راحَ علاء الدين يركض بسرعة في أنحاء القصر هاربًا من حراس الملك قبل أن يصل إلى سطح القلعة. لم يكن هناك أي مفر له، فالحراس يقتربون وعلاء الدين فوق سطح القلعة، هنا قال زعيم الحرس بصوت عالٍ: “حسنًا يا علاء الدين، يبدو أنك وقعت في أيدينا أخيرًا!!”.

 

ابتسمَ علاء الدين وكأنه في انتظار أمرٍ ما وبدون مقدمات قفز علاء الدين من فوق السطح. ومع ذهول الحراس، انطلق علاء الدين محلقًا بعيدًا مع البساط.. البساط السحري لعلاء الدين.

 

 

يمثل هذا الجزء من قصة “ألف ليلة وليلة” حلمًا بشريًّا قديمًا بالطيران، والذي أسر العقل البشري منذ القرون الأولى للبشرية وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من نجاح الإنسان في تحدي الجاذبية من خلال اختراع الأخوين رايت عام 1903 للطائرة، إلا أن هذا الاختراع لم يُشبع الغريزة الإنسانية بالطيران دون الحاجة إلى معدات وأدوات ضخمة!

 

فلا يزال الإنسان “الحديث” يحلم بطيران ناعم دون الحاجة إلى أي ميكانيكا أو أي معدات أخرى.. فهل هذا ممكن؟!!

 

هل من الممكن للإنسان أن يطير دون حرق ميلي واحد من الوقود؟!

 

يعتقد المختصون والخبراء أن حلم الطيران قد بدء منذ زمن بعيد، فجميع المخطوطات القديمة في جميع الحضارات – سواءً البابلية أو المصرية أو الصينية وحتى اليونانية– تشير بشكل أو بآخر إلى احتمال تمكن البعض من تحقيق حلم الطيران، فنجد العديد من القصص المتنوعة ابتداءً من التراث الهندي وانتهاءً بالعربي حاملةً في طياتها هذا الحلم، ولعلَ خدعة “الحبل الهندي” من أبرز الموروثات الهندية في هذا المجال.

 

 

 

 

الطيران عن طريق الحبل الهندي:

 

 


 

تعود فكرة الحبل الهندي إلى إشاعة بأن بعض الفقراء في شوارع الهند يقومون بالعزف على الناي نغمات مختلفة، وتقوم هذه النغمات بجعل حبل ضخم ينتصب بالتدرج في تحدٍ سافر للجاذبية، ثم يقوم طفل صغير بتسلق الحبل الذي يختفي عند وصل الطفل للقمة!!

 

وقد أثارت هذه الخدعة الشهيرة حفيظة العديد من المهتمين بعلم “ما وراء الطبيعة” حول العالم، فراحوا يبحثون عن السر الكامن وراءها، كما وضعت “المنظمة البريطانية لفن الوهم” جائزة ضخمة لأي ساحر يستطيع أن يؤدي هذه الخدعة لا سيما أن لا أحدًا شاهدها من قبل!!

 

فسافر عدد كبير من الباحثين والمهتمين وأهل الاختصاص إلى الهند للبحث عن سر خدعة الحبل الهندي وهناك كانت المفاجئة، لم يجدوا أي شخص في الهند يعرف كيف يؤدي خدعة الحبل الهندي والأدهى من ذلك أن لا أحدًا سمع بهذه الخدعة هناك!!

 

مما أثبت بالدليل القاطع أن هذه الخدعة لم تكن إلا مجرد إشاعة تناقلتها وسائل الإعلام والسبب وراء هذا هو الحلم البشري بتحدي الجاذبية الأرضية.

 

الطيران عن طريق اليوغا:

 

 


 

في الستينات من القرن العشرين ادعى ناسك هنديّ يدعى

“ماهاريشي ماهيش يوغي” إمكانية الطيران عن طريق استخدام الطاقات الداخلية الكامنة واليوغا!

 

واستطاع خلال سنوات قليلة تكوين قاعدة كبيرة لطرق مختلفة لممارسة اليوغا، والتي راح يقدمها للعالم من خلال سلسلة من الكتب والمحاضرات المختلفة. وخلال زيارته الشهيرة للولايات المتحدة الأمريكية افتتح هناك جامعة خاصة لتعليم ممارساته في اليوغا، وانضم إليها ملايين الأمريكيين ممن تأثروا بالدعاية التي سبقت “ماهاريشي” ولم يمضِ عام حتى انضمت أشهر فرقة في ذلك العصر “البيتلز” لدوراته مما أعطاه هالة إعلامية ضخمة جدًّا.

 

 

لكن الغريب في الأمر أن ادعاء ماهاريشي بأنه يستطيع الطيران وقهر الجاذبية قد أدى إلى توصيل فكرة غريبة للناس حول العالم، وهي أن بممارستهم لليوغا سيستطيعون الطيران حقًّا!

 

 

وحتى في عالمنا العربي انتشرت هذه الخدعة كثيرًا، فكم سمعنا أن لاعبي اليوغا يستطيعون الطيران!! لكن العجيب في الأمر أننا لم نر إطلاقًا أي لاعب يوغا يرتفع ولو بمقدار ميلي واحد عن الأرض.

 

وللتحقق من ذلك قام فريق من محطة بي بي سي بالذهاب إلى جامعة ماهاريشي للتأكد من إمكانية طيران ممارسي فن اليوغا، وهناك كانت الصدمة، الشيء الوحيد الذي كان يفعله المتدربون هو الجلوس على أرضية إسفنجية والقفز على مؤخراتهم!!

 

 

نعم أخي القارئ أنت لم تخطئ بالقراءة، ما يفعلونه لا يتعدى كونه مجرد قفز!!

 

يقول “رود فليك” أحد المتدربين في جامعة ماهاريشي: إنه يشعر أثناء القفز أنه من الداخل يطير وهذا كافٍ بالنسبة له! ويدعي متدربو ماهاريشي أنه يمكنك الطيران دون قفز عند وصولك للمرحلة الثالثة في اليوغا وهي المرحلة التي لم يصل إليها سوى ماهاريشي العظيم الذي لم يراه أحد قط وهو يطير بدون أن يقفز.

 


 

الطيران من الناحية العلمية:

 


 

بعيدًا عن خرافات المشعوذين والناسكين الهنود وانتقالًا إلى الناحية العلمية.. هل من الممكن أن يتحقق حلم الطيران؟!

 

 

 

استطاع البروفسور “توم ميلن” من جامعة مانشستر تحدي الجاذبية الأرضية وجعل سلكًا ينتصب باستخدام جهاز يطلق ذبذبات سريعة على السلك تجعله يرتفع وينخفض بسرعة كبيرة حتى يتوازن، ورغم أن الفكرة غير مثيرة من الناحية العلمية إلى أنها فتحت المجال أمام المزيد من تجارب الطيران وتحدي الجاذبية.

 

كما اهتم أيضًا البروفسور “إريك روبرت لييوثيت” بتقنية الطيران، واستطاع من خلال تطويره للموتور الخطي أن يمهد لاختراع أول قطار يستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية لكي يرتفع عن الأرض وبالتالي يلغي قوة الاحتكاك مما يمنحه سرعة هائلة.

 

ورغم أنه قدم المشروع في بريطانيا إلا أنهم لم يهتموا به لتكاليفه العالية، ليلتقط الفكرة كل من اليابان وألمانيا وينفذانه في صنع أسرع القطارات في العالم التي تصل سرعتها إلى ما يقارب 500 كيلو متر في الساعة.

 

 

 

أما في مجال الطيران الشخصي فقد تمكن “بيل أيروزيستيمس” من صنع أول حقيبة صاروخية شخصية يمكن ارتداؤها معتمدةً على بيروكسيد الهيدروجين كوقود لها، وقد حصل هذا الاختراع على شهرة واسعة بسبب استخدامه في المشهد الأول من فيلم جيمس بوند “كرة البرق”.

 

 

وعلى الرغم من أن هذه الفكرة برّاقة لكنها لم تحظ بانتشار سوى بالحفلات الخاصة التي تقيمها ديزني لاند بالإضافة لأولمبياد أتلانتا وبعض المسلسلات والأفلام، ويعود ذلك إلى محدودية مسافتها وتكلفتها الباهظة جدًّا.

 

وهنا نجد أن حلم الطيران ليس حلمك الشخصي فحسب، بل حلم لمعظم البشر على سطح كوكبنا.. ابتداءً من “عباس بن فرناس” العربيّ القرطبيّ الذي حلّقَ مستخدمًا ريش الدجاج وليسَ انتهاءً بـ”ماهاريشي” وأتباعه أصحاب القفز عن طريق فنون اليوغا.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد