أمام خزانة الملابس وقفت لأختار! كل ملابس الأيام الماضية كانت وردية اللون، فأيام الامتحانات المتتالية يجب أن تنال عناية خاصة، والوردي يزيد روحي أملًا وإشراقًا! خصوصًا والمطر لا يتوقف والشمس نادرًا ما تطلُّ وأنا أحبهما كليهما! ولكني أريد اليوم لونًا آخر فيه رصانة الحضور القوي الواثق، فاليوم لدي امتحان شفوي طويل وهو الامتحان الأخير في سلسلة امتحانات اللغة السويدية التي تؤهل لدخول الجامعة، وتحقق الدرجة النهائية اللازمة من اللغة للانطلاق في العمل أيضًا! اليوم يجب أن أكون واثقة مما حضرته من قبل! والثقة هي التي ستحملني في هذا الموقف، بعدما بذلت جهدًا كبيرًا ومضنيًا في الفترة السابقة! الثقة بالله أولًا وصدق الاعتماد عليه هي التي فقط ستجمع شتات نفسي وتجعلني أقف بقوة على قدمي! الدقائق تمر بسرعة أضع اللابتوب في حقيبتي حيث جهزت فيه عروضًا متعددة: رواية، وتقرير، وقصتان قصيرتان وقصيدتا شعر! كلها درستها وحللتها وقدمت أهم نقاطها من خلال عروضي! أنزل بهدوء باتجاه موقف الباص وأتفقد كل شيء! الهاتف، مفتاح البيت، بطاقة الباص، حاسوبي! أصلُ المحطة وأفتح الحقيبة لأراجع المواد التي سأقدمها من دفتري الكبير، والذي يحتوي النموذج الورقي الذي سأسلمه للمعلمة قبل أن أبدأ عرضي التقديمي! لا أجد الدفتر! أجري كلمح البصر، كغزال يهرب من أسد ولكن نحو البيت مجددًا! وفي داخلي سؤال واحد: هل يعقل يا الله، بعد أشهر التحضير أن أتأخر عن موعد الامتحان النهائي والباص التالي لن يأتي قبل نصف ساعة أخرى وأحتاج تقريبًا مثلها إن أردت أن أصل مشيًا! عندها لا بد أنني سأتأخر! فتحت الباب بسرعة وانتزعت الدفتر المفقود بالورقة الهامة وجريت مسرعة! لم يأتِ الباص! من كانوا واقفين ما زالوا في مكانهم! الحمد لله، الله لن يخذل عبدًا توكل! لم يفتني شيء ولم يفترسني التأخير! صدري يعلو ويهبط والأنفاس المتلاحقة تحرقه، لكنني أتنفس الصعداء!

مع كل كمية المعلومات التي سأقدمها، علي أن أهدأ وألقي نظرة سريعة بعد الساعات الطويلة التي قضيتها في الإعداد!

الرواية التي اخترتها كانت قصة يافع يهودي نمساوي يضطر للهرب من جحيم النازية ويترك والديه ويأتي لاجئًا وحيدًا للسويد. ينزل الفتى عند عائلة ذات توجه نازي وتنشأ صداقة بينه وبين ابن العائلة المقارب له في العمر رغم أنه ناشط نازي أيضًا وصديق أيضًا لأحد زعماء النازيين في المنطقة!

تقوم كل الحكاية على المفارقة القائمة ما بين صداقة الشاب النازي ابن العائلة، لللاجئ اليهودي الشاب وصداقته في الوقت نفسه للزعيم النازي. القصة حقيقية واسم الكتاب: وفي ڤيينا ما تزال الأشجار واقفة، للكاتبة إليزابيث أوسنبيرك Och i Wienerwald står träden kvar ,av Elisabeth Åsbrinkالكاتبة تفتتح كتابها بذكرى تجربة أبيها المشابهة لتجربة اليافع اللاجئ اليهودي، وعن ذات الشعور بالوحدة والاغتراب! وشعورها القوي هي ذاتها بما عاناه والدها كان دافعًا لها هي لتكتب! فكثيرًا ما تكون معاناة الآباء والأجداد ثأرًا تأبى الروح أن تنام دون أن تأخذ به ولو عن طريق كتاب! ولهذا كتبت إليزابيث هذا الكتاب الذي يعتبر من أدب الحقائق، حيث إنه كله بني على معلومات حقيقية موثقة وبحوث ومقابلات مع الأشخاص الذين كانوا جزءًا من القصة أو من يلوذ بهم. نال هذا الكتاب جائزة Augusti pris لأفضل كتب الحقائق Fackbok لعام ٢٠١١.

كانت لدي خيارات متعددة بخصوص اختيار رواية لتقديمها في امتحاني الأخير، ولكنني عندما أخذت فكرة عامة عن الروايات المقترحة، وجدتها باهتة وسخيفة! لكنني عندما قرأت عن هذه الرواية وكأنني وجدت ضالتي: هاهي! شيء ما يشبهنا! شيء ما يحكينا! لن أدخل أبدًا في أي جدل يتعلق بهوية بطل القصة وأبعاد ذلك! كل ما أستطيع فهمه اليوم، يتعلق بالإنسان!

الإنسان الذي يعاني من الحرب! الإنسان الذي تأكل الحرب عمره وأحبابه ويحارَب مِن أجل هويته! سنية أو يهودية أو بورمية أو حتى مريخية أو زهراوية! أنا الإنسان والإنسان أنا! كم هو صعب أن يكون هذا فعلًا صوتنا! أنا الإنسان الطفل الذي يحلم بأن تتوقف الحرب لنجلس ونأكل معًا الحلوى بعد الطعام! هذا كان مدار القصيدة الأولى التي اخترتها: (الصراع قد حُلَّ) وكاتبتها لينا أيكداهل، Lina Ekdahl, Konflikten är löst. أما القصيدة الثانية التي اخترت مناقشتها وتحليلها قصيدة لكاتبة بولندية اسمها ڤيسلاڤا سيمبورشكا     Wisława Szymborska واسمها: النهاية والبدايةSlutet och början. نهاية الحرب تعني بداية الحياة! ومن تبقى من البشر بعد نهاية الحرب عليهم أن يشمروا عن سواعدهم ويقوموا بإزالة الأنقاض ودفن جثث الموتى وعلاج الجرحى بعد الحرب! والأهم من هذا كله أن يتوقفوا عن التنازع والتجادل والتصارع ويدفنوا خلافاتهم تحت الأشجار. العشب يغطي السبب والنتيجة! والمهم أن تكون في الفم سنبلة والعينان تنظران للغيوم، والشعوب عليها ألا تفقد الأمل وتعيد البناء.

أما القصتان القصيرتان فقد اخترتهما لكاتب واحد Hjalmar Söderberg، يالمر سوديربيرج وهو من الكتاب المشهورين في السويد، توفي عام ١٩٤١. القصة القصيرة الأولى اسمها: الفراءPälsen وهي تحكي قصة طبيب فقير له زوجة جميلة وصديق غني. يضطر الطبيب للاستدانة من صديقه الغني ليشتري لزوجته هدية لعيد الميلاد ويستعير أيضًا من صديقه معطف الفرو. يدخل الطبيب مدخل بيته المعتم سعيدًا وهو يظن أن زوجته ستقابله بحب وبهجة كما لم تفعل منذ زمن طويل جدًا! فهو قد كان فقيرًا ومريضًا في الفترة الأخيرة والأهم أنه كان متعطشًا للحب! تقبل الزوجة فعلًا وتعانق الرجل الذي يرتدي معطف الفرو على مدخل البيت، وتقول له: أسرع زوجي ليس في البيت! لكنه يقول لها بذهول: بل هو البيت! وهنا يكتشف خيانة زوجته له حيث أنها ظنته صديقه الغني الذي كانت على علاقة عاطفية به واشتبه عليها الأمر بسبب معطفه الفرو في تلك العتمة! وهكذا تنتهي الحكاية بالطبيب مستلقيًا في سكون على ما يبدو أنها لحظاته الأخيرة، ممتنًا لآخر لحظات الحب والسعادة في حياته ولو عن طريق الخطأ فقط!

أما القصة الأخرى اسمها: اللوحة المرسومة بالريشة Tuschritningen القصة عن رجل خرج لشراء السجائر، وبعدما اختار سجائره وقف أمام بائعة شابة فاجأته بسؤال لم يتوقعه: ما هو معنى هذه الحياة؟! احتار الرجل بمَ يجيب! قال لها: لا أدري! في الحياة سماء وأرض وطريق! فإذا به يفاجأ بالفتاة تبكي أمام إجابة لم ترو غليلها! هنا يتراجع الرجل عن فكرة شراء السجائر ويخرج! كان يتمنى أن يرسم لها لوحة جميلة عن الحياة بالريشة وهذا هو اسم القصة! ولكنه لا يدري فعلًا هل هناك معنى للحياة؟

في كلتا القصتين يشيع جو بارد جدا، بارد روحيا ً وصامت! عدد كلمات قليل وانفعالات باردة جدًا لا تشبه أبدًا انفعالاتنا المتفجرة وكلماتنا المنهمرة كشعوب عربية! ولكن في القصتين،في جو الهدوء هناك صوت داخلي يعلو وتحت البرد هناك عقل يغلي بالأسئلة! روح إنسانية تبحث عن معنى؟ قد تتقبل مؤقتا ألا معنى للحياة سوى أن تعيشها بعدما فقد الشعب السويدي تقريبا أي إيمان ومعتقد ديني! لكن هذه الروح تبقى حائرة! تبقى تائهة، تبقى تتساءل! هذا ما كان واضحًا لي عن الإنسان في كلتا القصتين. إنه إنسان يبحث عن معنى وهي روح تبحث عن مرفأ أمان!

سألتني المعلمة التي تختبرني في اللغة السويدية: نور! لماذا اخترت هذه الأشعار والحكايات! قلت لها: لأنها تشبهني! فأنا مثلهم! مثل اللاجئ الغريب الباحث عن حياة والمتحدي للكراهية والحقد! ومثل تلكما اللتين تريدان أن تستعيدا الحياة بعد الحرب وألا تفقد الشعوب الأمل! مثل أولئك الذين يبحثون عن إجابة، عن مرفأ أمان! أحارب كي لا أغرق، أسعى لكي لا أسقط، أدرس كي أفتح آفاق المستقبل. فالإنسان دومًا يا أخي الإنسان يبحث عن معنى! يبقى أنه أحيانًا يتمكن من أن يربط حياته بمنبع للنور يستطيع به أن يستدل على الطريق ويثبت عليه لو تعثرت خطاه! وبهذا يغدو للخير وللشر حكمة ويكون امتحاننا بهما هو الامتحان الأكبر في هذه الحياة، وبهذا فقط فعلًا نستطيع أن نفهم ما هو معناها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد