اتصل بي شخص بعد الانقلاب العسكري بمصر يُدعى الأستاذ يحيى؛ وعرف نفسه بأنه أحد المتابعين لمحاضراتي ودوراتي التدريبية، ثم بادرني بسؤالٍ استنكاري مغلف بخليط من مشاعر المحبة لي والغضب مني: «لماذا تُقحم التنمية البشرية في السياسة؟»، ولماذا ترفض ما فعله السيسي في «الثلاثين من يونيو»؟

فبادرته بالترحيب، ثم ذكرته بمحاضراتي حينما كنت أتحدث عن التنمية البشرية، والتي تعني التغيير وأنها قائمة على التطوير والانتقال من حال إلى حال أفضل، فمن الطبيعي أن يصطدم قطار التنمية البشرية بصخرة الانقلاب؛ فالتنمية البشرية تنمو في ظل الحريات والإبداعات، أما الانقلابات فتنمو في بيئة الكبت والاستبداد والنمطية، وبالتالي استحالة تزاوج التنمية البشرية ذات الوجه المتجدد المتطور بالانقلابات ذات الوجه العبوس المُتجمد.

لذلك حينما وقفت الدولة العميقة أمام بذور الربيع العربي وأوائل تجارب الديمقراطية وظهرت بوادر الانقلابات؛ انتفضت التنمية البشرية لتدافع عن شريان حياتها ومناط كيانها، وصارعت كل من أراد أن يُسقط تلك التجربة، ويستبدل الاستبداد بالحرية، والنمطية بالإبداع، والتراجع بالتطوير، والتحجر والتوقف بالتغيير، وها أنا أسمع صوت بكاء المسكينة وأرى دموعها على خدها، فلم تكد تَهنأ التنمية البشرية إلا وقطع الانقلاب أذرعها، وتمكن من حبس أنفاسها، وهي الديمقراطية والحرية.

ثم سارعت قبل أن أختم مع الأخ يحيى بأن هذا الأمر لم يكن تدخلًا في السياسة، فنحن نحترم التخصص وكل علم له رجاله، ولكن كان التدخل حفاظًا على كيان وحياة التنمية البشرية الصحيحة التي تتنفس وتنمو في ظل الحريات. فشكرني الأخ يحيى، ولم يستطع أن يعارضني حيث المنطق والموضوعية، وقد عاش هذه المعاني أثناء حضوره التدريب معي، إلا أنه لم يتواصل معي بعد ذلك، وقد علمت أن له ابنًا يريد أن يلحقه بكلية الشرطة.

لكن بعدما انتهيت من الرد، أخذت أبحث عن مؤشرات ودلائل لتأكيد ما طرحته على الأخ يحيى فتبين لي ما يلي:

– زيادة مراكز وشركات التدريب بعد ثورة يناير بشكل ملفت للنظر.

– تصاعد الإقبال على التدريب والمحاضرات التنموية، لدرجة أن معظم المدربين كان لديهم حَجز لمُدَد طويلة مسبقة، حتى إننا لم نستطع الوفاء بطلبات الجمهور وأداء الدورات والمحاضرات لكثرتها.

– بعد ثورة 25 يناير زاد عدد الجمعيات الأهلية والشبابية؛ والتي أدخلت في برامجها دورات التنمية البشرية، ففتحت الصالات والساحات لمؤتمرات التنمية البشرية مع حضور الآلاف من الشباب.

– ظهرت أيضًا القنوات الفضائية المتخصصة في التنمية البشرية؛ لسد حاجة الإقبال على هذا المجال.

– كثر عدد الأحزاب والكيانات السياسية، التي حاولت التواصل مع الكتل الانتخابية والشبابية، من خلال الدعوة لمحاضرات ودورات التنمية البشرية.

وفي المقابل بعد اعتقال ثورة 25 يناير والإجهاز على آمال الربيع العربي، انكمش طموح الشباب، وتجمدت الأهداف في مخ أصحابها، وزهد الشباب في التغيير؛ فقعدوا عن التطوير وعن تنمية ذاتهم، وانخفض صوت التنمية البشرية، وباتت مراكزها ومؤتمراتها خاوية على عروشها، وتراجعت وتلاشت نقابات التنمية البشرية المستقلة، وقد كنت رئيس مجلس إدارة إحداها، وذلك بعدما انتشرت في القاهرة وغيرها من المدن بعد الثورة.

كيف لا، وقد انصرف الشباب وهم أعمدة التنمية البشرية عن المشاركات السياسية، ومنها الانتخابات، كيف لا وقد فقد الشباب حماسة التطوير والتنمية، وأُغلِقَ في وجهه الطموح والارتقاء والتخطيط لمستقبله، كيف لا وأولاد التنمية البشرية من الشباب وغيرهم من روادها ما بين معتقل وشهيد ومطارد وفاقد الأمل، فانحصرت الدورات التدريبية والمحاضرات التنموية، وبات يغلب على المتبقي من رائحتها بعض المحاضرات والدورات البائدة القديمة، التي يجري استرجاعها من الأرشيف، ومع ذلك لا بد من تغليفها ببعض الكلمات الإعلامية التي تمجد في الحاكم، ويُدس بها بعض السموم السياسية التي تتماشى مع مزاج النظام.

فأصبحت التنمية البشرية بعد الانقلاب على ثورات الربيع العربي بلا جمهور، بلا مضمون، بلا روح، مثل باقي مجالات الحياة، إلى أن تُروى بمياه الحرية مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد