مضت سنوات عدة منذ زيارتي الأخيرة لحديقة حيوان، لكن مشاهداتي التي في داخلها بقيت عالقة في ذهن هذا الصغير الذي وإن كبر يومًا، كانت زياراتي لها قليلة جدًّا إلا أنها تعد مصدرًا للكثير من الأسئلة المؤرقة لوالدي، وعلى وجه الخصوص والدتي، والتي يجب أن تكون جاهزة على الدوام للإجابة عن تساؤلاتي في أي وقت، وبطبيعة الحال كانت تجد ما تسكن به نفسي وتغلق به بابًا واسعًا من سيل أسئلتي وتفسيراتي للأمور التي لطالما أعجب بها، رغم ما تحمله من مغالطات منطقية أو انطباعات سريعة، معبرًا عما يختلج في داخلي بكلمات ليست ككلمات طفل صغير يحرص على متعة المشاهدة لا على متعة صياغة الجمل والكلمات، لربما في حينها أيقنت أنه من المعيب ألا أكتب كل ما أجد فيه ما يستحق الكتابة والتدوين.

دعوا كل تلك الكلمات التي في الأعلى جانبًا، واتركوا لي أنفسكم لآخذكم في جولة في تلك الحديقة بأثر رجعي، واعتبروها حالة من استرجاع لذكرياتي بصوت مرتفع.

ولعل أول ما أدهشني كم الحيوانات التي في الأقفاص، وكيف أنها مقسمة تقسيمًا معينًا يعبر عن شيء ما، لربما اللون أو الجنس أو شيء آخر لا أدري إلى أن علمت في حينها أنها قسمت على حسب نوعها وفصيلتها التي تنتمي إليها.

وهنا تبادر أول سؤال في ذهني: أية حكمة تلك التي جعلتها على هذا الشكل، والتي عليه نشأت وتكاثرت لتبقى على وجه كوكبنا الكبير، معتمدة على منهجيات تسمح لها بالعيش والبقاء، ولدت بها من قبل قوة خفية، فيا عظيم صنع الخالق ويا بديع صنعته «المخلوق».

وبدأت أتجول بداخلها «حديقة الحيوان»، وأرى وأستطلع وألاحظ وأتعجب. منها من كان يعيش في مجتمعات صغيرة معًا، ومنها من كان يبقى وحيدًا يدور في قفصه الحديد، ومنها من يبقى واقفًا لساعات دون حراك لا أعلم ماذا ينتظر، وإلى متى سيبقى على انتظاره هكذا، ألم يمل بعد؟ وأخرى لا تكل بحركة دائمة قد أفقدتني حتى قدرتي على فهم ما تفعله وتسببت بتشتيت كل أسئلتي، والتي لربما كانت هذه الحيوانات المحببة إلى والدتي لأنها تلهيني عنها قليلًا وتحد من عدد أسئلتي، تاركة لي الفرصة على التحديق بها ومحاولة تأويل وتفسير ما يدور من ذلك القفص لي وحدي، حتى إن لم أجد له إجابة تشفي لي غليلي وفضولي، كنوع من أنواع التربية التي لطالما أعجبت بها من قبل والدتي، اسمحوا لي أن أقول ولو سريعا إنها كانت أمًّا مثالية أكثر من اللازم بعض الشيء.

المهم حتى لا أطيل لنستكمل مشاهد التعجب وأسئلة الاستفهام في رحلتي الطفولة هذه، لبثنا هناك وقتًا جيدًا سمح لي بمشاهدات أكثر تنوعًا وأكثر دهشة لطفل في ذلك العمر، إن أكثر ما استرعى كامل انتباهي في تلك اللحظات التي بدأت تنطفئ بها شعلة حماستي وأرجع لي قواي الاستقرائية وقرون الاستلحاظ لدي وقتما بدأت حركة غريبة وجلبة كبيرة في كافة أقفاص الحيوانات، لوهلة لم أعرف ما السبب، حتى جاء نداء على مكبرات الصوت لجميع العاملين في الحديقة أنه حان وقت إطعامها، لم ألتفت في لحظتها للكم الهائل من الطعام الذي وزع على الأقفاص، أو عن الجهد والوقت الكبيرين اللذين بذلا لإطعامها، أو المال المصروف على هذا المشهد المهيب.

إنما جل تركيزي في كيفية تلقي هذه الصنيعة «الحيوانات» غير البشرية لغذائها، بتصرفها في البداية مع مزودها بهذه الحصص الغذائية وحتى مغادرته، وأيضًا ماهية فعلها الجماعي بعد انصرافه وأسس قواعد اللعبة فيما بينها، وكيفية توزيع ما خصص لها من غذاء على جميع من في القفص ليشبع الجميع ويبقى على قيد الحياة، أو حصوله على شعور الشبع، وهذا في حد ذاته في محبسه إنجاز ليضمن له البقاء أكثر على هذا الكوكب الأزرق.

انظر معي ماذا شاهدت عيناي الصغيرتان، هي صورة أخرى من سلسلة صور ما شاهدت، فمنها من بدأ منذ اللحظات الأولى يصارع بضراوة على حصته من الطعام والغذاء دون هوادة، مخرجًا كل قواه الكامنة في صراع البقاء والحياة من دون النظر إلى أقرانه أو يرف له جفن لأنه لربما يأخذ حصة أكثر من غيره، أو سيحرم آخر من كل فرصه لسد احتياجه الغذائي، هو عالم الحيوان يا سادة لا حرج، أما على النقيض الآخر هناك في قفص آخر من كان في قمة الهدوء والرقي، أستميحكم عذرًا لاضطراري لاستخدام هذه الكلمة هنا بالذات، رغم أنها لا تستخدم إلا لبني الإنسان، اقترب الكبير ومن أظنه صاحب المسؤولية في القفص بتوزيع الحصص بالتساوي، وأطعم جميع من بداخله في ظل رضا تام من دون أي نزاعات تذكر، وفي قفص آخر أيضًا ثمة شيء جديد وصورة أخرى ومجتمع آخر، حيث جميع من القفص ساعد في تقسيم الحصص الغذائية بالتساوي القائم على الكفاية، وكلف أحدهم بشكل ما ليوزع عليهم نصيبهم من تلك الحصص.

كانت نهاية وجودي في هذه الحديقة؛ إذ جاء نداء والدي وأذان الرحيل من هنا إلى البيت، وتلبيتي للنداء ختام رحلتي المليئة بالمشاهد والصور والراسخة في ذهني حتى كبرت وصرت إلى ما صرت إليه الآن.

ما أريد أن أصل إليه أنه نحن كغيرنا من الخلق على وجه هذه البسيطة، بل كأي دابة تدب على هذه الأرض وتعيش عليها، إلا أن سر اختلافنا عن باقي ما بقي من الدواب عقل أكرمنا رب به، ليجعله نعمة لنا لا علينا، أوجدنا من خلاله قيمًا معنوية تعددت مصادرها من أديان إلهية سماوية، وقوانين وضعية لمنظومات قيمية وأخلاقية، ومنهجيات تواصل وحوار، لتصبح حياتنا أسهل وأجمل.

فمنذ غزو كورونا لكوكبنا الأزرق والعالم بكل دوله يواجه هذا الوباء «الطاعون» بكل قوة ضمن ما تراه من إجراءات وسياسات تنقذ ما يمكن إنقاذه من سكانها وقاطنيها، آملين في الانتصار على هذا البلاء الذي أصابنا جميعًا دون استثناء، لكن وضع تحت كلمة لكن ألف خط وخط، إن ما يقال عن المشهد العالمي الساقط بحكم الواقع من المعيب أن يحدث.

وأن الحدود التي رسمت بين الدول أعادت لي صورة الأقفاص التي في حديقة الحيوان لوهلة، وكل نظامنا العالمي السياسي منه والاقتصادي ارتد علينا أيما ارتداد، فكل ما سعينا له من استنزاف للطاقات والثروات في سبيل السيطرة والسلطة والقوة على حساب قيمة التقاسم والسلم والوجود، عوض حسن التدبير والإدارة لموارده وقمع الفساد من جذوره للبقاء عليه.

إلا أننا أبينا في هذه المحنة، والتي بدأت في ووهان الصينية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في إخراج أسوأ ما فينا من شرور ووحشية وبشاعة على السطح مرة أخرى، ووضع كل إرثنا البشري وما وصلنا له من حداثة وحضارة ورقي، التي استخدمتها في الأعلى للحيوانات على المحك، ووضعنا في اختبار صعب للإنسانية قاطبة بكل مكوناتها من دول وقوى عظمى، واتحادات، وجوامع، ومنظمات أنشأتها البشرية لهكذا محن، فهل تنجح آدميتنا أم الحيوان الذي في داخلنا في خضم هذه الأزمة ونمد أيدينا بعضنا لبعض بعيدًا عن أنانيتنا وأمراضنا من عنصرية وجنون للسطوة المال والنفوذ والنجاة معًا.

إذًا فمن في الحديقة تلك الآن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان, حديقة
عرض التعليقات
تحميل المزيد