لِكل قصة أحداث تبنيها وتشكل قوامها، أحداث قد تتشابه أحيانًا وقد تختلف أحيانًا، قد تبدو متجانسة ومتشابكة يُقوي بعضها بعضًا في شكل بناءٍ كامل مترابط، وقد تبدو مختلفة مُتنازعة فيما بينها من غير رابط واضح يربطها، تَتأملها جيدًا، تُحاول الربط يينها، تُحاول البحث عن أحداثٍ فُقدت على مر الزمان، تَنجح حينًا وتَفشل غالبًا ويبقى هنالك للقصة سرٌ أعانها على الاكتمال والبروز. عَرفته أو لم تعرفه، يبقى هذا السر أساس القصة وأساس وجودها منذ البداية.

التجارب الإنسانية لا تُحلل من خلال أحداثها ومجاري أمورها، فالأمر هنا ليس فيلمًا سينيمائيًا تُحَلِلُ مشاهده وتبني عليها انطباعًا خاصًا، فما هذا إلا ضلال محض، فلكل قصة جانب لا يعرف عنه شيئًا بل ولا يكاد يدركه إلا من عاشها، جانب يستطيع في لحظةٍ الربط بين تلك الأحداث التي كنت تظن أنها لا تُربط، جانب هو جوهر للقصة وعنوان حُدوثها، جانب هو أصل للقصة ومعنى وقوعها، جانب قد يُخفيه الراوي بعمد وقصد منه، وقد لا يدركه ولا يستطيع الإعراب عنه، وبهذا يبقى دفينًا في أعماقهِ لا يظهر ظهور الأنوار، ولا يرحل رحيل الأبرار، فقط ينحصر في مكانه ساكنًا يراقب حكي القصة وسرد أحداثها – بشيء من البرود والاستخفاف – ويقول متحسرًا: لم يكن الأمر يومًا كذلك. وقد صدق. فلو كان بهذه السذاجة لما حدث من البداية.

وهنا يقف الماديّون حائرين أمام هذ النوع من التجارب. فمن شأن هؤلاء القوم أن يجردوا كل شيء من معانيه ويحللوا كل جزء منه على حدة، فينتهي بهم المطاف إلى عددٍ من الأحداثِ التي يصعب فهمها، أحداث بلا روح ولا معنى. فما لهذا الفتى يبدو أحمق في تصرفاته على غير عادته؟ وما لهذه الفتاة لم تعد تأبه لمن حولها، كأن الأمر لا يعينها في شيء؟ هل هي الأمور حقًا كما تبدو؟ أم أن جانبًا هامًا ينقص هذا المشهد يعينك على فهمه؟ تُرى هل سيُكتب له الظهور يومًا؟ لست أدري.

يؤثر ذلك الجانب الخفي تأثيرًا عظيمًا على طريقة عرض القصة والحديث عن أحداثها، حتى إنك لترى اختلافًا حادًا بين رواية شخصين ممن عاشا القصة لنفس القصة أو حتى لذات الحدث الواحد. قد تتوهم لوهلة أن أحدهما كاذب أو أن روايته غير دقيقة، ولكن حقيقة الأمر هي أن كليهما صادق ودقيق، ولو رددت القصة لأصلها وسلكت مسلك الماديين لوجدت أن كليهما كاذب وأن أحداث القصة – في نظر هؤلاء – لا تتحمل إضافات من الرواة، فالحدث بالنسبة لهم واضح لا يحتاج للفحص أو التدقيق.

كذلك فإن الحكم على أي من التجارب بالفشل هو حكم ليس في محله، فعدم انتهائها على النحو الذي كنت تريده أو تتمناه لا يعني بالضرورة الفشل، لأن الإنسان هو حصيلة تجارب عدة خاضها أثرت عليه وغيرت فيه. فكل تجربة هي بمثابة صراع يعيشه صاحبها، وبعد أن تتنتهي هذه الصراعات، ستجد نفسك أمام شخص جديد عليك أن تتعرف عليه. وأنا أعجب كثيرًا ممن يطالب شخصًا بأن ينسى ماضيه وتجاربه -وكأنه يستطيع! – فأي إهانة لماضي الإنسان تلك! فلولاه لما كان ما هو عليه الآن ولتحول إلى مسخ بلا روح وبلا معنى.

ففي النهاية، فإن التجارب الإنسانية لا يحكم عليها بالصدق أو الكذب ولا تؤخذ بأحداثها، ولكن تعيش التجربة وتعيش الجوهر الحقيقي لها، وتصونه وتحفظه داخلك ولا تحاول البوح به، فهو سر وسبب لوجود هذة التجربة الفريدة. أدري أن أحداث القصص المختلفة قد تتشابه، حتى إنها لتصل في بعض الأحيان إلى حد التطابق، ولكن يبقى لكل قصة جانب يميزها عن باقي القصص التي قد تبدو في ظاهرها متقاربة، ولكنها في جوهرها على أتم مستوى من التباين والاختلاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك