إن العلاقة بين الإنسان والبيئة ليست بجديدة، وقد تختلف من علاقة وفاق وتكامل إلى علاقة صراع، وذلك بناء على طرق تعامل الإنسان مع مكونات البيئة لتوفير حاجاته وضمان بقائه. ومن الملاحظ حول العالم أن أشكال استغلال الإنسان للمجال الذي يعيش فيه تختلف حسب تنوع الأوساط الطبيعية والمواد المتوفرة فيها، إضافة إلى طرق تكيف الإنسان مع هذه العناصر. تعتبر القصور والقصبات والواحات الشبه جافة في المغرب أحد النماذج الهامة لتكيف سكانها مع خصائص ندرة المياه والحرارة المرتفعة، فبهذه المناطق الفقيرة بالمغرب اجتمعت مهارات التكيف وبساطة العيش، فأفرزت أساليب تقليدية نموذجية في الحفاظ على البيئة. تتنوع هذه الأساليب من سلوكيات يومية كطرق التعامل مع المخلفات اليومية إلى مهارات زراعية وعمرانية كالعمارة الطينية واستخدام نظام الخطارات.


العمارة الطينية

يبدو جليًا في يومنا هذا الانفصال الملحوظ عن ثقافة المجتمع وتراثه الوطني بالتوجه إلى مفاهيم جديدة في التطور العمراني أحدثتها ثورة البناء بالإسمنت تماشيًا مع تنامي النشاط الاقتصادي والصناعي للإنسان. وقبل الاكتساح الهائل لطرق البناء الإسمنتية، تعددت منذ القدم أشكال استغلال الإنسان للوسط الطبيعي لانتقاء مواد بناء بشكل يناسب بيئته وإمكانياته. وقد لعبت بعض العوامل البيئية كالمناخ ونوعية التربة والمواد المتوفرة في المجال الجغرافي دورا هاما كمحددات لنوع العمران فيه. ولعل القصور والقصبات أحد أبرز الأمثلة الشاهدة على استجابة السكان للمحددات البيئية بمنطقتهم في مجال البناء من جهة وشاهدة على التنوع اللافت للهوية المعمارية القديمة بالمغرب من جهة ثانية.

انطلاقًا من الشمال الشرقي للمغرب مرورًا بواحات درعة، وواد زيز، ومنطقة تافيلالت الكبرى، تمتد مشاهد عمرانية من البناء الطيني فيها ما هو واهن وشاغر، وما هو قائم وعامر. فمنطقة تافيلالت نموذجًا تقع خلف جبال الأطلس الحاجزة للكتل الرطبة القادمة من المحيط كما تتأثر بالرياح القادمة من الصحراء؛ مما جعل مجالها الجغرافي يتميز بالكثبان الرملية والأرض الصلدة والأجواء اللاهبة الحرارة في الصيف وقد عرف فيها أن البناء الطيني المجبول بالقش يحفظ الإنسان من برد الشتاء وحرارة الصيف.

أكدت دراسات حالية عديدة أن العمارة الطينية عمارة عضوية صديقة للبيئة تزيد جودة العزل الحراري وتناسب بيئتنا بشكل كبير. ففي دراسة للباحث جيرنوت مينكي وثق فيها العديد من المباني الطينية حول العالم محاولًا تحديد خصائص مواد البناء الطينية، وسبل تطبيقها في العمارة الحديثة، أكد الباحث أن للعمارة الطينية مزايا عديدة زيادة على جاذبيها وجماليتها، حيث تمنع البيوت الطينية دخول ذرات الغبار الصناعي عبر جدرانها كما تصد الموجات الكهرومغناطيسية القادمة من الغطاء المحيط بالأرض، فضلًا عن حفاظها على رطوبة الجو بنسبة 50% خاصة في الغرف الداخلية.

كما تتوجه العديد من بلدان العالم نحو اعتبار البناء بالمواد الترابية المحلية أحد أهم مفاتيح التنمية المستدامة. يسعى مركز التراث العالمي لليونسكو على سبيل المثال من خلال برنامج الهندسة المعمارية للبناء بالطين في التراث العالمي بإشراف عدد من المهندسين المعماريين والعاملين في مجال صون التراث عبر العالم إلى توثيق المعارف المتعلقة بالعمارة الطينية وتوسيع نطاقها ونشرها وذلك لما تنطوي عليه من إمكانيات لمكافحة الفقر وحماية البيئة.

 

الخطارات

ومن الأساليب التقليدية النموذجية الأخرى في الحفاظ على البيئة بواحات تافيلالت، تقنية تقليدية عريقة للتحكم في الموارد المائية الجوفية وتعبئتها معروفة منذ القدم بالخطارات. هذه الأخيرة هي عبارة عن قنوات باطنية تجلب المياه من الفرشة المائية نحو سطح الأرض عن طريق الانحدار، وتكون القناة الباطنية مرفقة بآبار للتهوية، فلعبت بالتالي دورًا هامًا كتقنيات لتعبئة الموارد المائية وساهمت في استدامة الواحات وفي توطين السكان في مناطق مناخية صعبة.

ومع انتشار أزمة التغيير المناخي العالمي وفي ظل ندرة الموارد المائية وضرورة تدبير مائي نموذجي، كثر الحديث عن هذه الأساليب التقليدية في العديد من المشاريع الهادفة إلى حل الأزمة المائية ومواجهة موجات الجفاف. ففي إطار فعاليات «المؤتمر 22 لأطراف الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (COP22)»، قدمت مؤسسة مفتاح السعد للرأسمال اللامادي دراسة حول الفعالية البيئية لنظام الخطارات حيث اعتبرته تراثًا إيكولوجيًا يمكن من تقنين الحصول على الماء دون الإضرار بالوسط الطبيعي ويساهم في استقرار السكان ومحاربة التصحر وتثمين الموارد المحلية. ومن أبرز ما يميز الخطارات أيضا هو نقل المياه وتوزيعها بشكل عادل على مسافات طويلة يمكن أن تصل إلى 20 كيلومتر في ارتباط بالتدرج المائي، وانحدار التربة، ومستوى الفرشة المائية، كما يمكن أن يصل مردودها إلى 80%.

 

أساليب تدوير المخلفات

تشير العديد من الدراسات إلى أن الطفرة الاقتصادية والسلوكيات المعيشية العصرية من بين عوامل التراكم المضطرد للنفايات عالميًا، حيث يعد رمي النفايات بمختلف أنواعها في عبوات، واحدة دون التفكير بما يمكن الاستفادة منه سلوكًا سائدًا. وفي المقابل تبدي السلوكيات المعيشية البسيطة بالواحات أسلوبًا نموذجيًا في التعامل مع المخلفات اليومية، حيث اعتاد سكان القصور والقصبات ثقافة فرز النفايات حسب نوعها خاصة مخلفات الطعام والزراعة فمنه ما يوجه كطعام للماشية والدواجن، ومنه ما يجفف ليستخدم كسماد عضوي ومادة مهيِئة للتربة. كما تستفيد الواحات من مخلفات النخيل من سعف وكرب وليف وعتوق التمر الفارغة التي قد تستثمر في صناعات يدوية كما يستخدم جريدها في الطهي بدل غاز البوتان.

لا شك أن هذه الأساليب التقليدية البسيطة تحقق فوائد بيئية ومكاسب مادية يؤكدها التفاوت الواضح في استهلاك المياه والطاقة بين أسلوب عيش السكان في العمارة الطينية وأسلوب العيش في العمارة الإسمنتية الحديثة، إلا أن مجال الواحات لا يمكن استثناءه من تأثير الاجتياح العالمي العارم من المتغيرات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية. بالرغم من انسجام سكان القصور والقصبات مع وسطهم الطبيعي واكتسابهم لمهارات التكيف مع صعوبة المناخ وندرة المياه فقد أدى الانفتاح على العالم الخارجي، إضافة إلى التزايد الديموغرافي، إلى فرض خيارات وأنماط عيش اقتصادية واجتماعية حديثة، باتت تؤثر على تمسكهم بالعناصر الحافظة للبيئة. فبعد أن كانت الأساليب السالفة الذكر القاعدة المحددة لنمط العيش بمجال الواحات، تتنامى في المقابل ظواهر التنقل إلى البيوت الإسمنتية، وأساليب استهلاك المياه بوفرة منذرة باختفاء هوية القصور والواحات.

تتسم هذه الأساليب التقليدية البسيطة من عمارة وسقي وغيرها بأهمية حاسمة، فهي تدعو من جهة إلى الحفاظ عليها باعتبارها تراثًا ثقافيًا واجتماعيًا غنيًا، ومن جهة أخرى إلى دراسة وتحديث المهارات التي استخدمت في تشييدها وصيانتها بصفتها دليل خبرة اكتسبها سكان الواحات من تعاملهم مع العوامل الطبيعية والمناخية واستخلاص مزاياها الإيكولوجية الفريدة كأحد أهم مفاتيح التنمية المستدامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد