في طفولتك لا تدري كيف يبدأ وينتهي يومك؛ فقد يبدا بقفزة هنا أو مشاجرة هناك، لا يهم كيف، المهم أنه يبدأ وأنت منسجم مع ذاتك.

تمر الأيام وتصبح في سن الالتحاق بالمدرسة، تستيقظ بحماس في أيامك الأولى، ولا تمر الأيام حتى يقل هذا الحماس تدريجيًا، فقد أدركت أن المدرسة ليست بنشاط محبب إليك، ولكنه مفروض عليك.

تتأفف وتتذمر، ولكن ومع كل الهمهمات التي تصدرها لا أحد يصغي إليك.

تمر الأيام وتبدأ بالانسجام مع الوضع المفروض عليك، وتتنازل عن 7 ساعات من حياتك، وتقول لنفسك: لا يهم طالما أستطيع اللعب حينما أعود.

تعود وتفرض عليك واجبات عليك حلها فتعود لإقناع ذاتك، لا يهم سألعب حينما أنتهي من فروضي المدرسية. بالكاد تنتهي حتى يتم فرض النوم عليك أيضًا!

تمر الأيام، ها أنت في المرحلة الثانوية، وقد تنازلت عن جل يومك لعائلتك ولدراستك، ولم يبق لك سوى القليل، لم يعد الوقت يكفي للتنازل عنه كقربان، فأنت الآن أصبحت كبيرًا على دائرة الأهل الذين يطلبون وقتك، عليك تقديم قربان يفوق الوقت الآن.

تملك أفكارًا تختلف عمن يعيشون حولك؟

مواهب في جوانب يراها أغلبية البشر غير مهمة؟

شعور بالعظمة ( شعور إيجابي، وليس بجنون العظمة) يجعلك تضع خططًا لإنقاذ العالم أو اكتشاف أفكار جديدة. كل هذا لا يهم عليك بالتخلص منه حالًا في العالم العربي إن أردت أن يتم قبولك اجتماعيًا!

وقتك، أحلامك، أفكارك، إبداعك، كلها قرابين عليك نحرها؛ لكي يتم قبولك كفرد في المجتمع الذي يحيا حياة إلا ربع!

في بداية العشرين تبدأ قائمة أهدافك تقل شيئًا فشيئًا، تتنازل أكثر، ولكن ليس بذات صيغة ذاك الطفل، بل الآن بطريقة تناسب الكبار، أشقى الآن لأرتاح غدًا! مع أنك تدرك أن وقت لعبك بدأ في التلاشي منذ اللحظة التي قدمت فيها تنازلك الأول!

معايير أخلاقية عليك بالتحلي بها، وعادات لا تنتقد وأفكار دينية لا يمكنك نقدها، تفاهات مقروءة ومرئية، واهتمامات يتم فرضها عليك.

في بداية العشرين تدرك أن كلمة لا لم تعد مجرد كلمة تعبر عن الرفض، بل تحتاج لعمل كبير لكي تعبر لا عن الرفض حقًا، وهذا الرفض قد يقودك الى مخاطر أكبر.

في بداية العشرين تدرك أن السجن أقرب إليك من حبل الوريد، وأن أحلامك ليست إلا شيطانًا عليك التعوذ منه؛ كي لا يصيبك الهم والغم.

تعادي الواقع وتبحث عن عالم مجازي، فلم هنا، ومسلسل هناك، وبرامج تسلية بينهما، وفي أشد الحالات تطرفًا تستخدم كل ما يذهب العقل، فالمهم أن لا تواجه هذا الواقع، ولا تواجه الطفل الحالم في داخلك.

وكلما كبر صوت الطفل الحالم تقابله بألف عذر، ولكن لطالما كان الطفل أذكى من البالغين.

هل هذه هي الحياة؟ سؤال تهرب منه، ولكن أين المفر، وهو يحاصرك من أربع جهات؟

تمر بك الأيام، ولا تمر أنت بها، وحينما تصل لمنتصف العشرين تدرك أن أمامك خيارين في هذه الحياة:

إما أن تحيا حياة كاملة وفق ماتريده أنت.

واما أن تحيا حياة إلا ربع، تذهب لعملك وتتزوج وتنجب وتأكل وتشرب وتموت، حياة يعشقها كل سياسي مجرد نصف إنسان بلا وعي، واستهلاكي لا أكثر.

لك الخيار، إما أن تكون أنت وتوقف سلسلة التنازلات التي قدمتها منذ صغرك، أو تكون كأية نسخة أخرى موجودة حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد