صورة الدجّال الذي يجلس في غرفة نصف مظلمة، وفي قبالته بخور يزجره بلغة مسجوعة لم تعد هي صورة الاستغفال المعاصر، فمفاهيم الشعوذة اختلفت كثيرًا، ولم يبق من تلك الصورة الكلاسيكية شيء للأسف. صورة الدجّال اليوم الظلمة بالضوء، والدمامة بالوسامة، والملابس الواسعة والدكناء بـ«القاط والرباط»، أقول للأسف وأجزم أن المشعوذ القديم أفضل لنا كثيرًا. مشعوذو هذا العصر هم مدربو «التنمية البشرية».

أناس عاجزون حتى عن إدارة منازلهم، يبيعون الوهم لطالبي التغيير والتطوير، شجعهم على ذلك المهووسون بالتنمية البشرية الذين يعتقد الواحد منهم بأنه سيتحول من فاشل إلى ناجح في لمح البصر من مجرد كلمات يلقيها على مسامعه ذلك الواهم.
لطالما تساءلت: هل من الممكن أن يكون هذا غضبًا من الله عليّ؛ ألا أستطيع الاعتراف بما يسمونه علم التنمية البشرية، أو تقدير قيمته العظيمة والانتفاع منها، وأن أعتقد أن ما توصلنا إليه أو وصلنا من هذا العلم قد وصل مشوهًا يعتوره الخلل والقصور في صلب تكوينه ومنهجه، ثم هل يتوجب عليّ أن أنتحب وألعن حظي وأتحسر على الخير الكثير الذي فاتني لهذا السبب؟! ثم إن عقلي المريض والشيطان الذي يعبث به يلح عليّ ويوسوس لي بتساؤلات أخرى: كيف يكون هذا الشيء علمًا له وظيفة يتجسد من خلالها في حين يمكنني خلال أسبوعين فقط أو شهر كما يمكنك أيضًا أن تحصل على شهادة تمنحك أو تجعلك تمنح نفسك لقب مدرب تنمية بشرية عن طريق دورة تدريب والتثقيف في بعض الكتب؟
ما أعرفه عن العلم أنه شيء لا يمكن أن نمتلكه بهذه السهولة؛ تراكمي، عميق، ويتم امتلاكه تدريجيًّا وعلى مدى طويل نسبيًّا. العلم هو المعرفة النظرية، ولكي تصبح متخصصًا في مجال مهني معين عليك أن تمتلك هذه المعرفة جيدًا، ثم تليها القيام ببعض التدريبات التي ستكسبك خبرة عملية قبل أن تكون قد تهيأت تمامًا لأن تكون أهلًا وكفئًا لهذه الوظيفة. كل هذا يأخذ كثيرًا من الوقت، ولا يمكن أن يحدث في أسبوعين، أو شهر، أو حتى سنة كاملة.
في أيامنا هذه، يتهافت الناس ويتكاثرون في إقبالهم على ما يسمى «تنمية بشرية». إن جاز أن نطلق على هذا مصطلح العلم فهو العلم الذي يضر بالإنسان من حيث لا يدري، ومن حيث يعتقد خطأ أنه ينفعه! شعارات تغيير الحياة إلى الأفضل، تطوير الذات، الصورة الوردية المخاتلة التي يمتلكها الناس عن هذا العلم المزعوم؛ الناس الجاهزون لتلقي أي شيء لا يسعون ويكدون في تكوينه، وليس لهم أي دور في إنتاجه، في عصر الاستهلاك البغيض، يأتيهم على بساط الراحة دون بذل مجهود، فاستهلاكهم لا يتوقف على الأشياء المادية والمحسوسة فقط؛ بل يتجاوزه إلى كل ما هو معنوي من علوم وثقافة وأفكار. البعض لن يمانعوا في شراء واستهلاك عقل إن كانت العقول تباع وتشترى بالمال! لكن ما حاجتهم إلى ذلك وعقولهم يتم تصنيعها وتعليبها دون أن يطلبوا، تعبأ في كراتين مجتمعية لأجل خدمة أي شيء وأهداف المصنعين، فانظروا إلى أين وصلنا؟ كل هذا الكسل!
سيقول قائل: ما علاقة هذا بموضوعنا؟ أقول له: كل هذا ساعد في انجذاب الناس إلى «التنمية البشرية»، بما أنها مثل أشياء أخرى كثيرة في عصر الاستهلاك والعولمة والتكنولوجيا، حين تكون العقول متبلدة تمامًا، والناس جاهزين لاستقبال أي شيء يتم التسويق له دون مقاومة أو تفكير، والتنمية البشرية سوقها رائج، والشيء الآخر هو أن مُسمى التنمية البشرية في حد ذاته كذبة كُبرى، فهي لا «تنمية»، ولا تستطيع أن تُفيد البشر كافة، وبمعنى أوضح أريد أن أطرح سؤالي التالي على كل من اعتبر نفسه مُدرب تنمية بشرية، ما الذي تستطيع التنمية البشرية أن تُقدمة للمواطنين السوريين مثلًا أو للعراقيين أو لليمنيين، أو للمواطن الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال الغاشم الصهيوني؟ ما الذي تستطيع أن تقدمه لهؤلاء الذين يعانون التشريد والقتل والحروب الأهلية؟ ماذا تفعل لللاجئين وقاطني المُخيمات؟ وبديهي جدًّا أنها لا تستطيع أن تقدم لهم أي شيء مفيد، إذن هي ليست بتنمية، ولا تستطيع أن تقدم يد العون إلا لبعض البشر، وبالقطع أصحاب الطبقة العليا، وهذه هي كذبة أخرى.
لذلك أنا أرفض هذا الهُراء شكلاً ومضمونًا؛ لأنهم محض أشخاص يجيدون فن السفسطة مُستغلين جهلنا في سبيل أن تزداد ثرواتهم. وهؤلاء في رأيي أيضًا هم أشخاص يعيشون في عالم موازٍ، يغضون البصر عما يدور في هذا الكوكب من استعمار وحروب أهلية، ومن خطر الأخطبوط الرأسمالي الذي يُسيطر على كافة الشعوب الكادحة، والتي هي بالنسبة له مجرد ترس في آلة رأس المال، وأخيرًا أود أن أقول:
هنيئًا لهم هُراؤهم، وهنيئًا لنا بصيرتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد