إن المنهج العلمي لا يعتمد النصوص الدينية كأدلة إثباتٍ أو قرائن نطرحها على طاولة البحث؛ لأن المعرفة العلمية لا تُنتج انطلاقًا من عقيدة، وإنما ينبغي على الباحث أن يطرح عقيدته خارج المختبر قبل دخوله وألا يفرض ثوابته الدينية على قواعد البحث العلمي؛ لأن العقيدة إنما هي من نوع العلوم السائلة.. أما العلوم الطبيعية فلها معاييرها التجريبية، فالقرآن كتاب دين وعقيدة والنظريات العلمية تُبنى في المختبرات وبقواعد البحث العلمي. والعلم يقوم على ركيزتين اثنتين: العقلانية العلمية واحترام حقوق الإنسان.

لكننا في هذا المقام نستأنس فقط بذكر النصوص القرآنية أملًا أن تُضيف تناغمًا في المعنى باعتباره وسيلة لشرح وتبسيط الفكرة لا إثباتها؛ فلإثبات العلمي له قواعده. والنص القرآني ليس غامضًا وإنما عميق وعلى مساحة من المعنى لا يستوعبها عقل ولا تحدها ألفاظ، ولا تنتهي دلالاته، طالما وسعتها مداركنا. يحمل في طياته الكثير من الإشارات والتلميحات إلى النظريات العلمية والحقائق عن الظواهر الطبيعية، لكنه تناول نهاياتها بإسلوب بلاغي، لا بمنطق الرياضة والفيزياء. ولمن لا يؤمن بالقرآن أن يلتفت عن النصوص القرآنية الواردة في هذا المقال دون أن يترك ذلك أي أثرٍ في قناعته ومنطقه العلمي.

ووكما أوضحنا في الجزء الأول من هذا المقال، إذا أردنا البحث عن شيء غامض ومُعقد، فليس أمامنا سوى الرجوع إلى أبسط صوره. وليس أبسط الصور للحياة، تلك التي تكمن في البكتيريا والفيروسات، بل في ذاك الكيان الذي يصعب تصنيفه ما بين نبات أو حيوان أو جماد. بل إنها تكمن في كل كيان قادر على الحركة الذاتية، ولا يشترط أن تتوافر فيه صفات الكائن الحي التي يدرسها علم الأحياء؛ لأن صور الحياة تختلف من كيان لآخر في الطبيعة، كما تختلف الفسيولوجيا من نسيج لآخر في جسد الكائن الواحد.

وكذا تختلف طريقة الحياة من كائن لآخر، وتبعًا لذلك تختلف طرق النمو وطرق التغذية والوظائف، وبالتالي تتعدد صور الحركة الذاتية وآليات التكاثر والتغيرات الفيزيائية التي تطرأ على الكائن. غير أن خاصية التكاثر لا يمارسها الكائن على وجه الديمومة. بل هي خاصية مرحلية موسمية في حياة الكائن، أي تتحقق في فترات معينة من حياته، وكذلك الحركة الذاتية للكائن، هي خاصية من خواص الحياة، وهي أبسط صور الحياة. وبإمكان الحياة أن تستقر في الكائن وتظل فترة من الزمن ساكنة دون أن يمارس أي نشاط حيوي يُذكر، كما في الخلايا الجنينية للنبات، والخلايا التناسلية المحفوظة في بنوك النُطف.

وإن كان بإمكاننا النظر في صورة أبسط للحركة الذاتية في المادة، والتي تتجلى في مظاهر عدة؛ فهناك مثلًا، عملية الإحلال والتحلل (حركة ذاتية للمادة)، حيث ترقد رُفاة الكائنات الحية والنباتات وجذوع الأشجار بين طبقات التربة، وحسب درجة توافر المياه فيها، تبدأ الأملاح في الانتقال بحركة ذاتية بفعل الخاصية الإسموزية والفروق في تركيزات الأملاح ومعادن التربة، حيث تتحرك من التربة إلى جسد الكائن المترمم أو جذوع الأشجار والنباتات، لتطرد أملاحها وتحل محلها، فيما يُمثل عملية التحلل البترولي أو في عملية التحجُّر، حيث تتكوَّن الحفريات نتيجة تصلُّب وتحجَّر أجساد الكائنات وجذوع الأشجار عند خروج الماء منها إلى التربة ودخول عناصر معدنية أُخرى من التربة للحلول محل عناصرها الأصلية.

وتعد هذه العملية أبسط أنواع الحركة في صورتها البيولوجية. بما يعني أن التربة تنبض فيها الحياة، طالما لم تتوقف عملياتها الحيوية الداخلية. أو في حال هطول الأمطار على البزور الجافة في التربة؛ إذ يقول جل وعلا في كتابه: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. (33. يس)، وهذا لا يعني استمرار ذات العمليات الحيوية في جسد الكائن حيًا وميتًا، قدر ما يعني أن الأرض ذاتها كائن حيّ يقوم بعملياته الحيوية على طريقته الخاصة. وإن كانت ظاهرة الحياة في الكائن تأتي أثرًا مباشرًا لخليط من العمليات الداخلية المتشابكة، فهذا لا ينفي عن العمليات الأبسط صفة الحياة. وهي ذات العمليات التي تتم في النبات الأخضر، حيث ترتفع المياه والأملاح في سيقانها اعتمادًا على الخاصية الإسموزية ومعدلات الأملاح بين التربة والنبات، وخاصية الأنابيب الشعرية واللزوجة المائية، لترتفع من التربة إلى أعلى نقطة في سيقان النباتات والأشجار.

فالحركة في كافة الأحوال (في الجماد أو النبات أو الحيوان) هي حركة فيزيائية تخضع لخواص المادة ولا تتصارع مع قوانين الطبيعة، فالتكوين الفسيولوجي للنبات لا يتعدى كونه عدة عمليات أو تغيرات فيزيائية لجمادات متعددة. فإذا تتبعنا عملية الأيض الغذائي من بدايتها حتى نهايتها خلال عملية التنفس الخلوي في النبات، وخلال عملية نقل الإلكترون وتحلل جزيئات الماء وتحويل الطاقة من ضوء إلى طاقة مخزنة في روابط كيميائية ثم تخزينها في جزيئات ATP بعملية الإسموزية الكيميائية ثم إعادة استهلاكها في عملية النمو. ولا يختلف الأمر كثيرًا في عملية تحوّل الطاقة عند سقوط الضوء على حجرٍ أسود، أو خلية سليكونية، إذ إن اللون الأسود قادر على امتصاص الضوء الطاقة وتخزينها، وكذا وبذات الطريقة تقوم خلايا الطاقة الشمسية بتحويل الضوء إلى طاقة كهربية. فهي طاقة تتحول من صورة لأخرى سواء سقط شعاع الضوء على ورقة نبات أو على سطح حجرٍ أسود أو على خلية مُعدّة لتوليد الكهرباء، فالنظرية واحدة في كافة الأحوال.

وما الكائن الحي سوى صورة أعقد من هذه الجمادات والعمليات التي تتم عليها، بل إن اختلال تلك العمليات الطبيعية في جسد الكائن، هو الذي يؤدي إلى تغيرات فيزيائية في طبيعة الكائن وقد يوقفه عن الحياة، أو يحوّل بقاءه في هذا الكون من صورة لأخرى كما تتحول الطاقة من صورة لأخرى أو يوقفه عن النمو والتكاثر مدة زمنية، ثم تُستأنف العمليات الطبيعية مرة أخرى عندما تتواءم ظروفها، مثلما يحدث في زرع الأجنة النباتية والحيوانية بعد حفظها فترة من الزمن في وسط يوقف الجنين عن النمو مع احتفاظه بخصائصه الحية .

إن القول بأن الكيانات الطبيعية في هذا الكون تعود إلى أصولٍ مختلفة؛ نبات، حيوان، جماد، هذا القول مجافٍ للحقيقة تمامًا.

بل إن التقسيم التقليدي لمحتويات الكون باعتبار انتمائها إلى أحد الظواهر الثلاث للطبيعة، إنما هو تقسيم ظاهري بحت لأنسجة متنوعة في جسد الكائن الكوني، سهَّل على الباحثين اختصاص كل منهم بشق من التمرة، فتناول أحدهم لحاء التمرة، وتناول الآخر نواتها وتناول الثالث فتيلها، لكن هذا لا يعني انفصال أو استقلال كل شق عن أصوله؛ لأن الخط الفاصل بين الجماد والنبات والحيوان أضعف بكثير مما نعتقد.

فما البيولوجيا إلا حفنة من الكيمياء ممزوجة بالفيزياء بنظرية رياضية دقيقة (كيمياء + فيزياء = بيولوجيا). وما الفيزياء إلا جانبًا من جوانب الحياة، فالأجرام السماوية لها حياة والصخور لها حياة والجبال والبحار والنبات والحيوان، وكل نظام في هذا الكون له حركة وحياة تختلف ألوانها. ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز: تُسَبِّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يُسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. (44. الإسراء).

ونلاحظ في هذه الآية الكريمة أن القرآن قد استخدم لفظ شيء للدلالة على كل ما هو مخلوق في هذا الكون، سواء كان تصنيفه حيوان أو نبات أو جماد، فهو في النهاية شيء من أشياء الكون. وأما التصنيف الظاهري ما هو إلا مجرد تقسيم وتجزئة لفروع العلم الواحد، وليس تفرقة من حيث خلقها وتكوينها. فكل نظام منها لبنة في بناء الآخر، لكن أفكارنا لم تنضج بعد، وعقولنا لم تزل تحبوا ولا تزال عاجزة عن استيعاب هذه الطبيعة بكافة جوانبها؛ لأننا بحياتنا وكوكبنا جزء منها، فكيف نحتويها وكيف تدرك عقولنا ما هو أوسع منها أفقًا.

ولا يغرنا اختلاف الشكل من حيث المظهر الخارجي أو الخصائص الفيزيائية والعمليات الفسيولوجية للنبات عن الحيوان أو الجماد، أو حتى تعقد العمليات الحيوية التي يمارسها الكائن الحي عن النبات عن العمليات الداخلية التي يمارسها الجماد (المادة) عند تعرضه لظروف فيزيائية وكيميائية مُعيَّنة. ففيزياء الكون تراكمية متسلسلة، وكل كيان منها يدخل في تشكيل كيانات أُخرى فيجعلها أكثر تعقيدًا، حتى إذا ما وصل التشكيل الطبيعي إلى قمة تعقيده، صار منفصلًا ومختلفًا ظاهريًا عن وحداته البنائية التي اجتمعت وتداخلت في تكوينه.

ولو تصوَّرنا مثلًا الخلايا الجنينية للنبات، حينما نبحث عن الروح الحية فيها، وهي في وضع السكون والثبات أو الخمول الغذائي، تظل حية أو تحمل صفة الحياة، دون أن تتمتع في هذه الحال بصفات الكائن الحي الست (تنفس الهواء واستهلاك الماء واستمرار العمليات الحيوية واستهلاك الطاقة والأيض الغذائي، والحركة…)، ومع ذلك، برغم انتفاء صفات الكائن الحي عنها، تظل حية ومحتفظة بخصائصها الحيوية، وبمجرد وضع تلك الخلايا في وسط غذائي ملائم، تتحوَّل من حالة السكون إلى الحركة والنمو، وتستأنف عمليات الأيض الغذائي، فهل تنتفي صفة الحياة عن الخلايا الجنينية لمجرد توقف بعض هذه العمليات الست؟ فهي ذات الصورة من الحياة في حال حفظ الخلايا التناسلية للكائن الحي لعشرات السنين في أوساط مُعقَّمة، فتظل ساكنة دون حركة عضوية أو حتى جزيئية. وعند وضعها في وسط غذائي مناسب، فتتحوَّل من حال السكون إلى الحركة والنمو! وعند زرعها في الأرحام، تستأنف نشاطها الحيوي وتُكمل نموها الجنيني، كما يحدث في عمليات الاستنساخ! فلنتساءل هنا مرة أُخرى حول المغزى وراء ظاهرة الحياة في ضوء هذه المعطيات، هل هي شيء غيبي أتى من وراء الطبيعة؟ وما الذي يمنع كونها خاصية الحركة في كافة الظواهر الكونية الأُخرى؟ فالطبيعة هي الفيزياء، وليس وراءها سوى ظلالها وقوانينها المفقودة.

وهناك إشكالية واجهت العلماء والعاملين في نظرية المعرفة على الأقل منذ أيام رينيه ديكارت؛ هي كيف يمكن للتجارب الواعية  (الأفكار) أن تنشأ من مادة رمادية (خلايا عصبية) لا تتحلى بشيء سوى بخواص كهروكيميائية.

وهنا تبرز مشكلة، وهي كيف يتسبب اتجاه افتراضي شخصي (مثل المعتقدات والرغبات) في إطلاق السيّالة العصبية في العصبونات وبالتالي تحريك العضلات. لكننا نرى أن الأفكار والغرائز بطبيعتها منتج نهائي للعقل ولا تتحول إلى سيالات عصبية تنتهي بانقباض وانبساط العضلات، وبالتالي تبقى الإشكالية في الشق الأول فقط من أطروحة رينيه ديكارت.

والنشاط العقلي بوجه عام، هو نتاج سيمفونية متناغمة من النشاط الهرموني، ومعدل التغير الحادث في كم ونوع تلك الهرمونات يؤدي إلى تغير وانحراف في النشاط الذهني بذات القدر. وبالتالي:

فالنتيجة التي نحصل عليها هنا أن العقل ليس ملكة خارجة عن النشاط الفسيولوجي للدماغ، وليس نتاج التفاعل الثقافي والمعرفي مع البيئة المحيطة، وليس طيفًا روحانيًا قادمًا من وراء الطبيعة؛ بل إن العقل ينحصر في كونه نشاط كهروعصبي بحت.

لكن العملية الذهنية ليست بسيطة أو بدائية كونها نتاج تحوُّل الطاقة من صورة إلى أخرى، لكنها تمر بعدة عمليات معقدة تجتاز خلالها مراحل تطورية عديدة. فحينما يتساءل العلماء كيف تتخلق الأفكار في الخلايا العصبية من مجرد تفاعلات كيميائية تشكل نشاطًا فسيولوجيًا، فالفكر على ما يبدو شيء غير محسوس، في حين أن الخلايا العصبية بمحتوياتها لا تعدو كونها خليط من بروتينات، وإنزيمات وأسلاك أو شعيرات عصبية ومركبات كيميائية، تجمعها شبكة متتالية ومتوازية من العمليات والوصلات البينية، فكيف تنتج فكرًا ؟. الحقيقة وإن لم تكن مبسوطة أمام الأعين، لكن من السهل جدًا تصوُّرها.

فكيف يتحوَّل برميلٌ من النفط إلى موجات راديو إذاعية تنقل الأفكار والأخبار من القاهرة إلى لندن؟ هذا التساؤل منذ مائتي عام مضت، كان أشبه بسؤالنا اليوم عن العقل وكيف تتحوَّل فطيرة من البيتزا إلى أفكارٍ ومشاعر وجدانية؟

أو كيف تتحوّل هذه الأفكار والرغبات إلى سيالات عصبية تنتهي بانقباض وانبساط العضلات مثلًا؟ فإذا كان النفط هو صورة من صور الطاقة الكامنة في الذرات والمركبات، فإن تلك الطاقة قد تحوَّلت من صورة إلى أخرى خلال عدة مراحل حتى وصلت إلى طاقة حركية تم استهلاكها في إدارة توربينات لتوليد الكهرباء، ثم تحولت الطاقة إلى صورة أخرى تتمثل في موجات كهرومغناطيسية تنتقل خلال الوسط المادي والفراغ، وبإمكانها نقل الصوت والصورة من مكان لآخر خلال عمليات البث والاستقبال. أي أن الصورة الأصلية للطاقة لا يمكن أن تظل ساكنة على حال، ولا يمكن بأية حال مقارنتها بالصورة النهائية. وهكذا العقل، طاقة كامنة في الذرة تمر بعدة مراحل تتحول خلالها إلى صورة جديدة ومختلفة تمامًا عن مادتها الخام. وبالتالي:

فلا يصح الوقوف عند هذه الظاهرة لاعتبار العقل شيء خارج عن الطبيعة المادية ولا يخضع لفيزيائها وقوانينها الرياضية

فالعقل أحد المؤثرات الناتجة عن نشاط الذرة. والغريب أن العلماء يعكفون ليل نهار على جثة عقل أينشتاين تحت المجهر لمعرفة سبب عبقريته وتميز فكره عن باقي الناس، برغم أن بعضهم لا زال يؤمن بأن العقل قوة خارجة ومستقلة عن البدن، موازية للروح أو مرافقة للجسد.

وبرغم أن الكيان البشري لا يعدو كونه اندماج لحزمة من الأنظمة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تمتزج مع بعضها في تناسق وانسجام بطريقة راقية التعقيد إلى درجة جعلت هذا الكيان يتربع على عرش الظواهر الكونية، وكأنه خُلق من مادة غير المادة المكوِّنة لنسيج هذا الكون. مع أنه في الأصل حفنة من ذرات هذا الكون. ولو قلنا بأن الكيان البشري يختلف عن كافة الأنظمة الطبيعية، بتميُّزه بالأفكار والمشاعر والوعي والإدراك، وباعتبارها أمور معنوية غير مادية أو حسية، أو أنه ليس بإمكان المادة التي تشغل حيزًا من الفراغ (الذرة) أن تخلق ما لا يشغل حيزًا من الفراغ (الأفكار).

وهذا الفرض مرفوض بالطبع؛ لأن الذرة التي تشغل حيزًا من الفراغ بإمكانها إصدار أطياف ضوئية وكهرومغناطيسية لا تشغل حيزًا من الفراغ بذات المعيار، بل وتنفذ مؤثراتها في الفراغ. وعلى ذلك، يمكننا القول بأن الفكر البشري منشؤه الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا، أو أنه مجرد مؤثرات منبعثة وناتجة عن نشاط في الذرة، أيًا كانت طبيعة هذه المؤثرات أو حتى في حال عدم قدرتنا على لمسها وتشخيصها معمليًا فهذا لا ينفي عنها طبيعتها الفيزيائية.

فطالما كان غرس أقطاب كهربائية في الدماغ يؤثر عليه ويأتي بنتيجة ملحوظة للعيان، فلا بد وأن الكهرباء جزء يدخل في مكوِّنات الفكر بالتبعية؛ إذ أن غرس الأقطاب الكهربائية في الدماغ يحوّل الفكر من الوداعة والسكون إلى الشراسة والعدوانية. وأن الفكر منشأه الكيمياء، طالما كان هناك علاج للفكر بمواد كيميائية يصفها الأطباء لمن يعانون من آلام نفسية أو تشوّهات وانحرافات فكرية، وطالما كانت المواد المخدرة والغازات الحربية مثلًا تؤثر على الفكر وتُغير مساره. وبعض المخدرات لها القدرة على تغيير حاسة الزمن، مثل الإنثيوجين. بعد تناول جرعات كبيرة، الوقت ربما يظهر على أنه أبطأ أو أسرع. والمنشطات تجعلنا نُضخِّم القيمة الفعلية للوقت أما المسكنات تبطئها. وهذا ربما يرجع لمستوى هرمون الدوبامين والأدرينالين. وعقولنا لا تعدو كونها محركات آلية متعددة وبقدر تعدد غرفها وأنشطتها تتعدد نوعيات الوقود الذي تستهلكه من الهرمونات. وكلما اختلفت النسب والمقادير التي يتزود بها العقل من الوقود، اختلف أداؤه واختلف منتَجه النهائي.

وهذا يقودنا إلى إعادة نظرية الخلق إلى المادة الأولية للطبيعة التي خلق الله منها الإنسان، الماء والتراب، فكل كيان في هذا الكون حيُّ وأصله المادة (الذرة)، إذ يقول الخالق جل وعلا: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا. (1. الإنسان). وما ميز بين تلك الكيانات هو وجود الماء من عدمه، إذ يقول الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون. (30. الأنبياء).

فدخول الماء كعنصر من عناصر التكوين أدى إلى تطوّر وتعدد العمليات البينية للذرات والعمليات الجزيئية للعناصر الطبيعية، مما أضفى عليها خصائص فيزيائية جديدة، أهمها القدرة على الحركة من وسط إلى آخر، والتغيُّر والتحوُّل من صورة لأخرى، كما في ظاهرة الإسموزية، ثم تعقُد العمليات أكثر، ودخول عمليات على عمليات أخرى ينقلها من حيز الحركة البسيطة للمادة (الأملاح والمياه وعناصر التربة) إلى تلك الصورة البيولوجية في أجساد الكائنات الحية، ومن ثم قدرتها على التفاعل والاندماج مع/أو في كيانات أخرى، وبالتالي زيادة في الحجم ثم انشطار وإعادة بناء وهكذا، وكما يحدث في الانفجارات الكونية، من اندماج الأجرام الفضائية في بعضها لتتحوَّل إلى أجرامٍ ضخمة، ثم تنفجر مع حركة الزمن مُخلفة كيانات وليدة تدور في فلك الأصول التي انشطرت، لتمارس دورة حياتها عبر آلاف السنين.

فالفارق بين الحجر والطين والنهر الجاري هو نسبة تواجد الماء في كل منهما. والفارق بين النبات الأخضر والبزور الجافة والنبات اليابس هو نسبة تواجد الماء في كل منهم، وما ترتب على ذلك من حركة جزيئية في الأوساط البينية، وعمليات هدم وتحلل واستقطابٍ وهضم جزيئي، وحركة ذاتية في المادة؛ مما يعني حياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك