أتساءل منذ زمن عن حقيقة امتلاك الإنسان القدرة على التحكم في اختيارات ذاته. أتعكس تصرفات الخلق وأقوالهم عمق ما تحمله نفوسهم من مبادئ أم أنها تُفصّل تفصيلًا وفق المواقف والمنافع والقيم العامة التي يفترض بنا الانصياع لتعاليمها؟ كيف يجد المرء منا القدرة على إنتاج نفاق عميق في خيانته للمنطق ولو كان جليًا؟ ومن أين يستمد طاقته لقلب الحقائق واعتبار الزيف حقًّا أحيانًا؟ وكيف يستطيع التعامي عن واقع الأمور طلبًا فقط لمصلحة شخصية قد تكون في جوهرها عديمة القيمة؟

ماذا يعيش داخل فكر من يسمي نفسه إعلاميًّا، يتولّى المنابر بكل وقاحة غير مكترث للعنات التاريخ والمنطق، يخاطب العالم بثقة في النفس محتقرًا ذكاء الغالبية، موقنًا أن إقناعهم بصلاح الطالح وطلاح الصالح يسير البلوغ، وقد يكون فعلًا الواقع كذلك!

كيف يمكن لوزير خارجية بلد لا تعرف التنمية الحقيقية طريقًا إليه، يسكن فقراؤه عشوائيًّا، ويتذيل ترتيب التنمية البشرية، أن يجد جرأة الوقوف أمام الغير بكل فخر ليقول إنه لسان أمته! من أن يستمد صبره على الحياة في وطنه وهو يرى في معظم تنقلاته للخارج بلدانًا حقيقية، مطاراتها تعكس مجهود مسؤوليها، وشوارعها حلم يتجاوز ما يتمناه مواطنوه.

من أين يستمد أستاذ جامعي طاقة الاستمرار في عمله بفخر والجواب عن أسئلة كل طالب يراه دكتورًا حقيقيًّا ومصدرًا للمعرفة، وهو لا يملك من المقالات العلمية ما يجعل إنتاجه ذا قيمة! ما شرعية وقوفه في مدرجات الجامعة وهو يكتفي بإعادة ترديد ما أنتجه غيره على طلاب ينتظرون منه أن يقودهم نحو معرفة لا تقدمها لهم وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة؟

هل يرى الفقيه فعلًا أن الخالق العدل سيحاسب الخلق في تفاصيل ممارستهم للعبادات، وسيتغاضى عن عبادتهم للبشر بقبول الظلم وشرعنة الخضوع له؟ كيف يجد قلبه العامر بالإيمان قدرة على الدعاء بما تدرك فطرته أنه لا يحمل الخير للخلق؟ كيف يمكن لتوحيده واطلاعه على روعة السيرة النبوية أن يقعا فريسة لرغباته الدنيوية؛ فيضطر لخيانة ما يفرضه الأحد في سبيل إرضاء أي أحد؟

ألم يتساءل يومًا الموظف الكبير عن قيمة ربطة العنق التي يضعها بفخر كل صباح، وهو مدرك أنه سيمضي يومه كأمسه، أو عن ما يجعله أكثر أهمية من مرؤوسيه، وهو مدرك غياب أي إنتاج حقيقي يجعله مستحقًا لمنصبه غير نفاقه لمن هم أكبر منه موقعًا. ألا يرى بجلاء حقيقة أن احترام الغير له لا يطاله لغير منصبه، وأنه بمجرد أن يفقد ما بين يديه من سلطة مهما كان حجمها تحول إلى نكرة قد يطالها نعلات الجميع؟

أيعتبر المسؤولون السياسيون التاريخ مزورًا ليجدوا الجرأة لمحاولة تكرار أخطاء من لا يذكرهم التاريخ بغير السوء نفسها؟! أيحسب أغلبنا أن القدر قد منحه وحده دون البشر إمكانية الخلود حتى يتصرف وكأن الحياة دائمة، الطغيان فيها مباح وليذهب العالم إلى الجحيم؟

ألا يتألم طبيب من أنين متواصل يصل أذناه وهو يمر من مرافق مستشفيات تضيع أعمار الناس فيها من الإهمال؟ ألا يخجل مدرس من نفسه وهو يرى تلاميذه متجهين نحو ضياع حتمي تضيع ساعات يومهم معه دون فائدة لهم؟ ألا يستحي وهو يمد يده ليتحصل على أجرة ساعات إضافية لتلاميذه لا تدل حاجتهم لها إلا على فشله أو غشه؟!

ألا يفكر رجل السلطة الصغير وهو يوجه عصاه نحو رأس شاب معطل أفنى سنين من عمره في طلب المعرفة التي لم يحظ هو منها بغير القدرة على قول نعم؟

الهداية الهداية هي ما ينقص قلوب الأمة، فهذا الفكر البرغماتي الفرداني السائد، الذي بات يجعل الغالبية ترضى بالظلم والزيف والخداع، وتنتج أحيانًا النفاق والتدليس والكذب؛ بل وتصدق كل ذلك وتعتبره حقائق، وهذا ما يجعل الأمل في صلاح حالنا شبه عديم. الذات الوهمية تمكنت من النفوس، وخنقت ذواتنا الحقيقية التي لا ترضى بغير فطرة الحق؛ فصارت حياتنا في معظم تفاصيلها وهمية يغيب الجوهر في وقائعها، ويعوضه تعلق عقيم بواقع كثير الوهم للأسف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد