية تنتقل من جيلٍ إلى جيل على التوازي مشكِّلًا مسارًا أشبه بالخط البياني الممتد بين الأجيال، إما أن يهتز لأعلى مخلفًا موجة إبداعية، وإما أن يهتز لأسفل مخلفًا موجة انكماشية اكتئابية، وإما أن يظل منتظمًا على الخط، فيأتي الأبناء أقرب الشبه بالآباء في هذه الحالة الأخيرة فقط، وبالتالي طالما كشفت الموجة العلوية أن العقل غير خاضع للبيئة، وطالما كشفت الموجة السفلية أنه أيضًا غير خاضع للبيئة، فما يُبقى أوسطه خاضعًا لها؟ ففي النهاية سيظل العقل هو المتحكم في مدى الانتظام على الخط، والتوافق مع المسار الثقافي الاجتماعي للآباء، فيبدو ظاهريًّا وكأنه تابع للمؤثرات البيئية.

ويتمسك أصحاب هذا الاتجاه بحالة التوائم المتماثلة كنموذج معياري لدراسة وطأة المؤثرات البيئية وأثرها في الإنسان، باعتبار أن التوائم المتماثلة تحمل ذات المادة الوراثية في حالة من التطابق التام، ومن ثم يعتبرون كل اختلاف بين الشخصيتين (التوأمين) يعود إلى المؤثرات البيئية المحيطة بكلٍ منهما، والتي كانت السبب في اختلافات بين الطبيعة الاجتماعية لكليهما من الناحية الاجتماعية والفلسفية. مع أننا نرى الأمر من زاوية مغايرة؛ ذلك لأن اختلاف المادة الوراثية لدى التوائم هو ما دفع كل واحد منهما للعيش في بيئة تتوافق مع تكوينه العقلي الوراثي، وتختلف عن توأمه بقدر اختلاف مادتهما الوراثية! فلو عدنا إلى الأصل سنجده خلية واحدة تخصّبت وكوّنت كيانًا جنينيًّا واحدًا ما لبث أن افترق نصفين، وأخذ كل شق منه في تكوين جنينٍ مستقل.

وقبل أن نتجاوز هذه المرحلة ونحكم بتساوي المادة الوراثية في كلا الجنينين، فلا بد من العودة خطوة للتساؤل حول سبب الانشقاق الذي حدث في البويضة الواحدة، وما جعلها تنقسم نصفين لتكوِّن جنينين مستقلين يعيش كل منهما حياة جنينية مستقلة عن قرينه؟ إن الانقسام الذي حدث في تلك المرحلة يعود حتمًا إلى اختلاف في التكوين الجيني للبويضة، وهو ما جعلها تنقسم لينمو كل شق منها منعزلًا عن الآخر، في بيئة جنينية مستقلة عن شقيقه، فلماذا لم تكمل البويضة المخصبة نموَّها ككيان واحد وتكمل انقسامها الخلوي بالشكل الطبيعي؟ أي لماذا لم تنقسم إلى خليتين ثم أربعة ثم ثمانية ثم 16 و32 وهكذا، لماذا افترق كل نصف عن الآخر ليبدأ انقسامه ونموه مستقًا ومنفردًا؟ الأمر يعود حتمًا إلى اختلاف حدث خلال أوّل عملية انقسام خلوي، إذ حدث اختلاف في المادة الوراثية بين النصفين بعد أو أثناء انفصالهما، فلم يخرجا من هذا الانقسام الأولي متساويين متطابقين، وهذا ما أدى إلى افتراقهما وعدم استمرار التحامهما في كيان واحد، واستمرار نموهما في ذات الكيان.

فحتمًا حدث ذلك الانشقاق نتيجة اختلاف النصفين عن بعضهما فتنافرا في بعض صفاتهما ثم قررا الانفصال. وهذا الأمر الطبيعي في حياتنا؛ حتى في حياتنا الاجتماعية لا ينفصل زوجان إلا إذا اختلفا مع بعضهما وتنافرت طباعهما، وطالما ظلا متفقين في أغلب صفاتهما وتصرفاتهما ومنسجمين مع بعضهما من حيث التكوين الفلسفي والميول النفسية، فستستمر حياتهما في وئامٍ تام ودون أي احتمالٍ للانفصال. إذن سبب الانفصال الذي حدث بين شقي البويضة بعد تخصيبها يعود إلى اختلاف حدث أثناء أو بعد عمليات الانقسام الخلوي، وهو ما أدى إلى هذا الانفصال المبكر. وكلما كان الاختلاف كبيرًا خلال عملية الانقسام الخلوي حدث انفصال مبكر وكامل، أما إذا كان الاختلاف طفيفًا فيظل هناك احتمال لانفصال جزئي أو غير كامل ومتأخر، ولذلك نجد أحيانًا حالات من التوائم الملتحمة في النصف من أجسادها ومنفصلة في النصف الآخر.

والنتيجة التي نأمل الوصول إليها في هذا الموضع أنه ليس الاختلاف في الطابع الشخصي بين التوائم المتماثلة ناتجًا من المؤثرات البيئية، وإنما ناتج في الأصل من الاختلاف في المادة الوراثية الذي أدى إلى انفصالهما عن بويضة واحدة في الأصل. وبالتالي ينتفي كل أثرٍ خارجي لأي مؤثر بيئي في العقل البشري.

غير أنه ينبغي تأكيد أن مسألة البناء الوراثي الكامل للعقل لا يعني استنساخ نموذج مطابق من الأصل؛ ذلك لأنه خلال عملية التخصيب يحدث اندماج بين مصدرين مختلفين للمادة الوراثية؛ مما يعني حتمًا اختلاف الولد عن الأب، غير أن المادة الوراثية ذاتها تنمو ككائنٍ حيّ، أي تتغير نسبيًّا بين الأجيال وتزدهر جيلًا بعد الآخر كما تزدهر أوراق الشجر نهارًا وتسكن ليلًا، فالبشر كذلك جيلًا وراء جيل يتتابعون الازدهار والخمول في أطوار نموٍّ موسميّ، وهو ما يعني احتمالية أن يكون الأب على مسار الخط المعتاد ويخرج الولد مهتزًا لأعلى فوق الخط؛ فيظهر الإبداع أو يأتي الولد متموجًا لأسفل فيظهر عليه ملامح الاكتئاب والانكماش، وحتى وإن جاء الولد منتظمًا على ذات المسار الخطي المعتاد فحتمًا سيختلف تكوينه النفسي ولن يكون نموذجًا مطابقًا للأصل، لكنه سيكون أقرب الشبه بالأصل بما يوحي ظاهريًّا بفكرة التأثير البيئي في عقله. وحتى في عملية الاستنساخ الجيني التي يتم فيها استزراع خلية جذعية من مصدر جيني واحد وتنميتها لتصبح كائنًا كاملًا دون اللجوء لعملية التخصيب المعتادة، فحتى في هذه الحال لا يكون الولد نموذجًا مطابقًا للأصل الجيني له؛ ذلك لأن عملية الاستنساخ ذاتها تعتبر نوعًا من النمو، أو عملية إنماء لذات المادة الوراثية، وبطبيعة الحال فإن عملية النمو المستمر تعني «التجدد» المستمر، أي أنه طالما هناك تجدد وليس تكرار فلا بد أن يعني ذلك قدرًا من الاختلاف بين الجيل الأول والثاني برغم وحدة المادة الوراثية.

ولو دققنا النظر مرة أُخرى لوجدنا أن السلوكيات الاجتماعية التي تبدو ظاهريًّا كأثر من آثار المحيط البيئي سنجدها في حقيقتها مادة وراثية، أو ذاكرة ذهنية انتقلت وراثيًّا ولم تُكتسب بفعل البيئة؛ إذ إننا قد نجد طفلًا ولد يتيمًا ولم ير والده لوفاته قبل ميلاد طفله، سنجد هذا الطفل يتصرف نسخة مطابقة للأصل من والده برغم أنه لم يره، وإنما ورث أفكاره وسلوكياته، كأن نجد طفلًا لا يرتاح خلال نومه إلا بالانكفاء على وجهه، هذه الوضعية في النوم تكون قائمة لدى الأب وتنتقل إلى الابن وراثيًّا وليس تأثرًا؛ لأنها ليست إرادية، وإنما ميول نفسية غريزية، وكذلك سلوكيات كثيرة مثل الانفعال أو الغضب في مواقف معينة بطريقة تجسد شخصية الأب دون تعليم أو تعلُّم؛ لأن مثل هذه السلوكيات غريزية وليست إرادية، أو أن يخرج الولد ذا طابع فكري يشبه الأب، كأن يكون ساذجًا أو ماكرًا أو خبيثًا كما كان والده برغم عدم معاصرته له. ولو كان الأب على قيد الحياة وعاصره طفله لكان من السهل تفسير الوضع بنظرية التأثير والتأثُّر الاجتماعي، أو أنه أثرٌ للبيئة الاجتماعية وأن الطفل مولود بصحيفة بيضاء، لكن حالة وفاة الأب قبل ميلاد الطفل تكشف الحقيقة عارية ودون مواربة، وإلا لماذا لم يأخذ الولد من طباع محيطه البيئي، ونَهَل من طباع والده الذي توفي قبل ميلاده؟

 ومن السهل التحقق من ذلك بتتبُّع سلوك الطيور في بناء أعشاشها دون أن تقتبس الفن من آبائها، وأنثى الجرز الأبيض التي تُهيئ لوليدها غرفة الحضانة الملائمة، وتقضم حبله السري دون أن تكون قد تعلمت هذه الخبرة من بني جنسها، ما يعني أن هذه الخبرة انتقلت من آبائها وراثيًّا، وكذلك الوضع في الجنس البشري دون أن يعي ذلك انتقال الخبرة بالتعليم والتعلُّم والاختلاط بالمحيط البيئي، لكن في حالة الطفل الذي يتصرف مثل والده دون أن يعاصر حياته، هنا تتضح لنا الرؤية بأن المنظومة العقلية تنتقل وراثيًّا بكافة ملامحها، وإن بدت وكأنها مؤثر من مؤثرات البيئة المحيطة. وحتى وإن سلّمنا بفكرة الاستجابة للعوامل والمؤثرات البيئية، فأين تكمن الإرادة الحرة للإنسان؟ وكيف تتشكل؟ وما دورها تجاه هذه المؤثرات؟ أم أن هذه المؤثرات البيئية تغالب الإنسان في نعومة أظفاره قبل أن تستوي إرادته؟ إذا كان الأمر كذلك فما موقف الإرادة من هذه المؤثرات بعد أن استوت ونضج العقل؟ هل يظل تابعًا لميراثه الثقافي؟ إذن ما موقع الإرادة ثانية إذا ظل العقل أسيرًا لفكره وموروثه الثقافي؟ وهل يصل التأثير البيئي إلى حد التحكم في مقادير الهرمونات التي تعمل على ضبط مزاجنا النفسي وتوجهاتنا الفكرية؟ فإذا اعترفنا بأن الكائن يكتسب صفاته الجسدية كاملة بطريق الوراثة الجينية دون أثر للبيئة عليها، فهل يُعقل القول بأن ذات الكائن يكتسب صفاته الذهنية من البيئة المحيطة؟ يبدو أن الطريق لا زال طويلًا أمامنا.

وعلى ما يبدو أن العقل لا يتأثر بالبيئة الاجتماعية سواء في حال الإبداع، أو في حال الانكماش والاكتئاب، أو حتى في حال الانضباط الفكري المعتاد؛ إذ يظهر جليًّا في الحالين الأوليين أن العقل مستقل تمامًا في بنيته عن البيئة الاجتماعية المحيطة به، وأما في الحال الأخيرة فقد جاء العقل اعتياديًّا، أي تشكّل وراثيًّا بمظاهر خارجية تجسد محيطه البيئي؛ أي أن هناك تشابهًا بين المحيط البيئي والتكوين العقلي الوراثي، مجرد تشابه يجعل من السهل تعايش العقل مع هذا المحيط البيئي، أما في حالة الإبداع فيظهر الاختلاف جليًّا بين التكوين العقلي المستقل عن المحيط البيئي، وكذا في حال الاكتئاب والانكماش يظهر الاختلاف بين التكوين العقلي والمحيط البيئي؛ إذ إن الشخص الذي يتحدى حالة الاكتئاب يرى أسباب اكتئابه في نفسه وليست في محيطه البيئي، وحتى إن اعتبرها نابعة من محيطه البيئي، فهناك الملايين غيره لم تسبب لهم ذات الظروف البيئية شعور الاكتئاب ذاته. وبالتالي، يبقى العقل محتفظًا بمساره الوراثي مستقلًا عن البيئة، وإن توافق معها ظاهريًّا لكن ليس التوافق بتأثير البيئة في العقل أو نجاح العقل بالتأثير في البيئة، وقد يختلف مسار العقل فيظهر عليه الإبداع في بيئة غير مؤهلة له، وقد يختلف العقل عن البيئة فتظهر حالة الاكتئاب منفصلة ومستقلة عن البيئة حتى وإن بدت ظاهريًّا بتأثير البيئة إلا أنها ليست كذلك، وإلا لأصاب جميع أفراد المجتمع بذات الحال الاكتئابية طالما عاشوا في ذات الظروف.

وقد اتجه التحليل السيكولوجي للإنسان فيما مضى إلى ربط حياة الإنسان وقَدَرَه بالخرائط الفلكية وحركة الكواكب والأبراج السماوية، أو بالظروف البيئية المحيطة به وعوامل المناخ وتغيراته (دون وضع أساس علمي يفسر علاقة الإنسان بهذه الأجرام، سوى رصد وملاحظة الظواهر المتكررة في تزامن دقيق. وهناك اتجاه آخر ربط الظروف الاجتماعية العامة أو الخاصة لكل فردٍ في المجتمع وتغيراته والأحداث أو الأزمات والصدمات التي قد يتحداها خلال مراحل العمر المختلفة، وفقًا لنظرية التشكُّل الأنثروبولوجي الفلسفي باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في مساره العقلي ومزاجه النفسي، أو أنها تشكّل مساره العقلي في مجمله. لكن الأمر يختلف مع ذلك، بالنسبة لما يتعلق بالوراثة الجينية؛ إذ إنها ستحدد متى يستجيب أو لا يستجيب الكائن لتلك المؤثرات. فالواقع أنه لا أثر للبيئة في الكائن إلا بقدر ما تؤثر في العناصر المادية الداخلة في تكوينه البيولوجي، أي العناصر الطبيعية والمواد الكيميائية وأثر تغيراتها على الهرمونات التي تصنع فكرًا وشعورًا هو في مجمله حصيلة العناصر الداخلة في خط الإنتاج العقلي. فإذا كان للمحيط البيئي للإنسان أثر في تكوينه العقلي فهو فقط ينحصر في التأثير المادي البحت لمحتويات البيئة على التكوين المادي الفسيولوجي للكائن، متغيرات تنتقل من جيلٍ لآخر محمولة على الجينوم الوراثي.

وبعيدًا عن المنحدر الذي انزلق فيه سيجموند فرويد في نظريته للتحليل النفسي؛ كنموذج معتنق للنظرية الأنثروبولوجية، فقد اعتمد على توتر الظروف الاجتماعية المحيطة بالشخص، وأفاض في تفسير الأحلام وزلّات الكلام والجنسية الطفلية والنكتة، وأثار الجدل بنظريته في نشأة الاضطرابات النفسية والعقلية من خلال الصدمات الانفعالية والجنسية في حياة الطفل خلال السنوات الخمس الأولى من عمره، مع أن الحبل ليس موصولًا في كافة الأحوال؛ لأن الطفل بطبيعته ليس التربة الخصبة لبحوث علم النفس، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه، ولا يجيد التعبير عن مشاعره وآلامه. غير أن الأحداث التي تناولها فرويد باعتبارها السبب في الاضطرابات التالية، قد لا تشكل ذات الأحداث مشكلة بالنسبة للكثيرين، وتعبر في حياتهم وتتجاوز ذكرياتهم وكأن شيئًا لم يكن، وقلّة قليلة فقط هي التي تستمر معها الاضطرابات النفسية والعقلية.

ولم يبرر فرويد ما يمكن أن ينتقل بالوراثة من هذه الاضطرابات. ولم يسع إلى تفسير ما قد يحدث للإنسان من عثرات واضطرابات أو تقلبات نفسية معاصرة أو غير معاصرة لأحداث معينة اعترضت حياته على كِبر؛ بل ألقى بعبء الإثبات على مجرد افتراض نظري بحت بحدوث صدمات طفلية ظهرت آثارها على الكبر! وبذلك حصر نشاطه التحليلي في منحدرٍ وضع فيه فروضه على أساسٍ من الشخصية المرضية، تتخذ الصدمات الانفعالية محورًا لها، ولم يلتفت إلى العوامل الوراثية، وكيمياء الدماغ، ولم يأخذ في حسبانه الشخصية السوية ذات العقل الصحيح، ولم يلتفت إلى الإبداع، مع أن كافة هذه الأنشطة هي نتاج عمل الدماغ وحده، غير أن فكرة الصدمات الانفعالية في حد ذاتها لا تمثل من العقل سوى عرض استثنائي؛ مما أدى إلى قصور واعوجاج في تطبيق تلك النظرية عند إسقاطها على العقل البشري في كافة حالاته، غير أن سيجموند فرويد تجاهل تمامًا دور كيمياء المخ في التأثير في أفكارنا وسلوكياتنا، برغم أنه أول من طرح التصور الافتراضي الصحيح لآلية عمل الخلايا العصبية في المخ؛ لكن ذلك جاء خلال فترة شبابه أثناء دراسته في السنة الأولى بقسم الفسيولوجيا، إذ وضع تصوره لآلية عمل الخلايا العصبية للمخ في ورقة بحثية بعنوان «الموضوع»، وقد طواها النسيان بعدما انتقل فرويد إلى الدراسة بقسم علم النفس، وانطلق في أحلامه وتخيلاته الفلسفية وشطحات خياله الجنسية، فلم يقدم أي جديد للعلم، سوى ورقته «الموضوع» إذ عكف عليها العلماء في أواخر القرن الماضي بعد اكتشافها وإزالة التراب عنها، ليكتشف العلماء أن هذه الورقة هي أفضل ما قدمه سيجموند فرويد للعلم طوال حياته العلمية.

وربما يكون السبب في ذلك هو التحولات النفسية التي يأخذها المسار العقلي للإنسان في منتصف العمر، إذ إن العقل في فترة الشباب له طبيعة فكرية مستقلة، وما بعدها يتحوّل العقل إلى طبيعة الفكر الفلسفي كما يؤكد الدكتور أحمد زويل في أحد لقاءاته المتلفزة، فهذه التحولات والانعطافات الحادة في مسار العقل البشري من الفكر إلى الوجدان، ومن العلم إلى الأدب والفلسفة، هي ما جعلت فرويد يغير مسار حياته من قسم الفسيولوجيا –دراسة وظائف الخلايا– إلى قسم علم النفس، لكنه حتمًا لم يدرك ذلك. ولهذا تحولت نظرته للعلم من الرؤية العلمية القائمة على الدليل والبرهان إلى النظرة الفلسفية لأمور الحياة، فاصطبغ عقله بلون الأدب بدلًا عن العلم، ومن ثَمّ لم نتمكن من فهم طبيعة العقل البشري، ولا حتى طبيعة الاضطرابات النفسية إذا مثَّلت عرضًا استثنائيًّا على مساره. وبرغم ذلك، فيكفيه أنه أثار الجدل بنظريته فوضع النفس البشرية في ميدان البحث والتجريب، فقد وضع فرويد النواة لفكرٍ جديد ينتقد فكره باحثًا عن الجوانب التي أغفلها فرويد ليُعيد بناء النظرية الحديثة لعلم النفس بمنظور جديد.

يُتبع.

ملحوظة: هذه السلسة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية، بداية من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًّا وبدنيًّا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، باعتبار الإنسان كائنًا فيزيائيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد