يُهدِر رئيس وزراء تركيا العظيمة «بن علي يلدريم» جزءً من وقته؛ ليتصل بعائلة فتاة؛ كي يقنعها بالزواج من شرطي رفضته العائلة، تبدو الحادثة طريفةً أو «شو إعلامي» يعطي صورةً ورديةً عن هذه الشخصية أو الدولة التي يمثلها، لكن في الحقيقة، إن هذا الموقف إنما يبرز أمامنا المبدأ الذي نهضت تركيا- وغيرها – على أساسه، وانتقلت من براثن التخلف والضعف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، إلى مصاف الدولة الصاعدة، هذا المبدأ يتمثل في إحياء الفرد والاهتمام بالإنسان صاحب الثروة الحقيقية وصانع النهضة لكل الأمم التي تطورت ونفضت عن نفسها غبار التخلف والضعف.

أذكر أنني قرأت في «ميثاق تركيا الجديدة 2023» الذي أعدّه «حزب العدالة والتنمية» كبرنامجٍ لخوض المعركة الانتخابية البرلمانية يونيو (حزيران) 2015، والذي يتكون من 100 مادة، كانت الأولى فيه تنص على أنه «من غير الممكن لأي نظام سياسي لا يخاطب الإنسان، ولا يرعي المكان والزمان، أن يدوم»، ثم تبعتها مواد أخرى تؤكد على المبدأ الأساس للجمهورية التركية وهو «حماية كرامة الإنسان»، واستدلوا في المادة السابعة بقول الشيخ «أديبالي»، وهو عالم ديني عاش في فترة تأسيس الدولة العثمانية، «أحيي الإنسان؛ كي تحيا الدول»، ونجاح تركيا المبهر اليوم، وصعودها المستمر، دليل دامغ على صدق هذه العبارات والمعتقدات وصوابيتها.

لطالما تعلمنا وقرأنا بأن الإنسان هو التكوينة الأساس للأسرة، المجتمع، الدولة والأمة، ولولاه لما قامت قائمة لأحد، والاهتمام به يعني بالضرورة اهتمامًا بالأمة كلها، والتفريط به تفريط بمستقبل الأمة وعماد قوتها ونهضتها، لكننا على الواقع عايشنا عكس ذلك تمامًا في وطننا العربي، الذي نشهد أسوء فتراته تاريخيًا في مسح ذاتِ الإنسان وتجريده من أهميته كعنصر بناء للأمة والحضارة، والنظرة إليه باتت على أنه مجرد رقم عالة على الدولة، لا يستحق التعامل مع مشكلاته وأزماته؛ كي يتحول من هذا الدور السلبي إلى الدور الإيجابي الحقيقي الذي وُجِد من أجله، وهو عِمارة الأرض والإسهام ببناء دولته وحضارته.

هذه النظرة القاتمة للإنسان في العالم العربي هي سبب تخلفنا وتراجعنا، نحن في عيون أنظمتنا مجرد أرقام لا أهمية لها ولا داعي لإهدار الوقت والاهتمام من أجلها، بل على العكس أيضًا يجب طمس متطلباتها وإطفاء شمعة معاناتها ومشكلاتها وتحميلها ما يمكن تحميله من المسؤولية عن التراجع والتخلف والمشكلات الاجتماعية والسياسية التي ضربت مجتمعاتنا؛ في المدارس يتكدس الطلاب في الفصول، ولا اهتمام بجودة التعليم أو كفاءة المعلم، وفي المستشفيات تتزاحم طوابير المرضى متنوعي الشكاوى وللجميع دواء واحد، إنه المسكّنات؛ لأن الدولة ليس لديها الوقت والمال والجهد الكافي لمتابعة أمراضكم جميعًا، واحمدوا الله أن وجدتم هذه المسكّنات، ناهيك عن قائمة طويلة من الحريات المنتهكة والحقوق المسلوبة.

هذه الدائرة التي وضعتنا فيها أنظمتنا البائدة عززت من ظاهرة «هجرة الكفاءات»، والتي بسببها بتنا كـ«القَرعة التي تتباهى بشعر أختها» فحين نسمع بعلماء ومبتكرين ومتفوقين عرب أبدعوا وأنتجوا وحجزوا لأنفسهم مكانًا في قطار العلم والتقدم والابتكار في غير بلدانهم أصبحنا، ومعنا هذه الأنظمة أيضًا، نتغنى بهذا العالِم أو ذاك الذي يقضي حياته، وحتى الممات مغتربًا في كنف من يهتمون بعلمه وعقليته وابتكاره، وحين مماته، إما أن يدفن هناك، أو يرد الجميل لبلده، بأن يوصي بدفن جثمانه فيها، كما حصل مع العالم المصري «أحمد زويل» أخيرًا، والذي لم يُكرَم في بلده، لا حيًا، ولا ميتًا، حينما وصل جثمانه في تابوت عبر طرد بريدي، في مشهدٍ لا يوحي، إلا ببشاعة النظرة إلى الإنسان، بل إلى العالِم أيضًا، تجعلك هذه الصورة المؤلمة تتساءل إذا كان جثمان العالِم الميّت يُستقبل بهذه الطريقة الدنيئة فكيف بإنسانٍ عادي ما يزال حيًّا!

على الضفة الأخرى نرى كيف حوّلت دولٌ وحضاراتٌ الإنسانَ إلى معول انتماءلأمته ودولته، شاهدنا جميعًا كيف تهتم الدول بإنسان واحد من ملايين البشر المسجلين في سجلاتها المدنية، لأنهم يعرفون أهمية هذا الإنسان ويعطون للـ«واحد» قيمته الحقيقية، شاهدنا جميعًا كيف نزل «أردوغان» من موكبه لينقذ شابًا حاول الانتحار بإلقاء نفسه من جسر البسفور، وتابعنا جميعًا الضجة الدبلوماسية والشعبية التي أحدثتها حادثة مقتل الطالب الإيطالي «لوجيو ريجيني» على يد الشرطة المصرية، مشاهدٌ وشواهد تكشف فجوةً بين إنسانٍ وإنسان، فذاك الشاب المقدِم على الانتحار في تركيا أو طالب الدكتوراه الإيطالي ليسا أقل أهمية وكفاءة أو إنتاجية من ملايين الشباب العرب، بل ربما تجد أفضل منهم بالكثير والكثير، لكن معيار المفارقة هنا هو نظرة دولِهم إليهم كقيمة بشريةٍ خالصة وكتلةٍ من الطاقات والمهارات التي تسهم في إعمار الدولة وبنائها وتقدمِها، لكن في بلادٍ أخرى ينظر إلينا على أننا عدّاد أرقام يجب أن يزيد؛ لكي نمنح الرسول المباهاة يوم القيامة أمام الأمم، لكننا نسينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام لجنازة يهوديّ مرت أمامه، فقيل له: إنه يهودي، فرد قائلًا «أليست نفس».

من المؤسف أنني مررت بتجربةٍ شخصيةٍ في هذا الأمر وجدت من خلالها تجذّر هذا المبدأ بشكلٍ عميق حتى بين كثير ممكن نصِفُهم بالعلماء ورجال الدين وأصحاب العقل الراجح ونتوسم فيهم الخير والصلاح، حين نصطدم في حياتنا بقضايا في ذات المحور نكتشف مدى سيطرة هذه المعتقدات السيئة التي تنتهك إنسانيتنا وتسحق كرامتنا وتهدر حقّنا، تزجنا في صراعاتٍ دينيةٍ وطائفيةٍ وسياسيةٍ لا ينُظر بأهمية إلى عدد الضحايا الذين سقطوا أو الذين سيسقطون لاحقًا بسببها، نحن في نظرهم لهذا خلقنا، ولهذا وجدنا؛ كي ندافع عن عروشهم وبقائهم، ونكون كرعاةٍ في إقطاعياتهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد