تقاس نسبة نجاح الدولة والحكومة بنسبة سعادة الفرد فيه ونسبة إحساسه بالأمن والأمان والحرية، وعلى هذا الأساس تبنى الحضارة؛ لذلك ليس كل بناية عجيبة أو قصر يبنى بطريقة هندسية فريدة تسمى حضارة، فهي تبنى على أساس دعم الفرد وإحساسه بأنه مركز الحضارة وأنه هو الحضارة بحد ذاته وعلى هذا ألأساس سيتم تصنيف الحضارات.

حضارة وادي النيل وخاصة الأهرامات التي يفتخر بها أصحاب التاريخ، ولا أدري بماذا هم يتفاخرون، تم بناؤها خلال مده طويلة منذ ٢٠ سنة، ومنهُ ما دون ٢٠ سنة، لا يهمني كم المدة أو الهندسة الفريدة، ولا يهمني كيف تم البناء الذي سال بسببهِ لعاب العالم المتحضر وهم يتخذون من تلك الأهرامات على أنها أمجاد ذاك العصر المظلم، الذي يهمني أن حالة الإنسان في ذاك العصر المظلم، من بنى الأهرامات هم الفراعنة، والفرعون هو صاحب السلطة المطلقة في ذاك العصر وهو الآلهة المقدسة، حيث كان يستعبد الناس ويقتل بغير حق دون حساب وعقاب، بنى الفراعنة الأهرامات باستعباد ألوف الناس وإجبارهم على العمل ليلاً ونهارًا دون أبسط حقوق، لا وجود لنقابة العمال أو الهيئة الرقابية، عليك أن تعمل وإن لم تعمل ستواجه الموت بسبب مخالفة الأوامر، وإذا عملت ستتوجه للموت بسبب التعب والإرهاق و ربما حتى الموت جوعًا، تعال معي نتصور الحياة في ذاك الوقت من ناحية أخرى لنفرض أن حكومة بلدك أصدرت أمرًا أن تعمل ليلاً ونهارًا في مشروع بناء أكبر سد في العالم، ولا توجد نقابة للعمال في بلدك، وإن فكرت في مخالفة الأمر ستقتل، ستذهب وتعمل بمشروع سيقتلك التعب والإرهاق والإهمال الطبي، ستشكو مع نفسك عن الظلم الذي وقع عليك، ستقول مع نفسك مع فائدة ذاك السد إذا كان الشعب يموت جوعًا أو تعبًا، أو ستحزن لمشاهدة ابنك وهو يعمل دون توقف، ستحزن كثيرًا بسبب أن الفرعون الأكبر أمر جنوده بأخذ بنت جيرانك بسبب جمالها الفاتن أخذها جارية، ستحزن على ذلك الأب الذي يكاد يقتلهُ العار الذي لحقه بسبب اغتصاب ابنتهِ بدون حق من قبل جنود الملك بدون رقيب أو سلطة أو محاسبة عليهم، علينا أن ندرك أن الحضارات تبنى في سبيل راحة الإنسان وحفظ كرامتهِ وصون شرفهِ.

ما فائدة الأهرامات في مصر؟ هل كانت مركز تعليم للشعب أو مستشفى أو مركز تجميل؟ هل كانت تخدم البشرية في شيء! كانت مركزًا للظلم للخدمة الإنسان الواحد وهو الفرعون، بنى الأهرامات ألوف من ناس في سبيل خدمة شخص واحد إنسان واحد لا أكثر ولا أقل، وكذلك بالنسبة لحدائق بابل المعلقة هل بنيت للترفيه عن الشعب! لا أبدًا، بناها الملك إرضاء لزوجته الملكة، لم يكن غايته خدمة شعبه بل استغل شعبه لخدمة غايته وهي إرضاء الملكة.

الفراعنة والسومريون واليونانيون والصينيون وكل الشعوب القديمة لم يبنوا حضارة تخدم الإنسانية، لم يبنوا مدارس، ولم يبنوا مستشفيات، لم يبنوا واقعًا يخدم الإنسان، كان الإنسان في ذاك الزمن مستعبدًا ذليلاً إن لم يكن من العائلة الحاكمة، كانت الفوارق الطبقية تسيطر على الحياة في ذاك الزمن، كان الشعب في خدمة ملك، كان الكل يعمل ويقاتل من أجل إرضاء الملك، الملايين يحاولون إرضاء إنسان واحد معادلة صعب استيعابها وفهمها.

الإسلام هو الحضارة التي جاءت من منطلق بناء إنسان، كل الحضارات القديمة كانت مبدأ أساس عمله هو اخدم الملك إلا الإسلام كان مبدأ الأساس عمل حضارة، الإسلام هو اقرأ بمعنى تعلم العلوم التي تخدمك وتخدم البشرية، وهذا شيء لم يكن موجودًا في باقي الحضارات، لذلك سعى نبي الرحمة لبناء حضارة أساسها إنسان متعلم، حضارة تخدم البشرية بدلاً من بشرية يخدمون الحضارة، لذلك فرض الرسول على أسرى معركة بدر أن يعلم كل واحد منهم عشرة من المسلمين مقابل إطلاق سراحهِ، لم تر في زمن بداية الإسلام وفي زمن الخلفاء الراشدين بناء ذات زخرفة عجيبة وغريبة كأهرامات أو حدائق بابل المعلقة، لن ترى سور الصين العجيب أو قصورًا للملوك الرومان أو الفارس، في الحضارة الإسلامية سترى العدل وبدلا من القصور سترى مراكز للتعليم كجامعة الأندلس، كانت أوربا وقته تعج في ظلام دامس كان طلاب أوروبا يرتادون الجامعة الإسلامية لتعلم مختلف العلوم، لن ترى الأهرامات الجديدة لكنك سترى مكتبة بغداد التي كانت مركز العلم ومدينة العلماء، كان طلاب العلم يقصدونه من كل حدب وصوب، الحضارة الإسلامية هي الحضارة بكل معاني الحضارة؛ لأنها بنيت على أساس العدل وبناء الإنسان.

الحضارة في الإسلام مادتها أساسها الإنسان، إنسان متعلم متحضر لا يعبد الملوك، يعبد رب الملوك ملك الأرض والسماوات السبع، الحضارة في الإسلام لا تقوم على أساس الكل للواحد، كل شعب يخدم الملك وغايتهم رضا الملك عليهم، لكنه تقوم على أساس الواحد للكل، فتجد الرسول كان يسعى إلى إنقاذ شعبهِ من الظلم، ومن بعده الخلفاء الراشدون كانوا يسعون في الأرض لخدمة المسلمين، عكس ما كان في أيام الحضارة الغابرة، أيام الظلم واستعباد البشرية لإرضاء إنسان واحد.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد