إنّ الإنسان، ككل نسيج طبيعي في هذا الكون، إذا كانت تسكنه الروح طالما ظل حيًا وتفارقه عند خروجه من الحياة، فهذا لا يخرجه أو يخرجها عن دائرة التكوين الفيزيائي المنبثق عن الطبيعة والممتد إلى كافة أنسجة الكون وخلاياه. ولا يجوز حصر البحث في الروح على مهمة أولئك – الماديين غير الربانيين – أو أن البحث فيها خروج بها من الروحانيات الغيبية والإيمان إلى المادية المجردة، اعتبارًا للتنافر الظاهري بين ما هو روحي وما هو مادي مجرد، كما لا يجوز كذلك حصر البحث في الروح على الكهنة رجال الدين من المتصوِّفة والزُهّاد؛ ذلك لأن الله جل وعلا عندما تحدث عن الروح، أخبر بأنها شيء من العلم وما أوتينا منه إلا قليلًا.

لأن الله تعالى جل شأنه، هو أوَّل من رد خلق الإنسان إلى أصوله المادية من التراب والماء (الذرات والعناصر)؛ أي أن الله تعالى هو الذي افتتح طريق البحث عن بداية الخلق وليس «الماديين أو الروحانيين». وهو من وصف الروح بأنها شيء من العلم، وإن كانت المساحة المسموح لنا بالبحث فيها تبقى محدودة بقدر العلم الذي توصلنا إليه، وبقدرة العقل على التحقيق والاستيعاب السوي، برغم ما يغالبنا حياءً من الله لمجرد الاقتراب منه بالتفكير في نظرية الخلق مع أنه الآمر لنا بذلك.

غير أن كافة العلوم الطبيعية قد بدأت في مهدها ذات صبغة روحانية فلسفية، ثم انتقلت تدريجيًا متحدية الروحانية الفلسفية إلى البحث العلمي فيما يشبه عملية الولادة المتعسرة، باعتباره ليس إلا وسيلة للاستقصاء والاستعلام المنظم عن الظواهر الطبيعية الغامضة، حتى استقرت لها قواعدها العلمية الرصينة، خاصة في مجالات علم النفس والطب النفسي وطرق العلاج. هذه المجالات، وبخاصة الاضطرابات النفسية، وحالات الصرع والهوس والهستيريا، كانت لا تُطرح مناقشتها من قبل إلا على رجال الدين باعتبارها نزغًا شيطانيًا، أو أن علاجها غيبي محض، حتى صار بإمكان العلم الحديث تناولها بمنطق علمي يعتمد الدليل والتجربة والبرهان سبيلًا في تفسير الظواهر الطبيعية.

غير أنه عندما يتحدث علماء العصر الحديث عن الروح خارج السياق الثقافي الموروث لها، فإنهم يتعاملون معها باعتبارها مرادفًا شعريًا لكلمة «النَفْس» بما لها من مدلول واسع يشمل عدة عوامل فيزيائية وعمليات ذهنية مثل الذكاء والفكر والوجدان والذاكرة وعوارضها، والتخاطر وصوره والنشاط الذهني والإبداع والإرادة.

فمن الملاحظ أن الله جل وعلا عندما تحدث عن العقل في القرآن الكريم ذكره بالصيغة الفعلية لا بالصيغة الاسمية (يعقلون، تعقلون، يدركون، يشعرون) وحينما تحدث عن الذاكرة ذكرها أيضًا بصيغة الفعل (لعلكم تتذكرون – تذكرون) وهذا ما نراه إشارة من الخالق العالم بصنعته إلى أن العقل ليس كيانًا ماديًا مُعيّنًا بذاته وإنما هو النشاط الفيزيائي الذي يقوم به الدماغ، فليس العقل في حد ذاته كيانًا ماديًا، بل هو وصف لحالة التشغيل (Operating system) ونظام الحركة والجهد الذي يبذله الكيان المادي، ولذلك نجد الله عندما تحدث عنه لم يذكره بالصيغة الاسمية التي توحي بالثبات أو أن له كينونة مادية ثابتة يمكن إدراكها، بل استعمل الصيغة الفعلية التي توحي بالتركيز على طبيعة الحركة الديناميكية وليس المادة المتحركة أو المنتجة للحركة. كما أن الروح وهي من خلْق الله ليست كيانًا ماديًا وإنما سمة يدخلها الله على العقل. فالعقل هو حركة وتفاعلات ذهنية تصنع فكرًا متدرجًا وشعورًا موازيًا في مراحل متسلسلة تنتهي إلى محطة شبه ثابتة أو مستقرة، هذه المحطة هي النتيجة التي وصل إليها الفكر بعد ترددٍ وتموُّج.

فالحياة – إن أمكن تفسيرها – باعتبارها ظاهرة طبيعية، لا تخرج عن النظام الفيزيائي المتعدد الأوجه في هذا الكون، أي أنها تتبلور في حالة (استمرارية الحركة في النظام وعملياته الداخلية)، والاستمرارية هنا هي الفرق بين حالة السكون والحركة. هذه الطاقة الحركية للمادة هي بطبيعتها نشاط فيزيائي وإن تعددت صوره.

وبهذا التفسير الفيزيائي يمكننا القول إن كل شيء في هذا الكون له حياة يباشرها بصورة تختلف عن غيره حتى وإن كانت المادة المنتجة لهذه الحركة هي ذاتها لم تتغير، مثل ما يحدث بأجهزة الحاسب الآلي التي يمكنها أن تعمل بنسخ مختلفة ومتعددة من التطبيقات الأساسية مثل أنظمة ويندوز ومالك وأيوس، فيتغير أداؤها بتغيُّر أنظمة التشغيل برغم ثبات المادة القائمة بعملية التشغيل.

إذ إن حياتنا تتمثل في طاقة الحركة الناتجة عن نشاط فيزيائي في وسط مادي مناسب، أي أن كل حركة بينية لجزيئات مادية هي حياة، وكلاهما يشكِّل الوسط الخلوي للأنسجة الحيوية؛ أي أن الحياة هي كل نشاط فيزيائي في المادة التي أصلها الذرة، وبالتالي يمكننا أن نطلق على الإلكترون المتحرك حول النواة صفة الحياة طالما ظل متحركًا على مداره، وأظن أنه ليس هناك تفسير أفضل من نسب نموذج بدائي من الحياة إلى الذرات أو الجزيئات. فالحياة أو النفس وفقًا لهذا المنظور ليست شيئًا موجودًا بصورة مجردة عن البدن وقبل قيامه، أو بعد قيامه واستوائه، بل هي جزء من الطبيعة ولا تخرج عن كونها نشاطًا جوهريًا في المادة، نتج عن تفاعل التكوينات الذرية تحت جهد كهربي معين في وسط كيميائي مناسب (السائل البلازمي)، بما يشكل حالة بيولوجية هي الوسط الخلوي للكائن.

لذلك؛ نجد الإنسان عندما يتوقف عن الحياة، بتعبير «تخرج روحه» تتوقف طاقة الحركة البيوفيزيائية في كافة أنسجته، أو أن دلالة الموت بتوقف نشاط الأنسجة، كما تتوقف القوة المغناطيسية عن الشريحة الممغنطة بمجرد الطرق عليها أو التسخين. فانتهاء ظاهرة الحركة الذاتية أو القوة المغناطيسية الكامنة داخل شريحة لا ينشأ إلا عند حدوث تغيُّر فيزيائي في طبيعة المادة، وكل ما في الأمر أن العلم الحديث تمكن من تفسير ظاهرة فقدان المعدن خاصيته المغناطيسية بالطرق أو التسخين، ولم يتمكن العلم إلى اليوم من تفسير ظاهرة فقدان الكائن طاقته الحركية، أو توقفه عن الحياة.

فبمجرد توقف الحركة أي الوفاة تتحول كافة الأجهزة الذهنية والعضوية من وضع الحركة إلى وضع السكون، وربما يزداد وزن الجسد عقب الوفاة، وهذا يعود إلى توقف حركة التيارات الكهروعصبية في الجسد؛ ذلك لأن الجسد بكامله ما هو إلا ذرات وعناصر وجزيئات ومركبات كيميائية، هي بطبيعتها أساس البناء الطبيعي في هذا الكون، ولا يمكن بأية حالٍ تجريدها من طاقاتها الداخلية (كهربية أو مغناطيسية أو كهرومغناطيسية)، أو قطع الروابط الفيزيائية الواصلة بينها وبين باقي محتويات الطبيعة التي هي أيضًا مكوَّنة من ذرات وعناصر وجزيئات ومركبات لها طاقتها من نفس النوع.

ففي حالة الحركة الكهربية، تنشأ طاقة مغناطيسية، عبارة عن تجاذب وتنافر بين تلك التيارات الكهربية السارية في التشابكات والوصلات العصبية لجسم الكائن وبين الأرض. فكلاهما يحمل قوة جذب مغناطيسية، الأولى ناشئة عن المغناطيسية الأرضية، والثانية ناشئة عن حركة التيارات الكهربية السارية في الشبكة العصبية لجسد الكائن، وطالما كانت التيارات الكهربية في جسد الكائن نشطة، فهذا يعني حتمًا أن تنشأ عنها طاقة تجاذب أو تنافر مع مغناطيسية الأرض؛ لأن تلك التيارات تتحرك بتوجيه النظام العقلي في الدماغ، لا بتوجيه مغناطيسية الأرض، وبالتالي، من الوارد أن تتحرك تلك التيارات في اتجاهات مختلفة، وخلال حركة أي تيار كهربي ينشأ عنه بالطبع فيض مغناطيسي يتنافر أو يتجاذب مع مغناطيسية الأرض عندما يتحرك التيار الكهربي في اتجاه معين أو بتوجيه الدماغ لا بتوجيه جاذبية الأرض.

بل إننا عندما نحرك سلكًا معدنيًا حركة أفقية على سطح الأرض (في سيارة مثلًا) ينشأ داخل السلك تيار كهربي يتناسب طرديًا مع حركة السلك (سرعة السيارة)، وبتغيير اتجاه حركة السلك، يتغير فورًا اتجاه التيار الكهربي المتولد داخله نتيجة تأثره بمغناطيسية الأرض، وعند تمرير تيار كهربي في سلك، ينشأ لدينا احتمالان، الأوَّل أن يتوافق الفيض المغناطيسي الناشئ عن التيار الكهربي مع مغناطيسية الأرض، فيحدث تجاذب بين السلك والأرض، أي يزداد وزن السلك، والاحتمال الثاني، أن يتصارع الفيض المغناطيسي الناشئ عن التيار الكهربي في السلك مع مغناطيسية الأرض، فيحدث تنافر بين السلك والأرض، أي يقل وزن السلك (كل احتمال حسب وضع السلك أفقيًا واتجاه التيار المار فيه).

 وكذلك الحال في البوصلة المغناطيسية، إذا ما كانت حرة على حجر عقيق أو مُعلَّقة في خيط حر، فتتجه أقطابها بما يتوافق مع مغناطيسية الأرض، أي يحدث تجاذب بين قطبي البوصلة وقطبي الأرض فيزداد وزن البوصلة نسبيًا، والعكس، عند تغيير وضع قطبي البوصلة مع قطبي الأرض، القطب الشمالي للبوصلة تجاه القطب الشمالي للأرض، والقطب الجنوبي للبوصلة تجاه القطب الجنوبي للأرض، فيحدث تنافر بينهما، فيقل وزن البوصلة.

لكن في حالة الجهاز العصبي لجسم الإنسان، فلا يتولد داخله تيار كهربي عند الحركة أفقيًا على سطح الأرض، وإنما يحدث بالمقابل تنافر وتجاذب بين مغناطيسية الأرض والفيض المغناطيسي الناشئ عن حركة التيارات الكهربية في أطراف الجهاز العصبي لجسم الكائن، لأن هذه التيارات لا تنشأ نتيجة مغناطيسية الأرض، وإنما بنشاط الدماغ. وعند الوفاة، تتوقف كافة التيارات الكهربية في كافة أطراف الجهاز العصبي (تتوقف الحركة بمفهومها الشامل. تتوقف الحياة؛ تتوقف الروح مجازًا)، فيحدث توقف تلقائي لحالة التنافر بين مغناطيسية الأرض والفيض المغناطيسي المصاحب لحركة تلك التيارات الكهربية في الجهاز العصبي، حيث تتحرر الطاقة الكهربية في الجسد من تبعيتها وخضوعها للنظام العقلي الذي توقف عن الحركة، وتصبح في تبعية وخضوع لمغناطيسية الأرض.

فبدلًا من التنافر بينهما يتحول إلى طاقة تجاذب، فمغناطيسية الجسد في هذه الحال تصبح حرة مثل «البوصلة» تتجه أقطابها بما يناسب مغناطيسية الأرض ويتجاذب معها. ومن هنا تتحول طاقة التنافر بين مغناطيسية الأرض والجهاز العصبي أثناء الحياة إلى طاقة تجاذب بينه وبين الأرض بعد الوفاة، وهذا ما يجعل وزن الجسد البشري يتغير عقب الوفاة مباشرة. والحياة أو طاقة الحركة البيولوجية في الكائن لا تخرج فجأة وبصورة كلية، وإنما تتسرب منه خلال وقت طويل نسبيًا، ولهذا السبب قد لا نلحظ تغيرًا مفاجئًا في وزن الجسد لحظة توقفه عن النبض. فما الإنسان إلا جزء من الطبيعة، منها وإليها يعود[4]. فالحياة إذن هي طاقة الحركة بمدلولها الفيزيائي الدقيق. فهي لا تتواجد ولا تبدأ في كل كائن على حدة، وإنما تنتقل مع الخلايا الجذعية من جيل إلى جيل خلال عملية التناسل والتكاثر، فالحياة لا تنفد ولا تُستحدث من العدم. أي أن خلقها غير ممكن، وفناؤها غير واردٍ إلا بإذن الله.

ولئن كانت الصور الثلاث للطبيعة، الجماد والنبات والحيوان تعود جميعها إلى أصل واحد هو المادة الأولية لهذا الكون (الغبار الكوني الذي تكوَّنت عنه الذرة). حيث تطوَّرت العناصر والمركبات وتشكَّلت منظومات فيزيائية وكيميائية، وباتحادها مع الماء تتشعب خصائصها الفيزيائية للمساهمة في نشأة كائن دقيق، ما زال من الصعب تحديد هويته ونسَب أصله إلى البكتريا أو الفيروسات أو حتى الجماد؛ فهو عبارة عن حمض نووي (سلسلة من المركبات الكيميائية) يحيطه غشاء بروتيني، وبرغم ذلك فهو قادر على التكاثر والحركة والغذاء (أي استهلاك مادة فيزيائية بغرض تحويل الطاقة من صورة إلى أخرى خلال عمليات التنفس الخلوي). إذن، فيه حياة، ولكن هل فيه روح؟

فماذا تعني الروح بعيدًا عن الحركة إذا كانت الحياة هي طاقة الحركة بمدلولها الفيزيائي مهما تعقدت خيوطها وتعددت صورها.

فالنشاط الفيزيائي الذي ينتج عن تفاعُل المادة كيميائيًا في ظروف فيزيائية معيَّنة، فيؤدي هذا إلى تغيُّر خصائصها الفيزيائية، وما الحركة والتكاثُر في هذه الحال سوى سلسلة تغيُّرات في الخصائص الفيزيائية للكائن. وباستمرار هذه التغيرات، تستمر دورة حياة الكائن وتتجدد مع تراكم التغيرات، أو تتوقف بانتهاء تلك السلسلة من التغيرات. وفي هذه الزاوية الدقيقة، عندما نحاول البحث عن الحياة، سنجدها لا شيء سوى طاقة الحركة الفيزيائية بعد أن تطورت إلى صورتها البيولوجية المعقدة، وصارت جملة حركات متوازية ومتوالية ومع كل حركة تتغير الطاقة من صورة لأخرى، وتتدرج مستوياتها في الرقي والتعقيد حتى تصل إلى الكائن البشري في أبهى صورة، فتبدو حياته أكثر بهاءً من حياة الطبيعة، وكأن شيئًا حلَّ علينا بطيفه من وراء الطبيعة[5]. فالنموذج البسيط للحياة في الجزيء لا يختلف كثيرًا عن النموذج الكبير للحياة في مُركّب أو في كائنٍ حيّ، سوى في كمّ التنوّع في الجزيئات التي احتواها هذا الأخير مما قطع صلته ظاهريًا بأصله.

فهناك خلط ما بين الحياة والروح، والروح هنا ليس المقصود بها ظاهرة الحياة البيولوجية، والتي تعطي الكائن قدرته على الحركة والتكاثر والنمو، وهذا بالطبع يخرج عن المفهوم الديني للروح، والتي هي صفة من صفات الله، فالله قد منح الحياة – الظاهرة البيولوجية موضوع البحث – لكثير من المخلوقات، لكنه اختص الإنسان بصفة من صفاته وزكى بها رُسله وأنبياءه، فقال تعالى متحدثًا عن خلقه لآدم عليه السلام «ثم سواه ونفخ فيه من روحه» (9/ السجدة).

يقول المهندس عدنان الرفاعي في كتابه «القَدَر» هكذا نفْخ الله الروح في آدم عليه السلام كان بعد تسويته إنسانًا كاملًا ولا يعني نفخ الروح فيه إعطاءه سرّ الحياة في جسده كما يتصور الكثيرون. فالعبارة القرآنية (فإذا سويته) تعني اكتمال خلقه كإنسانٍ وليس صنمًا… والعبارة القرآنية ﴿ونفخت فيه روحي﴾ تعني وزكيته وأعطيته مددًا مني وصلة وقربةً إليّ. ولما كانت كمية الروح الذي نفخ في عيسى عليه السلام أكبر من الذي نفخ في آدم عليه السلام حيث عيسى عليه السلام روح الله تعالى (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)، لذلك نرى أنّ عيسى عليه السلام ولد نبيًا. بينما آدم عليه السلام أتته النبوة بعد توبته التي قبلها الله تعالى منه بعد أن عصى الله تعالى في جنة الاختبار. فهكذا ميز الله جل وعلا بين البشر بقدر ما منحهم من روح السلام والهداية.

وفي مواضع أُخرى من القرآن تأتي كلمة الروح بدلالة السلام أو الوحي أو القرآن ذاته. لكننا حينما نتحدث عن الخلق – الظاهرة البيولوجية – نجد القرآن الكريم يستخدم كلمة «النفس»، فيقول تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء» (1/ النساء).

كما أن كلمة «النفس» أكثر اقترانًا بقضية الخلق في كافة آيات القرآن، أما كلمة الروح، فقد جاءت في مواضع يستحيل صرفها إلى ما يخص قضية الخلق من قريب أو من بعيد، وإن كُنّا نرى أن مدلول الروح ينصرف إلى أفكارنا ومشاعرنا الإيمانية. أي أن الروح هي المسار الإيماني الذي كتبه الله علينا ورزقنا به في حياتنا، فالروح هي جزء من العقل وصفة داخلة عليه، وقد يأتي هذا الرزق لبعض الناس دون بعضهم وهم جميعًا أحياء عقلاء. وكذلك يرزق الله النبات حياة دون روح. إذ يقول جل وعلا في كتابه «وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ».

ونلاحظ قوله جل وعلا موجهًا خطابه إلى الملائكة «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» (29 الحجر). فالروح التي نفخها الله في آدم عليه السلام ليست هي خاصية الحياة والحركة، وإنما هي صفة من صفاته العلا، ميز الله بها آدم عن الملائكة وأمرهم بالسجود له. وفي موضع آخر يقول الله تعالى «وأيدناه بروح القدس» (البقرة/ 253). وهذا أبلغ تعبير عن مضمون الروح، إذ إن المعنى يؤكد حتمًا أنه كان حيًا يفكر ويعقل ويتحرك قبل مرحلة التأييد بروح القدس وأن روح القدس هي صفة أو سمة تأييد وهداية وليست ظاهرة الحياة البيولوجية. ويقول أيضًا «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا (الشورى/ 52). فالروح وفق هذا المنظور هي الوحي. لكننا عندما نتناولها بالبحث والدراسة، فنحن نبحث عن القاعدة السيكولوجية لها في الدماغ البشري، والتي ينحصر مفهومها في مصطلح «النَّفْس» أي النظام السيكولوجي في الدماغ البشري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد